التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 25

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 25

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إسلام طلحة بن عبيد الله ولقبه بالقرينين

يروي المقطع قصة إسلام طلحة بن عبيد الله بعد لقائه براهب في بصرى بشّره بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأسلم وصار مع أبي بكر الصديق يُعرفان بالقرينين لربطهما معاً في حبل واحد على يد نوفل بن خويلد. كما يذكر حديث عمار بن ياسر عن قلة المسلمين الأوائل ومن فيهم من العبيد والنساء وأبو بكر.

سابقون الأولون وإسلام عمرو بن عباسة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود

يسرد المقطع أخباراً عن أوائل من أسلموا ك أبي بكر الصديق الذي أعتق بلالاً، وإسلام عمرو بن عباسة سراً في مكة ولقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحديث عمر بن الخطاب عن كونه رابع أربعة، وإسلام سعد بن أبي وقاص بوصفه ثلث الإسلام في بدايته. كما يروي قصة إسلام عبد الله بن مسعود حين كان يرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وطلبا شرباً، فدعا النبي في جذعة لم ينزُ عليها الفحل فدرّ لبنها، فشربا وسقياه، ثم دعا الله أن يقبض ضرعها فقبض، فأسلم عبد الله بن مسعود وأخذ من في النبي سبعين سورة.

اختلاف العلماء في حد السابقين والفتح

اختلف العلماء في تحديد الحد الفاصل بين السابقين الأولين ومن بعدهم، فمنهم من جعله فتح مكة ومنهم من جعله ما كان في مكة وما تلاها. والراجح أن الفتح هو الحد الفاصل كما دل عليه قوله تعالى: {لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل...}.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال محمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي متروك الحديث، وقد كذبه بعض الأئمة، وأما حديثه بالسيرة فلا بأس به في المتابعات. قال: حدّثني ضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، قال: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعة يقول: سلوا أهل الموسم، أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: قلت: نعم، أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل، وحرة وسباخ. الحرة هي الحجارة والسوداء، والسباخ هي الرمل، الرمال المالحة، سُميت السباخ. قال: فإياك أن تسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي، فأسرعت إلى مكة، فقلت: هل من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة. فدخلت عليه، وطلحة أشده قرابة لي لأبي بكر الصديق في أحد يعرف... طلحة بن عبيد الله ابن عم أبي بكر الصديق، أنا كلاهما من بني تيم، وأيضا طلحة متزوج على أخت أبي بكر، فأنا ابن عمه وصهره. قال: فأخبره طلحة بما قال الراهب، قال: فخرج به حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فلما أسلم أبو بكر وطلحة، أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية، فشدهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل يدعى أسد قريش، فلذلك سُمّي أبو بكر وطلحة القرينين، وهذا مشهور في السيرة أنهما يُسميان بالقرينين. ومسألة إسلام طلحة بن عبيد الله ثبت من عدة طرق أنه كان مهاجراً من الشام، وجاء فوجد الناس قد أسلموا، ووجد ابن عمه ابن أبي قحافة وكان صاحبه وصديقه، فرأى أنه قد أسلم فكلمه، فأسلم طلحة. لكن هل هذا صحيح خبر الراهب؟ الله أعلم. وقال إسماعيل بن مجالد عن بيان بن بشر عن وبرة عن همام... همام بن الحارث والبراء... والمسل الكوفر... قال: سميت عمار بن ياسر، يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة عبيد وامرأتان وأبو بكر. أخرجه البخاري، وهذا الحديث في الصحيحين. وقوله: «وما معه إلا خمسة عبيد»، لعل ذلك من رآه أحياناً، بعض الصحابة يقول: ما معه إلا كذا، كما جاء في حديث عمر بن عبسة: «ما معه إلا حر وعبد»، فأراد أبو بكر وبلال. قال: قلت: ولم يذكر علياً لأنه كان صغيراً، ابن عشر سنين، وكان هولا من السابقين. وعمار يقول: رأيت رسول الله وما معه إلا خمسة عبيد وامرأتان وأبو بكر، ولعبد هولا منهم بلال وخباب وغيرهم ممن أسلم قديماً. وقال العباس بن سالم: إن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم كان يعتق، يعتق بعض الرقاب، ومن ذلك أعتق بلالاً بعد أن رآه يُعذب، كان أمية بن خلف يعذب بلالاً في الشمس، فاعتقه أبو بكر، واشتراه منه، أي اشتراه من أمية وأعتقه. وقال العباس بن سالم، ويحيى بن كثير عن أمامة عن عمرو بن عباسة، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مستخفياً، وأبو أمامة هنا هو صُهيب بن عجلان الصحابي المشهور. قال: فقلت: من أنت؟ قال: نبي. قلت: وما نبي؟ قال: رسول الله. قلت: الله أرسلك؟ قال: نعم. قلت: بما أرسلك؟ قال: بأن يعبد الله، وتكسر الأوثان، وتوصل الأرحام. قلت: نعم ما أرسلت به، فمن تبعك؟ قال: حر وعبد، يعني أبا بكر وبلال. فكان عمر يقول: لقد رأيتني وأنا رابع أربعة، رابع أربعة: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وهذا بحسب علمه، وهذا بحسب علمه، يعني أنه علم في ذلك الوقت أن هؤلاء الذين أسلموا، وقد يريد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: حر وعبد، أي هناك من هو حر ومن هو عبد. قال: فكان عمر يقول: لقد رأيتني وأنا رابع أربعة، فأسلمت، وقلت: أتبعك يا رسول الله؟ قال: ولكن الحق بقومك، فإذا أخبرت بأني قد خرجت فاتبعني. أخرجه مسلم. هذا الحديث أخرجه مسلم، ثم ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من العبادات، ثم ذهب إلى أهله. قال: فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس، حين قدم المدينة حتى قدم عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فذهب بعد ذلك إلى المدينة. وقال: ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، تعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة. قال عمر: فقلت: بلى. ثم علمه بعض الأشياء التي في الصلاة من أوقات الصلاة وغيرها. وقال هاشم بن هاشم عن ابن المسيب، هاشم بن هاشم هو المدني عن ابن المسيب، أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: لقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام. أخرجه البخاري. ثلث الإسلام، معناه أنه ثالث ثلاثة، والظاهر كما قلنا هذا بحسب علمهم لمن أسلم، لأن في بداية الدعوة كان الناس يسلمون سراً، فقد يسلم الإنسان ولا يدري أن هناك من أسلم قبله، لا يعرف أن هناك من أسلم قبله، لكن هؤلاء من السابقين الأولين. ولهذا ابن إسحاق جعل سعد بن أبي وقاص ممن أسلم قديماً، لكن جعله في المرتبة الثامنة، جعله أنه أسلم ثامن ثمانية، معناه الثامن ممن أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال يزيد بن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود، قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمّار، وصهيب، وبلال، والمقداد. مقداد بن عمرو الكندي، ويقال مقداد بن الأسود لأنه حليف الأسود بن عبد يغوث. قال: تفرد به يحيى بن أبي كثير، يعني تفرد بهذا الحديث، وهو حديث صحيح. وقال إسماعيل بن خالد عن سعيد بن زيد، وهو ابن العور رضي الله عنه، وهو مبشر بالجنة، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: والله لقد رأيتني وإني لعمر لموثقي وأخته على الإسلام قبل أن يسلم عمر، ولو أن أحداً أحق بالذي صنعتم بهما لكان حقيقاً. أخرجه البخاري. يعني يقول سعيد بن زيد: والله لقد رأيتني وإني لعمر لموثقي وأخته على الإسلام، معناه ربطهما لما سمع أنهم أسلموا، وكان زوج أخته فاطمة، ربطهما معنا تأديباً لهما، فقال: أحق بالذي صنعتم بهما لكان حقيقاً. هنا ظهر سقطت كلمة «حقيقاً»، لكان حقيقاً. وقال الطيالسي في مسنده: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت يافعاً، يافعاً معناه بداية شبابه، أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط في مكة، فأتى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرّا من المشركين، فقال: يا غلام، هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما، معناه: أنا أمين على هذه الأغنام. فقال: هل عندك من جذعة لم ينزُ عليها الفحل؟ قلت: نعم، جذعة، معناه: من الغنم هي ما له سنة، ومن الضأن ما له ستة أشهر، وقيل أكثر، والمهم أنها قد جدعت، قد خرجت أسنانها. قلت: نعم، معناه جذعة لم ينزُ عليها الفحل، معناه لم يطعها الفحل، لم يركبها الفحل، معناه لازالت لم تحمل. فقلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، معناه قبضها أبو بكر، وأخذ النبي عليه الصلاة والسلام الضرع، فدعا، فحفل الضرع، حفل معناه: ضرع أنثى لم ينزُ عليها فحل بعد، معناه اللبن ما يكون فيها، لكن لما مس النبي صلى الله عليه وسلم الضرع، ضرع هذه الجدعة، صار هذا الضرع مليئاً باللبن. قال: وآتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، معناه منقعرة مثل الصحن، فحلب فيها، ثم شربا وسقياني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. فلما كان بعد، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علمني من هذا القول القريب، يعني القرآن. قال: إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة، ما ينازعني فيها أحد. وهذا إسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكان من السابقين الأولين. فهؤلاء الذين ذكروا في ما ذكره ابن إسحاق، وكذلك ما ذكره بعض كعمار وغيرهم، هؤلاء من السابقين، ومنهم عبد الله بن مسعود كان من السابقين الأولين، كما قال الله عز وجل: ﴿ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ﴾. السابقون الأولون هم من أسلم قديماً في بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل لهم حد محدد ومعين؟ يعني متى يقال هذا سابق ومتى لا يقال هذا سابق؟ فهذه اختلف العلماء فيها، فمنهم من جعل الحد هو الفتح، ومنهم من جعل الحد هو ما كان في مكة وما بعده، والظاهر أن الفتح هو الحد بين السابقين وبين غيرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكل وعد الله الحسنى ﴾. فنسأل الله بهذا، والله تعالى على كل شيء قدير. اشتركوا في القناة