الدرس في أخطاء المصلين 66، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن هناك عادات مبتدعة في حداد المرأة كالتزام لون معين للثياب، وامتناع تمشيط الشعر، واقتصار الاغتسال على يوم الجمعة، ويوضح أن هذه الأمور لا أصل لها في الشرع، فللمرأة أن تلبس ثيابها العادية غير ثياب الزينة، وتمشط شعرها، وتغتسل متى شاءت.
يوضح المقطع أن هناك عادات مبتدعة في الحداد تمنع المرأة من العمل في بيتها، أو النظر للقمر، أو الصعود للسطح، أو الاختلاط بالناس، أو تكليم الرجال، ويبين أن هذه القيود لا سند لها من السنة النبوية ولا تمنعها الحادة شرعاً.
ينفي المقطع وجود دليل شرعي يمنع الحادة من مخاطبة الرجال خاصة المحارم، أو من الرد على الهاتف، أو النظر إلى زوجها المتوفى أو صورته، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غسل عائشة بعد وفاتها، كما يرد فكرة تقسيم العدة بين الزوجتين مؤكداً أنها اعتقادات مستحدثة بلا سند.
إذا كان للميت أربع زوجات، فإن كل زوجة تعتد العدة الشرعية كاملة (أربعة أشهر وعشراً) ولا تُقسَّم العدة بينهن، وهذا من المخالفات التي تخالف الدليل الشرعي في أحكام الحداد.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فمن أخطاء الجنائز فيما يتعلق بحداد المرأة المتوفى عنها زوجها: أمور أحدثها الناس، وليست من الإحداد في شيء. فأحدث بعض الناس أمورًا في الإحداد لا أصل لها في الشرع المطهر، وإنما جاءت نتيجة لتلقي الأحكام من العادات المنتشرة بين الناس، ولم يأتِ بها كتاب ولا سنة. فنذكر بعض هذه الأمور المستحدثة التي ليست من الدين في شيء. فمن ذلك: التزام بعض النساء لباسًا معينًا أو لونًا معينًا للإحداد، كاللون الأبيض مثلًا، أو اللون الأخضر، أو نحو ذلك. فلم يرد في السنة تحديد ما تلبسه الحادة، فلها أن تلبس أي ثوب، بشرط أن لا يكون ثوب شهرة أو ثوب زينة، ويكون من ثيابها العادية التي تلبسها في بيتها، ولا يشترط أن يكون هذا الثوب بلون معين. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة: امتناع الحادة عن تمشيط شعرها. فتمشيط الشعر لا يدخل في الأمور المنهى عنها فيما تنهى عنه الحادة، وإنما تنهى عن الزينة، كالكحل، أو الحلي، أو النقش، أو الطيب، أو نحو ذلك. أما تسريح وتمشيط الشعر لإكرامه، فهذا لا مانع منه. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة: امتناع الحادة من الاقتسال للتنظيف إلا يوم الجمعة. فكذلك المرأة لها أن تغتسل متى شاءت، فلم يرد الامتناع عن الغسل بالنسبة للحادة. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة التي لا تمنع منها الحادة: امتناع الحادة عن العمل في بيتها من خياطة، أو أي مهنة تزاولها في بيتها. فهذا لا تنهى عنه المرأة الحادة، لها أن تعمل، بشرط أن لا تخرج من بيتها إلا لضرورة أو لحاجة ماسة. أما أن تبقى في بيتها وتزاول بعض المهن وبعض الأعمال، فهذا لا ينافي الحداد. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة في الحداد: امتناع الحادة من البروز للقمر، يقولون: ما ينبغي لها أن تنظر إلى القمر. ما هو دليل ذلك؟ لا يوجد دليل في السنة. وهذه أمور شرعية لا تثبت إلا بأدلة شرعية. ومثل ذلك أيضًا: امتناع الحادة من الظهور على سطح البيت، يقولون: الحادة ما ترى السماء، ما ترى السماء، فيمنعونها من الخروج إلى المكان غير المسقوف كسطح البيت، أو حوش البيت، أو نحو ذلك. فهذا أيضًا لا دليل عليه. كذلك من هذه الأمور المستحدثة: اعتزال الحادة بحيث لا يراها أحد، وإذا زارها أحد زادت في العدة والإحداد يومًا مقابل ذلك اليوم الذي رؤيت فيه، كالكفار لذلك، أو كالقضالة. فهذا أيضًا لا دليل عليه. لا تعتزل الحادة الناس، طالما أنها في بيتها، فيزورها الناس ويعزونها ويتحدثون معها، فلا دليل على المنع من ذلك. ومثل ذلك أيضًا: اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها تكليم الرجال مطلقًا. فهذا أيضًا لا دليل عليه، فيجوز للحادة أن تكلم الرجال، خصوصًا إذا احتاجت إلى ذلك، وخصوصًا الأرحام منهم، كأبيها، أو أخيها، أو عمها، أو خالها، أو نحو ذلك، فلا دليل على المنع من ذلك. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة: اعتقاد أن الحادة لا تجيب الهاتف إذا رن، لربما تكلفت في نداء بعض من عندها في البيت حتى يجيب على هذا الهاتف، بحجة أنها حادة. فلا دليل أيضًا على ذلك. ومن هذه الأمور كذلك المستحدثة: اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها النظر إلى زوجها إذا مات، يقولون: خلاص، إذا مات يجعلون الموت مثل الطلاق البائن، لا يجوز لها أن تراه بعد موته. فهذا أيضًا ليس عليه دليل، بل الدليل خلاف ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسلك إلا أنا»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وكذلك من تلك الأمور المستحدثة: اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها النظر إلى صورة زوجها بعد وفاته، أي صورة، مثلًا جواز، أو بطاقة، أو نحو ذلك. أما الصور للذكرى، فهذا لا يجوز أن تقتنى، لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التصوير. وأيضًا من تلك الأمور المستحدثة: اعتقاد بعضهم أن المتوفى إذا كان له زوجتان، فإن العدة تقسم بينهما. فهذا الميت لو عنده أربع زوجات، للزم كل زوجة أن تعتد العدة التي ذكر الله عز وجل في كتابه، لا تقسم العدة بحسب عدد الزوجات، بل كل زوجة تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى في القرآن. هذه بعض الأمور التي تخالف الدليل الشرعي في أمر الحداد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه، وإلهنا، والحمد لله رب العالمين.