الدرس في أخطاء المصلين 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن من أخطاء الجنائز السفر إلى القبور وشد الرحال لزيارتها، مستدلاً بحديث النهي عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، وأن النهي يعم كل موضع يقصد للعبادة كقبور الأولياء والطور، ونقل عن الألباني والدهلوي أن ذلك من ضلال الجاهلية وذريعة للشرك.
يبيّن المقطع أن أهل العلم يمنعون نية السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويوجبون أن تكون النية لزيارة مسجده، وتكون زيارة القبر تبعاً لذلك، كما يوضح أن حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» عام في معناه، يشمل كل موضع يقصد للعبادة اعتقاداً لفضيلته الخاصة.
يوضح المقطع أن السفر للتجارة أو طلب العلم أو زيارة أخ في الله أو ذوي الرحم لا يدخل في النهي عن شد الرحل إلى أماكن معينة، لأن القصد هو الحاجة لا المكان ذاته، ويستند إلى فتاوى ابن تيمية والألباني في التفريق بين السفر للحاجات المتغيرة والسفر للأماكن الثابتة كزيارة القبور.
يوضح المقطع أن القصد في زيارة الأخ ليس المكان بحد ذاته بل طلب الحاجة وزيارة الأخ، ويفرق بين الأمرين، وينبه إلى الشبه والتلبيسات التي قد تروج على بعض الناس، مؤكداً أن أهل العلم قد فندوها وبينوها.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمن أخطاء الجنائز: السفر إلى القبور، وشد الرحل للوصول إليها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: «لا تشد الرحال» بصيغة النهي، أما الذي في الصحيحين فهو بصيغة النفي: «لا تشد الرحال». ومعنى «لا تشد الرحال» يعني: لا تربط الرحال للسفر، فهو كناية عن قصد السفر، عن قصد السفر. وهذا الحديث عام أنهي فيه عن السفر إلى أي مسجد آخر غير هذه المساجد للعبادة فيه، وكذلك يشمل أي موضع وأي مكان تقصد فيه العبادة، كمواضع القبور، أو الطور الذي كلم الله فيه موسى، أو غيرها من المواقع أو المواطن التي يظن المسافر إليها أن لها فضلا وأن لها خصيصة في العبادة. فهذا الحديث عام يشمل كل ذلك. نقل العلامة الألباني عليه رحمة الله في كتابه «أحكام الجنائز» عن الشيخ ولي الله الدهلوي، كما ذكر ذلك في كتابه «الحجة البالغة»: يقول ولي الله الدهلوي: كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم، يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى. فسد صلى الله عليه وسلم الفساد لألا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولألا يصير ذريعة لعبادة غير الله. قال: والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء، والطور، كل ذلك سوى في النهي. كل ذلك، كل ذلك سوى في النهي. فمن هذا تعلم ضلال من يقصد الذهاب بسفرة إلى زيارة قبر، أو إلى زيارة موضع ومكان من الأماكن بزعمه أنها مفضلة وأنها معظمة، كالذهاب لزيارة نبي الله هود بزعمهم، أو الزيارة لقبور خارج البلد فيشد لها الرحال لزيارة حولية لها أو نحو ذلك. فكل هذا هو عين النهي الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الحديث. ذكر أهل العلم، كما جاء عن الإمام أحمد وغيره، أنه لا يقال في إنسان يريد السفر إلى المدينة: «سأسافر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم»، لا يقول ذلك، وإنما يقول: «سأسافر لزيارة مسجد النبي»؛ لأنه يجوز شد الرحل إليه. أما زيارة القبر فتكون تبعا لزيارة المسجد، فلا بأس بعد أن تزور مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من الفضيلة، ولما فيه من تضاعف أجر الصلاة فيه، لا بأس بعد ذلك أن تذهب للسلام على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا كان أهل العلم منعوا أن يقال: «سأسافر لزيارة قبر النبي»، فغيره من باب أولى أن لا يسافر إليه، ولا يشد الرحل للوصول إليه. وكما تقدم، هذا الحديث عام؛ لأن بعضهم يلبس ويدلس ويقول: هذا الحديث خاص بالمساجد لأنه ذكرت فيه المساجد، فقال: «لا تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد»، بمعنى: لا تشد الرحال إلى غيرها من المساجد، ولم يرد في الحديث ذكر المقابر، أو ذكر كذلك المواطن الأخرى لمن قصدها للعبادة وهي غير مساجد. فهذا في الحقيقة فهم سقيم يقع ويصدر من هؤلاء؛ لأن الحكمة والعلة من هذا النهي هو اعتقاد الفضيلة، وكذلك العبادة في هذا المكان أو في ذاك الموضع. فهذه المساجد الثلاثة إنما رخص الشرع بشد الرحل إليها لما فيها من الفضيلة في تضاعف الصلاة، وفي غيرها من الفضائل الخاصة بها، الخاصة بها. نعم، فلذلك ذكرت في هذا الحديث، فدل ذلك على أن أي موضع، سواء كان مسجدا أو مقبرة أو قبرا أو مكانا، يعتقد الناس أن زيارته فيها فضيلة، وفيها أجر، وفيها خصيصة، فهذا لا شك أنه عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحديث ما ورد بشأن المساجد فقط، وإنما هو عام لكل ما قصد للتعبد، ولو كان لله عز وجل فيه. ومما كذلك يجدر التنبيه عليه في هذا المقام: أن البعض ربما يشكل عليه مثلا شد الرحل للتجارة، أو شد الرحل لطلب العلم، أو شد الرحل لزيارة أخ في الله، أو لزيارة ذي رحم في مكان بعيد، فتقصد الزيارة إليه لزيارته. فلا يشكل هذا، وقد رد على هذا العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم الشيخ الألباني عليه رحمة الله. يقول الشيخ الألباني عليه رحمة الله، كما في كتابه «أحكام الجنائز»: ومما يحسن التنبيه عليه أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم. قال: فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة. لماذا أنت تسافر؟ هل من أجل مكان معين؟ لو كانت التجارة منتعشة في بلد ما لسافرت إليها، ولو قلت التجارة في هذه البلد وفي هذا المكان، وانتعشت في مكان آخر، لذهبت إلى ذاك المكان الآخر. إذن هذا السفر ليس لقصد المكان، وإنما لأجل تلك الحاجة، لأجل تلك الحاجة. بخلاف من يزور القبور، أو يعمل الزيارات الحولية، أو نحو ذلك، فهذه أماكن ثابتة، ولا تنتقل، ولا تتحول، ولا تتغير، فالناس دائما وهم يشدون الرحل إليها. فتبين بهذا الفرق. ولذلك قال: إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، أي مكان. لو مثلا طلب العلم: أنت تذهب عند شيخ تطلب العلم، الشيخ اليوم في الشحر، جيد، طلبت العلم عنده، ثم انتقل إلى مكان آخر، فأنت تذهب من أجل أن تطلب العلم. إذن ذهابك ليس من أجل مكان معين، لا، من أجل طلب العلم حيثما وجدت هذه الحاجة، فأنت ذهبت إليها، أنت ذهبت إليها. فما تقصد بقعة بعينها أو مكان بعينه، فلا مقارنة ولا تشابه بين تلك الأمور الخاصة التي يذهب إليها الشخص على حسب حاجته، وبين تلك الأماكن الثابتة. فلذلك قال: إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت، لا بخصوص المكان. وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله، فإنه هو المقصود أينما كان، هذا الأخ، سواء كان هنا أو هناك، في اليمن، خارج اليمن، في الشحر، في عدن، في أي مكان، فأنت تزوره حيث ما حل. فليس القصد مكانا بعينه، وإنما المقصود هو طلب هذه الحاجة، وهو زيارة هذا الأخ. فلذلك فرق بين الأمرين. فينتبه لمثل هذه الشبه، ولمثل هذه التلبيسات التي ربما تروج على بعض الناس. ولله الحمد، أهل العلم قد فندوها وبينوها بما فيه الكفاية. نكتفي بهذا اليوم إلى هنا. الله تعالى. اشتركوا في القناة