الدرس في مسائل في تغير الأحوال 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن تأثير الأعمال على تغير الأحوال الشخصية والمجتمعية، مشيراً إلى نماذج من تأثير الأعمال على القلب والنفس والعلاقات مع الآخرين. كما يشدد على أهمية الإخلاص في الأعمال.
يفصل هذا الفصل أهمية تغير الأحوال لتحسين المجتمع، حيث يعم الخير إذا أقبل الناس على الله ويعم الشر إذا كثر الفساد. يستدل بالقرآن والسنة لتوضيح هذه الفكرة.
يؤكد هذا الفصل على ضرورة إنكار المنكر لمنع انتشار الفساد، حيث أن التكاتف في ذلك يحقق النجاة للجميع، بينما تركه يؤدي إلى هلاك الجميع.
يختتم هذا الفصل بالتوجيه للعمل الصالح والدعاء، حيث يتضمن دعاءً بأن ينفع الله قائل الحديث بما قاله، مع التأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، في مثل هذه الأوقات، تدارسنا وإياكم ما يتعلق بأعظم أسباب تغير الأحوال، وكان الحديث عن مسألة الأعمال، وكيف أن الأعمال هي التي تحدد ما تكون عليه حياتك في هذه الدنيا. وأشرنا إلى نماذج سريعة يجدها العامل في هذه الدنيا، منها ما يكون من تأثير عمله على قلبه ونفسه، فمن كان عاملا بطاعة الله جل وعلا، فيجد في قلبه ونفسه من السكينة والطمأنينة والراحة ما لا يجدها في غيره، أو ما لا يجدها غيره، بخلاف من كان عاملا بالسيئات، فإنه يجد مغبة ذلك في قلبه وفي نفسه، مما يجده من الضيق والحرج والقلق وقسوة القلب، وما يكون من رعونة النفس. ثم أشرنا إلى نموذج آخر، وهو ما يجده العامل في علاقته مع غيره، فمن كان عاملا بالحسنة، بالصالحات، فإنه يجد أن طبيعة تعامله مع غيره تعلوها الاحترام والإجلال والإعظام والهيبة، بخلاف من كان عاملا بالسيئات، فيجد أن تعامله مع غيره قد حفت بالكره والبغض والشحناء والبغضاء. وهكذا ذكرنا النموذج الثالث من أثر الأعمال على الأرزاق، وذكرنا أن من كان عاملا بطاعة الله، مقبلا على الأعمال الصالحة، فالله عز وجل يسر له حاله، ويبارك له في أرزاقه، بخلاف من كان معرضا عن الله، مدبرا عن طاعة الله، فإن الله لا يزال يقتر عليه في أرزاقه، وإن أعطاه فالله لا يبارك له في ماله. ثم النموذج الرابع في مسألة الفتن والمحن، فمن كان مقبلا على الله بالطاعات والعبادات، فالله سبحانه وتعالى معه، يجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ولا زالت صنائع المعروف تقيك، يا عبد الله، مصارع السوء والآفات والمهلكات، بخلاف من كان فاجرا ماجنا، فالله جل وعلا يبتليه في هذه الدنيا بالمحن والفتن، على ما يكون من إعراضه عن طاعة ربه. والنماذج، إخواني في الله، كثيرة وكثيرة، وحسبي ما ذكر. فنأتي إلى أواخر، أو من أواخر هذا المبحث، ما يتعلق بتغير الأحوال، وهي: ما الذي نستفيده من هذه الكلمات والدروس التي مضت وانقضت؟ مما نستفيده، وينبغي أن نراعي هذا الباب اهتماما عظيما. أولا، ما يكون من معرفتنا بما لا شك فيه ولا ريب، أن الأعمال من أعظم أسباب تغير الأحوال، وأنك، يا عبد الله، إذا أردت أن الله يغير من حالك، فغير من أعمالك، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم. وأقبل على الله بالطاعات والصالحات، فالله سبحانه وتعالى، كما ذكرنا فيما مضى، يغير حالك في كل شؤون حياتك. وهنا تأتي مسألة: هل هذا مما قد يخدش في الإخلاص إذا عملت عملا صالحا وأردت به شيئا من حظ الدنيا؟ الجواب: لا، هذا لا يخدش في الإخلاص. وكيف هذا ينافي الإخلاص؟ وربنا جل في علاه، في كتابه، ونبينا في سنته، قد دل وأخبر بأن من أعظم المرغبات على الأعمال أن تنال شيئا من حظ الدنيا، فقال تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ الآيات. وهكذا الأحاديث قد مضت معنى كثير جدا. فالشرع كان يحبب بالناس إلى فعل الأعمال بذكر هذه المرغبات. فمن كان في قلبه شيئا من حظوظ الدنيا، أراد أن ينالها عن طريق العبادة والعمل الصالح، ما في ذلك غضاضة، بشرط أن يكون عملك خالصا لله جل في علاه. هذا الشرط الذي ينبغي أن يكتمل فيك، أن يكون عملك لله، من وإلى، بداية ونهاية، ظاهرا وباطنا. وبعد ذلك سيأتيك، يا عبد الله، ما ترنو إليه نفسك. تأتي مسألة أخرى كذلك قريبة من هذه المسألة، مسألة التوسل: هل لي أن أتوسل إلى الله بأعمالي الصالحة حتى أنال شيئا من حظ الدنيا؟ الجواب: لا حرج في هذا، ولا بأس به، أنك تدعو إلى الله، وتتقرب إلى الله، وتناجي ربك بأن تتوسل إليه بما كان من أعمالك الصالحة، رجاء أن يعطى لك شيئا من الدنيا، من أن تنال شيئا من ثوابها، أو أن تدفع شيئا من أضرارها، بدليل الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فلما أرادوا شيئا من الدنيا، وهي أن تنزاح عنهم هذه المدلهمة، فتوسلوا إلى الله بأعمالهم، ذاك ببره، وذاك بعفته، وذاك بأمانته، فلما توسلوا إلى الله بأعمالهم، جرى يذهب عنهم شيئا من أضرار الدنيا، حقق الله لهم ما أرادوا. فلا بأس أن تتوسل إلى الله: «اللهم بما كان من حرصي على فرائض الإسلام، اللهم نجني من هذه المعضلة، اللهم بما كان من حبي للقرآن وقراءتي وختمي للقرآن، اللهم ارزقني». فلا بأس أن تتوسل إلى الله بأعمالك لتنال شيئا، لحديث ما مر معنا في قصة الثلاثة. المسألة الثانية: أن الخير الذي ستناله، يا عبد الله، في نفسك، إذا كنت قمت به بينك وبين ربك. لكن إذا أردنا الخير أن يعم المجتمع، حينها لا بد أن المجتمع كذلك يغير من أفعاله ومن أعماله، وأن يكون هذا المجتمع مقبلا على ربه. وهذا يجرنا إلى مسألة وهي أنه على الذي يعمل عملا صالحا عليه كذلك أن لا يبخل على غيره. إذا أردت أن الله يغير حال المجتمع، فاحرص على أن هذا المجتمع يكون على ما أنت عليه من تغيره في تعامله مع ربه، بالإقبال على الطاعات والنوافل والقربات والفرائض، والكف عن المحرمات والمحرمات. قال الله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. فلا تأتي البركات بشكل عام من خزائن السماوات ولا من خزائن الأرض إلا إذا أقبل المجتمع بكليته، يقبل الجميع، الصغار والكبار، والذكور والإناث، أن تزدحم المساجد بالمصلين، أن يزدحم الناس إلى الصلوات والنوافل، وأن يقبلوا على قراءة القرآن وعلى فعل الخيرات. إذا تبدلت الأحوال، بدل الله المجتمعات، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. فإذا كان هناك من عذاب سينزل، إلا أن هذا المجتمع كان مقبلا على ربه بالتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب، ومن الاستغفار، فالله يدفع البلاء عن المجتمع إذا أقبل بكليته. فالشاهد، إخواني في الله، أن المجتمع إذا أرد أن الله يغير من أحوالهم، هم كذلكم على ما ذكر، عليهم أن يغيروا من أحوالهم. المسألة الثالثة في باب تغير الأحوال: كما أن الخير إذا أردنا أن يعم المجتمع، علينا أن نغير من أحوالنا، علينا أن نعلم كذلكم أن الشر يعم، وأن المفسد، وأن الفاجر، وأن الماجن، وأن المعرض، وأن المدبر عن طاعة ربه، أن ما كان من إعراضه ليست مغبته تقتصر عليه، بل الشر يعم. قال سبحانه: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾. أي أنكم لا تظنون أن الفتنة والعذاب والشدة والمحنة إذا نزلت من الله جل وعلا، لا تنزل على الظالم خاصة بخصوصه، وإنما تعم. فالشر يعم والخير يخص، الشر يعم إذا كان هناك دواعي، ولم يأت من ينكر على الظالم. ولما سئل نبينا عليه الصلاة والسلام، قيل: «يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟» كحال هذا السؤال الذي يطرح في هذه الأزمان، سبحان الله، في بلادنا، عندنا المصلون، وعندنا الساجدون، وعندنا الذين يقرؤون القرآن، وعلى ما نبتل بهذه البلاءات. يقال: نبينا لما سئل «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم، إذا كثر الخبث». العبرة بالأغلبية، إذا كان هناك صالح مصلي قائم، لكن نسبة هؤلاء أمام الأشرار، أمام المعرضين، لا شيء، والفساد هو الأكثر والأعظم والأغلب، فحينئذ يأتي العذاب بالعموم. «أنهلك وفينا الصالحون؟ نعم، إذا كثر الخبث»، بمعنى إذا كثر الفساد، «تهلكون وفيكم الصالحون»، الهلاك يا عم، الهلاك يا عم. وهذا الذي ماذا يبعد حالة الاستغراب التي قد تنقدح عند بعض الصالحين لما يرى من صلاحه، وبعض من هم حوله. لكن، يا عبد الله، وسع نطاق النظر، وانظر إلى الشر الأعظم في المعاصي والذنوب، بل قل في الشرك والكفريات التي ضجت وعمت في أرجاء الدنيا، وخاصة في هذه البلاد، وفي تلك البلاد. هنا الحكم أغلب، والله جل وعلا يغضب سبحانه، فإذا نزل بعذابه أعمى الجميع بصخته. فالشاهد إذا علمنا ذلكم، وعلمنا أن الله ينزل بالفتن والمحن والشدائد والأزمات والإرهاصات والعذاب والعقوبات على الأفراد والمجتمعات إذا كثر الخبث، إذا ما الحيلة في الخلوص من هذه الطريقة والوسيلة؟ الحيلة واحدة، وهو أن نبعد الشر. وكيف نبعد الشر؟ بأن تتكاتف الجهود، تتكاتف الجهود بمنع الشر، بالتحذير منه، بالتحذير من المعاصي، وبالتخويف، وبالترهيب، وبنشر الدعوة إلى الله جل وعلا، في مساجدنا، وفي منابرنا، وفي خطبنا، وبالنصح والإرشاد، وبالتوعية، نعلم الناس، ونفقه الناس، ونخوف الناس بمواعظ الله، وبما جاء في الكتاب والسنة من الزجر من فعل المعاصي. فلازلنا ننكر على هذا، وننكر على ذاك، فيتوب التائب، وينزجر العاصي، فإذا رفع هذا، وانكف هذا، وقل شر هذا، خف الخبث، خف الخبث. ومن هنا نعلم خطأ ما يدار في مثل هذه الأزمان المتأخرة، الذي فيها انفتاح، ما نسمعه من هذه الدعايات المضللة: بأنك دع الناس، وما هم عليه من حريات، لا تتدخل في حريات الناس، كل في شأنه، كل في شأنه. «إيش عليك من فلان؟ ما لك دخل في حياته؟» أو كما يقول بعضهم: «هذه حقوق مصالح شخصية، أو حقوق شخصية، أنت ما تدخل فيها». هذه امرأة متبرجة سافرة، «إيش عليك منها؟ دعها». «دعها يا عبد الله، أنت ما تبالي». وذاك الرجل الذي تارك للصلاة في قارعة الطريق، «ما عليك دخل، خله يحاسب ربه بنفسه، والله يحاسبه فيما في أعماله». وإذا رأيت شارب الخمر، وإذا رأيت الزاني، «دع هؤلاء». كيف هذا؟ إذا تركت هؤلاء، وتركت هؤلاء، واتركت هؤلاء، زاد الخبث، وإذا زاد الخبث، ستأتي المصيبة على رأس من على رؤوسهم، فقط على رأسي، وعلى رأسك، على رأس الصالحين. وقد مثل نبينا صلى الله عليه وسلم بمثال عظيم، كما جاء في البخاري، من حديث أبي موسى الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا في سفينة، فأصاب قوم أسفلها، وقوم أعلاها، فرق فوق، فرق تحت، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا ماء مروا على من فوقهم، فآذوهم، فقال الذين فوقهم: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا -أي في قاع السفينة- ثم دخلنا، فاستقينا، فاستقينا، فآذينا من فوقنا. فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا، أين نصيبهم؟ بدل نحن صعود ونزول، ونؤذي من فوقنا، تحل بنا هاتوا خازوق، هاتوا وتد، أو شيء، ثم دق الباب، وأخزق الخشبة، واجعل الماء يفيض علينا، خلاص، احتلت المشكلة». فقال عليه الصلاة والسلام: «فلو تركوهم -أي الناس الذين في الأعلى- لو تركوا هؤلاء وما هم عليه من تفكير أهوج، أعوج، لو تركوهم وما أرادوا -أي خرقوا في قاع السفينة- قال عليه الصلاة والسلام: لهلكوا وهلكوا جميعا، ولو أخذوا على أيديهم، لا تبهوا، لو أخذوا على أيديهم، لا نجوا ونجوا جميعا». وهذا حقيقة المجتمع، نحن في مركب واحد، مركب واحد، الذي في أعلاهم أهل الصلاة، والذي هم في الأسفل هم أهل الدون. فلو تركناهم يفعلون ما يشاءون من الدعارة والفساد والفجور والمجون، بحجة أن هؤلاء يفعلون في نصيبهم ما أرادوا، لو تركناهم، فإن الشر يعم، والسفينة ستغرق بمن فيها. لكن نتركهم؟ الجواب: لا، نأخذ على أيديهم، نأخذ: «اتقوا الله، ما يجوز هذا، حرام، وهذه بجعة، وهذه من الشركيات، وهذه من الضلالات، وهذه من الفسوق، وهذا مما حرم الله». فلازلنا ننكر على الناس حتى يعم الخير. فهذه، إخواني في الله، خلاصة هذه المباحث التي تذكرناها في مثل هذه الأوقات، في مسألة تغير الأحوال. فأسأل المولى جل وعلا أن يفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.