الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ركز المقطع الأول على أهمية العمل الصالح في منهج أهل السنة والجماعة ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى أن الإيمان يزيد وينقص بحسب الأعمال. كما بين أن التزكية تكون بكثرة الأعمال الصالحة.
تناول المقطع الثاني موقف الفرق الضالة من العمل الصالح، موضحاً تباينها في الاهتمام بالأعمال الصالحة وتفسيرها لها، حيث أسقط بعضها العمل من الدين أو أباح المحرمات تحت مظلة الولاية.
المقطع الثالث حذر من جماعات معاصرة تتهاون بالأعمال الصالحة وتبرر أفعالها المحرمة بمصالح دعوية أو انتماءات حزبية، مشيراً إلى خطر هذه الأفكار على المجتمع الإسلامي مستشهداً بفرق ضالة مثل المرجئة والرافضة.
المقطع الأخير أكد على عناية أهل السنة والجماعة بالعمل الصالح كجزء أساسي من دينهم ودعوتهم، وسأل الله أن ينفعهم بما تعلموا ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث، والذي هو معقود للركيزة الثالثة، وهي ركيزة العمل الصالح، إذ أننا بصدد تتبع أهم الركائز التي حرص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته، فكان حديثنا عن العمل الصالح، فكان في المجلس الأول ما يتعلق بمدى عناية نبينا عليه الصلاة والسلام في أول دعوته بالحث والترغيب والإلزام بالعمل الصالح، ثم كان في المجلس الثاني الإشارة والتدليل على أهمية العمل الصالح في الشريعة، فذكرنا المناقب والفضائل والمسائل التي بها يعلم المسلم والمسلمة مدى ضرورة العمل الصالح، وأن الإنسان يقبل على الأعمال في كل الأحوال. وها نحن في هذا المجلس الثالث، والذي نختم به هذه الركيزة، والذي فيه سنسلط الأضواء على معرفة أحوال الناس، وخاصة أهل الدعوات، من ركيزة العمل الصالح، كيف هم في قيام بها؟ وأول ما نبتدئ به من مواقف الناس أن نتعرف على موقف أهل السنة، كيف هم في مقام الاهتمام والعناية بالعمل الصالح؟ فإن أهل السنة والجماعة في دعوتهم لم يخرجوا أبدا عما سار عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من العناية بالعمل الصالح، بل جعلوا للعمل الصالح في دعوتهم العناية العظمى والاهتمام الأقصى، وذلك بالحرص على الطاعات من الفرائض والواجبات، والكف عن المحرمات. ومما يدلل به على أهمية العمل الصالح في دعوة أهل السنة والجماعة ما يأتي: أولا، أن أهل السنة والجماعة علموا بل وأخبروا بأن بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام إنما قامت على أمرين اثنين، قامت على العلم النافع وعلى العمل الصالح، وفسروا قول الله جل في علاه: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾، دارت كلمات المفسرين على أن الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، هذه بعثته عليه الصلاة والسلام. ولهذا حرص أهل السنة على أن يسير على ما سار عليه نبينا، وما بعث به، أي دعوة الناس إلى العمل الصالح. أضف إلى ذلك مما يدلل به على عناية أهل السنة والجماعة بالعمل الصالح أنهم جعلوا مسألة الإيمان، وهي من أعظم مسائل الدين، أن مسألة الإيمان تقوم على ثلاثة أركان: نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالأعمال وينقص بالعصيان. فمن تأمل إلى حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة يجد أن مسألة العمل لا تنفك أبدا عن الإيمان، بل هي معه، فمتى ما وجد العمل وجد الإيمان، ومتى ما وجد الإيمان وجد العمل، فهم لا يفترقان، الإيمان هو نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وأن الإيمان يزيد وذلك في الأعمال، وينقص بالعصيان. ومن هذه المسألة، إخواني في الله، لما علم أهل السنة أهمية العمل في الإيمان، جعلوها مسألة عقدية، مسألة عقدية، وأن المسلم لا بد أن يتربى على العمل حتى يزداد إيمانه. فالثاني مما يدلل به كذلك على عناية أهل السنة في دعوتهم على مسألة العمل الصالح ما يسمى بمبدأ التزكية، وهذا مما يشير إليه علماؤنا أن الدعوة السلفية تقوم على التزكية، ما الموصوع بالتزكية؟ تزكية النفس، أن النفس تزكى، قد أفلح من زكاها، اللهم طهر، اللهم آتي نفوسنا تقواها وزكها، أنت خير من زكاها. فتزكية النفس أمر ومطلب شرعي، لكن يا ترى كيف تكون تزكية النفس؟ لا تكون إلا بكثرة الأعمال، والإقبال على الله بالطاعات، وبترك الحرمات والمحرمات، فسار أهل السنة على هذه المسألة، يربون أتباعهم ومن انتمى تحت لوائهم بضرورة أن يزكوا أنفسهم، بأن يربوها على تربية أنفسهم على الأعمال الصالحة. وتأمل يا عبد الله ما يتعلق بالفضائل العظيمة التي مرت معنا في هذا الباب. كذلك مما يتعلق بأمر أهمية الأعمال عند أهل السنة أنهم جعلوا هذا المبدأ هو المبدأ الذي يكون من خلال تقويم الأنام، تقويم الناس، لا على أجناسهم ولا أشخاصهم ولا أوصافهم، وإنما يكون تشخيص الناس وتقويمهم على أعمالهم، فمن كان عمله من الأعمال الصالحة قرب، ومن كان فاجرا ماجنا أبعد، ولو كان أقرب قريب. قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إن الوحي قد انقطع، إن الوحي قد انقطع»، أي بموته عليه الصلاة والسلام، «وإنما نعامل الناس بما ظهر لنا منهم، فمن أظهر لنا خيرا قربناه، ومن أظهر لنا شرا أبعدناه»، بماذا أظهر؟ بأعماله، فالذي يأتي منه الخير، يأتي منه الصلاة والصلاح والفلاح والتقى والأعمال الخيرية، هذا يقرب منا وإلينا، ولو كان من أبعد البعداء، ولو كان في شرق الدنيا أو في غربها، فمن عباد الله الصالحين. وأما من كان فاجرا ماجنا، كما قال عمر، ومن أظهر لنا سوءا، أي في تعامله مع ربه وعلاقته مع غيره، هذا نبعده، فدل على أن التقويم الأنام إنما يكون على حسب الأعمال، وعلى هذا سار عليه أهل السنة والجماعة في دعوتهم أن يعاملوا الناس على ما كان من أعمالهم. وهكذا مما يدلل به على أهمية العمل عند أهل السنة والجماعة أن أهل السنة لا يفرطون في الأعمال ولو في أحلك المواقف، فما تجد منهم أبدا رخصة، كما سيأتي معنا في باقي الجماعات، ما تجد عند أهل السنة والجماعة رخصة في ترك الأعمال حتى في أحلك المواقف، فعندهم العمل يستمر معك ما دمت حيا، ما دام نفسك تضطرب بين صدرك وقلبك ينبض بالحياة، فأنت ملزم بالطاعة حتى تلاقي ربك، «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». لنفكاك عن العمل ما دمت حيا، حتى إذا اشتدت عليك الأمور وابتلاك الله واعتراك بما يعتريك به من أزمات، من مشاكل، من أمراض، من أسقام، من آفات، يسقط عنك العمل؟ الجواب: لا، وإنما يخفف عنك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». وسار أهل السنة على هذا الباب، لا يعلمون الناس على ترك الأعمال، لكن إذا اشتدت عليهم الأمور خفف عنهم في باب الأعمال. فالشاهد، إخواني في الله، أن دلائل عناية أهل السنة والجماعة بمقام العمل الصالح كثير وكثير جدا في دعوتهم، فهم حرصوا كما حرص عليه نبينا، وهكذا ما جاء في شريعة ربنا. هذا فقط نموذج أو نماذج سريعة حول موقف أهل السنة والجماعة من العمل الصالح، من الإلزام بالطاعات وبالكف عن المحرمات. نأتي الآن عند باقي الجماعات والفرق، كيف هم؟ تجد أن باقي الفرق والجماعات والدعوات أنهم يتباينون تباينا شديدا في العناية بالأعمال، منهم من أسقط العمل الصالح من دينه ومن تدينه، فلم يرفع له رأسا، وما يلقي له بالا، وما اعترف بشيء يسمى عمل صالح. وهذا مثل يعود إلى الفرق الباطنية، كالقديانية والبهائية والنصيرية والدروز وغيرهم، هؤلاء ما عندهم عمل صالح، ما عندهم شيء اسمه صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج، بل أسقطوها عن أتباعهم، ما دام أن الواحد منهم منتمي لفرقتهم ومنتمي لأمورهم، فهذا منهم وإليهم، وإن لم يفعل شيئا من الصالحات. بل إنهم أباحوا العظائم، أباحوا المبيقات، منهم من أجاز شرب الخمور والمسكرات، بل منهم كالدروز والباطنية والقرامطة أباحوا نكاح المحارم، لك أن تتزوج من أختك، ولك أن تتزوج من ابنتك، هذا مسطر عندهم، هل أبقوا عملا صالحا؟ لا والله. وللأسف أن هؤلاء من سيأتي بعدهم، مع تهاونهم العظيم بالعمل الصالح، صبغوه باسم الدين، باسم الدين. فهؤلاء الباطنية عندما تركوا العمل، تركوا العمل الصالح بحجة ماذا؟ التفسير الباطني. فرقة ثانية ممن ترك الأعمال من زعم على أن المسلم إذا بلغ إلى درجة معينة من تدينه، فحينها الأعمال الصالحة والتكاليف الشرعية تسقط عنه، تسقط، فلا يلزم لا بصلاة ولا بصيام ولا بشيء مما أمر الله جل وعلا به، ويرون أن هذه حظوة، وأن هذه منزلة علية يؤتاها من يؤتاها من خيارهم، بأن الله يسقط عنهم التكاليف. وقد أشرنا إلى أن هذا باطل، وأن التكاليف ما تسقط عنك أبدا حتى تموت، يا عبد الله، وأنت على عبادة لله. فرقة ثالثة من الفرق الضالة من زعم على أن الإنسان لربما بأعماله الصالحة تنعكس عنده الأمور، كيف تنعكس؟ أنه بإمكانه أن يفعل المحرمات وأن يرتكب الموبقات تحت مظلة أو ما يسمى أنهم من أولياء الله، فيبيح الله جل وعلا لهم ما حرم على غيره من العباد. ولهذا لا عجب، لا عجب حتى لا يقول قائل أنا نفتري على طائفة من الناس، بل هذا مسطر في كتب بعض الفرق الضالة، أن من كرامات أعيانهم، ومن كرامات ومعجزات كبرائهم، أن منهم من لربما يدعي الغيب، ومنهم من يدعي أنه يحيي الموت، ومنهم من يفعل الفواحش، منهم من يلاحق النساء، بل ويقترف جريمة الزنا، وغيرها من الفواحش، منهم كما ذكر شيخ الإسلام أنه يشرب الخمر، يشرب الخمر، ذكر هذا في كتابه «الفرقان». فالشاهد أن هؤلاء، وهذا طبعا باسم الدين، هؤلاء يفعلون هذه الرزايا والبلايا باسم الدين، هل هذا عندهم عمل صالح؟ لا والله، بل عندهم أن فعل المحرمات هذا عمل صالح، حتى أن هؤلاء الأتباع إذا كلموا: «يا قوم، هذه كرامات، فعل الفواحش كرامات، فعل الرذائل هذه ولاية من الله»، قال: «أنتم ما تفهمون، هذا يدخل فيما يسمى بالعلم المكنون أو بالعلم اللدني». هؤلاء يرون أشياء أنتم ما ترونها، أنتم ترون معصية أمامكم، لكنهم يرون أمرا آخر الله أعلم به، سبحان الله، هكذا تدغدغ به العواطف. أما سمعت ما قال عمر؟ «فمن أظهر لنا خيرا قربناه، ومن أظهر لنا شرا أبعدناه، بماذا أنه يأتي الفواحش؟ هذا مبعد، لا تسميه وليا، وعلى ذلك أمره إلى الله. أما أنك تبحك على الناس وتجعل صاحب الفواحش والفجور والمجون وليا من أولياء الله، هذا عبط. كذلك يا عبد الله، من الفرق الضالة، الفرق التي جاءت وأخرجت العمل عن مسمى الإيمان، وأعني بهم المرجئة، الفرق الضالة المضلة، كالجهمية، وكالأشاعرة، وكالكرامية، وغير والماتوريدية، وغيرهم ممن قالوا: «أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان فقط، حسبك أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن تقر بوجود الله، والاعتراف بنبوة نبيك، يكفيك هذا، والعمل الصالح أمر زيادة، إن جاء فذاك، وإن لم يأت فلا عتب عليك»، سبحان الله. حتى قال قائلهم: «أنه لا يضر مع الإيمان معصية، مهما فعلت من المعاصي، فإن الإيمان لن يتأثر». ولشؤم هذا الفكر الأهوج الأعوج، إذا تخيلنا أن هذا الفكر يزيد بين الأفراد وبين الناس ما تظن؟ إذا كانت المعاصي ما تؤثر في الإيمان، إذا فعلناها، يا عبد الله، ما يحلو لك بفعل المحظورات والمحرمات؟ لأن إيمانك ثابت، لا يتزعزع. ومن هنا تكلم أهل السنة بالكلام الشديد والتحذير العظيم على فرقة المرجئة، على كافة صورها. وهكذا، يا عبد الله، من الفرق الضالة، ما سار عليه جماعات من الضلال، من أهل الأهواء، ممن استباحوا الأموال، واستباحوا الأعراض، بحجة الدين والتدين، كالرافضة، خرجوا على الناس، وأخذوا أموال الخلق تحت ما يسمى «بالخمس»، بالخمس، وهو أكل لأموال الناس بالباطل. بل ما اكتفوا بهذا، حتى تصلطوا على أعراض المسلمين والمسلمات، فوقعوا في فاحشة الزنا، تحت ما يسمى «بالمتعة»، فيأخذ من المال ما شاء وطاب، ويأخذ من أعراض النساء، ويفعل هذا ويفعل هذا، حتى بلغنا أن منهم من يذهب إلى أوروبا، ويدخل إلى بيوت الدعارة، فيقترف الدعارة والفاحش والزنا، باسم المتعة، هل هؤلاء عندهم شيء اسمه عمل صالح؟ ومثلهم الخوارج، الخوارج الذين خرجوا على الناس، فبعدما أن قاموا بالتكفير لمجتمعات المسلمين، استولوا على الأموال بحجة أنها غنائم، فاقتنزوا الكنوز، وأكلوا أموال الناس بالباطل، ثم اكتفوا، لا، ووقعوا على أعراض المسلمين، فوقعوا في فاحشة الزنا، تحت أن النساء عبارة عن سبايا، سبايا، وأنه يجوز للمجاهد أن يتمتع بالسبية. ففعلوا ما فعلوا، وسل يا عبد الله ما وقع في أرض ليبيا، وفي أرض الجزائر، عندما دب هذا الفكر، واستولوا على قرى مسلمة، فأكلوا الحرام، وسفكوا الأعراض، وانتهكوها. وهكذا قصة، يا عبد الله، الجماعات المعاصرة التي خرجت على الناس باسم الدعوة، تجد أن معيار العمل الصالح عندهم قليل، قليل جدا، أو يكاد يكون معدوما، ليس كأهل السنة الذين حرصوا على الدعوة، حرصوا على التحذير، حرصوا على الإلزام والبيان، على التشديد على العمل الصالح، وأن قيام الخلق والكائنات والوجود إنما مرهوم بالأعمال، وجدت الأعمال وجد الأمن والأمان والاستقرار. لكن تجد أن بعض الجماعات ما يبالي بهذا أبدا، تجد أن بعضهم يهون، يزهد، تجد طائفة من هؤلاء من يزهد بالأعمال تحت حجة أن الأعمال فيها تشديد، نعم، أيام الصحابة يعملون، لكن هذا في واقعهم، لكن في واقعنا، مع كثرة المغريات، وكثرة الشهوات، فما ينبغي أن نشدد على الناس، هذا واجب، وهذا حرام، نخفف. ولهذا تذرعوا، تذرعوا باسم الرخصة الدينية، فخرجوا على الناس بالكثير من المحرمات على أنها حلال، فأتوا إلى بعض الأعمال الربوية بأنها «مباربة إسلامية»، وجاءوا إلى بعض الغناء والموسيقى المحرمة تحت ما يسمى «بالغناء الإسلامي»، بل أجازوا صورا من التبرج والسفور والاختلاط. حتى تجد أنهم في اجتماعات يقعون في هذا الباب، تساهلوا في أمر الخلطة، حتى أن منهم من أسقط الحكم والتحكيم لشرع الله جل وعلا، باسم أن الدولة هي دولة مدنية، دولة فيها حكم إسلامي ديمقراطي، فلا بأس أن الشعب يحكم نفسه بنفسه، فما تركوا شيئا من التدين لله عطلوه، تحت ما يسمى «أننا نراعي مجتمعات الناس»، فتركوا الكثير مما أمر الله، ومحرم الله عز وجل. طائفة ثانية، بالمثل، وقعوا في المعاصي، وقعوا في الذنوب، تركوا الأعمال، تحت ما يسمى «مصلحة الدعوة»، فعندهم أن الرجل ربما يقع في معصية، يقع في ذنب، يترك الواجبات، إذا كان لمصلحة دعوية، والقاعدة عندهم أن «الغاية تبرر الوسيلة»، فمن كانت له غاية محمودة، إلى أن يصل إلى غاية حميدة، فلا بأس أن يفعل ما يشاء، ولو أنه يفعل المحرمات. حتى سمعنا وفلغنا، ولعل بعضكم يعلم أن منهم من يذهب إلى الشرق والغرب، من هؤلاء، فيرتمي في أحضان المومسات، ويدخل إلى الحانات، ويعاقر الخمور، وهو في آخر أمر يخطط، لماذا؟ «لنصرة الإسلام والمسلمين»، تحت قاعدة ميكافيلي الباطلة: «الغاية تبرر الوسيلة»، أو ما يسمى «بمصلحة الدعوة»، وهل هذا صواب؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما عند الله لا ينال بالحرام أبدا»، لا ينال بالحرام. وأخيرا مما أدلل به على بعض الأعمال من الأحزاب المعاصرة، ما يقوم به بعض الناس من غض الطرف من العناية بالأعمال، إذا وصل الأمر إلى ما يسمى «بالانتماء الحزبي»، أو الانتماء الطائفي، من كان معنا، معنا، في جماعتنا، في سلكنا، في عضويتنا، هذا يغض الطرف عنه، تارك صلاة، ما في شيء، تارك للزكاة، عقل والدي، ما في شيء. لربما أنه لربما وصل إلى الإلحاد، وقد رأينا هذا في كثير من الجماعات، لربما يستقبلون المتردية والنطيحة، وما أكل السبع، من أناس ليس لهم خلاق في دين الله، ومع ذلك جعلهم شان، وجعلهم دان، لماذا؟ لأنهم قروا للانتماءات الضيقة، والولايات العصبية. وبالمقابل لربما أبعدوا من هو من أتقى الناس لله، مصلي مزكي، أبعدوا لأنه لم ينضم إليهم، ولم يكن في جماعتهم، فتجعل الأعمال لا تعود إلى ما يحبه الله ويرضاه، لا، جعل تقويم الأشخاص إلى ما تمليه أهواؤهم. أشاهد، إخواني في الله، أن لو استعرضنا النطاق في هذا المجال، تجد أن ما هناك جماعة ولا دعوة اعتنت بالعمل الصالح بمثل دعوة أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، لأن ذلك من صميم دينها، ومن دعوة نبيها عليه الصلاة والسلام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.