الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع عدة روايات عن تسليم الحجر والشجر على النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، مع بيان درجات صحة هذه الأحاديث عند المحدثين. تشمل الروايات حديث جابر بن سمرة وقصة جبريل مع النبي عند خروجه من مكة ودعائه شجرة فاستجابت له.
يذكر المقطع تصحيح الشيخ الألباني لحديث معجزة انقياد الشجرة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي قصة إسلام أعرابي بعد رؤيته هذه المعجزة. ثم ينتقل إلى رواية ابن إسحاق عن بدء الوحي حيث كان النبي يتعبد في غار حراء كل سنة في رمضان حتى جاءه جبريل في ليلة القدر.
يصف المقطع رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حيث جاءه ملك بأمر "اقرأ"، ثم لقاؤه بجبريل على الجبل في صورة رجل يملأ الأفق. وما تبع ذلك من خوف النبي وعودته إلى خديجة التي بشرته وثبتته وأخبرته بأنها ترجو أن يكون نبي هذه الأمة.
يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً الاكتفاء بما تم طرحه. ويؤكد على أن البناء على هذا المحتوى سيتم في درس قادم إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال العلامة الذهبي رحمه الله: من معجزاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال يونس بن إسحاق، أو قال يونس بن بكير، أو يونس بن بكير ويونس بن عبد الله بن بكير المصري. قال ابن إسحاق، وهو إمام السيرة محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، وكان يخرج إلى حراء في كل عام شهرًا من السنة ينسك فيه. وهذا مرسل. وقال سماك بن حرب عن جابر بن سمرة - سماك بن حرب أقدم، أنه حسن الحديث، قد أخرج له مسلم - عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث». أخرجه مسلم. وهذا هو الصحيح: أن هناك حجرًا يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام. وقال الوليد بن أبي ثور وغيره عن إسماعيل السدي، إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. أخرجه الترمذي، وقال: غريب. والترمذي إذا قال: غريب، معناه أنه ضعيف، معناه أنه ضعيف. وقال يوسف بن يعقوب القاضي: حدثنا أبو الربيع، هو الزهراني العتكي، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن الأعمش عن نبي سفيان، وهو طلحة بن نافع، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو خارج من مكة، قد خضبه أهل مكة بالدماء. خضبه: معناه أدموه حتى صار الدم يسيل منه عليه الصلاة والسلام. قال مالك: أي ماء؟ قال جبريل: قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجده خارجًا من مكة، فقال: مالك؟ قال: خضبني هؤلاء بالدماء، وفعلوا، فعلوا. قال: تريد أن نريك آية؟ قال: نعم. قال: ادعُ تلك الشجرة. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه. قال: مُرها فلتَرجع إلى مكانها. فقال: ارجعي إلى مكانك. فرجعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حسبي. قال: هذا حديث صحيح، فهذا إسناده صحيح، وطلحة بن نافع قد سمع من جابر، فهو سماعه من أنس ممكن. فقد صحح الحديث الشيخ الألباني رحمة الله عليه. وفيه أن الله عز وجل أراد أن يري نبيه آية، وأنه يستطيع مثل هذه الأمور، فعطاه الله عز وجل أشياء، فهو يستطيع أن يجعل هؤلاء الذين أدموه في يده، يفعل بهم ما يشاء، لكن الله عز وجل يجعل نبيه يأخذ بالأسباب. وقد جاء مثل هذا في صحيح مسلم: أن رجلًا جاء إلى النبي، عرابي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أسلم. قد كان من كبار قومه فلم يسلم. فقال: ألا أريك آية؟ قال: بلى. قال: فنادى النبي صلى الله عليه وسلم الشجرة، فجاءت تخط الأرض حتى وقفت بين يديه، ثم أمرها ترجع فرجعت إلى مكانها. فقال العرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وقال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول لعبد الله بن عامر بن قتادة الليثي. ووهب بن كيسان من ثقات التابعين. قال: حدثت أبا عبيد الله عن كيف كان بدء ما ابتدأ به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النبوة حين جاءه جبريل. فقال عبيد الله بن عامر، وعبيد الله بن عامر هو واعظ أهل المدينة، وكان رجل صدق، ومن الوعاظ ممن كانوا في المدينة. قال: فقال عبيد الله بن عامر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية. والتحنث: هو التبرر، كما جاء في حديث عائشة: هو التعبد الليالي ذوات العدد. قال: قال ابن إسحاق - من إسحاق - فكان يجاور ذلك في كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان أول ما يبدأ به الكعبة. وقد تقدمت أن بعض النصوص جاءت أنه كان في شهر رمضان. كان أول ما يبدأ به الكعبة فيطوف، ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج عليه الصلاة والسلام إلى حراء ومعه أهله. حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته جاءه جبريل بأمر الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «جاءني وأنا نائم، بنمط من ديباج، أو بنبط من ديباج، فيه كتاب». جاءني وأنا نائم: معناه أنه رأى رؤيا. وهذا معنى حديث عائشة: أنه كان إذا رأى رؤيا رآها مثل فلق الصبح. معناه: إذا رأى رؤيا في المنام تحققت في الواقع. قال: «وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغطني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: وما أقرأ؟ قال: ما أقول ذلك إلا اقتداء أو افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: اقرأ باسم ربك...» إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فقرأتها، ثم انتهى عني، فاهتبلت من نومي، فكأنما كتب في قلبي كتابًا. وهذا أيضًا ليس ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وحديث عائشة أولى بما ذكر، وأنه في يقظة، ليس في منام. قال: في هذا المكان زيادة زادها يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وهي: «ولم يكن في خلق الله أحد أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، وكنت لا أطيق أن أنظر إليهما. فقلت: إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون. ثم قلت: لا تحدث عني قريش بهذا أبدًا. لعمتن إلى حالق من الجبل، فأطرحن نفسي، فلا أستريحن، حتى لا يقول الناس: إنه شاعر، أو يقول: مجنون». قال: «فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل». قال: «فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل، صاف قدميه في أفق السماء، فقال: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل. فوقفت وأنظر إليه، فما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك». وهذا إما لكبره، أو أن الله عز وجل أراد ذلك. لكن هذا جاء بأسانيد ليست صحيحة، وهو من المراسيل. قال: «فما زلت واقفًا حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني، فانصرفت إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مُضجعًا إليها. فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ والله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا». قال: «ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمي، وأثبت. فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة». وهذا ذكره ابن هشام في سيرته. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونبني في درس قادم.