شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 36

شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 36

الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قاعدة "ما يثبت تبعاً لا يثبت استقلالاً" وتطبيقاتها الفقهية

توضح القاعدة أن الحكم قد يثبت للشيء تبعاً لغيره دون ثبوته مستقلاً، مع ذكر أمثلة كجلوس المأموم للتشهد وأكل التمر مع السوس. كما تستعرض تطبيقاتها في بيع الثمار قبل بدو الصلاح وتحريق نخيل بني النضير وبيع الحمل تبعاً للأم.

قاعدتا: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، وكل شرط مفسد للعقد بذكره يفسده بالقصد

تشرح القاعدتين المتعلقتين بصحة البيع تبعاً للأصل وببطلان العقد عند وجود شرط مفسد سواء نُص عليه أو نُوي باطناً. يُرجح مذهب الحنابلة في بطلان العقد بالنية الفاسدة مستدلاً بنكاح التحليل ونكاح من نوى الطلاق للرحيل.

حكم النكاح بنية الطلاق أو التحليل والفرق بين الاتفاق والنية السرية

يعرض خلاف العلماء في صحة النكاح المقصود به الطلاق أو التحليل، مبيناً أن الجمهور يجيزه عند الاقتصار على النية السرية بينما يبطل عند الاتفاق الصريح. يقرر الشيخ ابن عثيمين أن العقد يصح من جانب المرأة ومن لا يعلم بالنية، فتترتب عليه أحكام الزوجية من إرث وعدة.

خاتمة تلخيص القاعدة

يعلن المتحدث انتهاء عرض خلاصة القاعدة مؤكداً أن ما ذُكر هو ملخص ما ورد فيها. ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: الشيخ ابن عثيمين: "قد يثبت الشيء لغيره تبعاً، وإن يكن لو استقل لم يثبت". هذه قاعدة معروفة، وهي من قواعد الأصول، ويقولون: "يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً". التبع: معنى المشارك لغيره في الحكم. يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. الاستقلال: معنى الانفراد في الحكم. الوحدة: معنى لو كان مثلاً يكون هناك حكم يتبع حكماً آخر، يشترك معه في شيء من الأمور التي صار فيها الحكم، فلو كان منفرداً لما كان له في هذا الحكم، لكن لما كان مشتركاً تبع شريكه في الحكم على شريكته. أي شيء الذي يكون مثله فيأخذ حكم متبوعه؟ وهذه القاعدة أيضاً لها ألفاظ أخرى ذكرها بعض الفقهاء، منها: "التابع لا يفرد بحكم". التابع لا يفرد بحكم: معنى يكون تابعاً، معنى لا يستقل بالحكم، يكون تابعاً لغيره. منهم من يقول: "التابع تابع". التابع تابع: أي ليس مستقلاً. ويغتفر في التوابع أيضاً، يقال: "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها". ويقولون أيضاً: "قد يثبت الشيء ضمنا وحكماً ولا يثبت قصداً". فمن ذلك مثلاً: ما يفعله المأموم في الصلاة. أنا يأتي يدخل معه وهو في الركعة الثانية مثلاً، والمأموم تكون له الركعة الأولى. الإمام الآن سيجلس للتشهد، والمأموم يجلس معه. فالمأموم الآن تبع إمامه. لو كان منفرداً، لو كان منفرداً ما يحق له أنه يجلس في الركعة الأولى، لكن لما كان مع الإمام صار تبعاً للإمام. يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. أيضاً تذكرون من الأمثلة: السوس في التمر، السوس في التمر أو في بعض الأطعمة. السوس هذا الصغير، هذه الحشرة التي تعتيه في داخل التمر. على الأصل أن الحشرات ما يحل للإنسان أن يأكلها، لكن لو كانت داخل التمر فأجاز العلماء أنه يؤكل من باب التبع. أيضاً من الأدلة المشهورة أو الأمثلة المشهورة: بيع التمر قبل بدو الصلاح، أو بيع التمر مع بدو الصلاح. متى الآن مثلاً عندنا نخل، نخل كثير لم يبدُ صلاحه، لم يحمر ولم يصفر بعد، لكن هناك من النخل من بدى صلاحه. من النخل تجد أنه أحمر، أو إذا كان من التمر الأصفر أصفر. فهنا لو نخلة واحدة بدى صلاحها يجوز أنك تبيع الكل. لو واحدة نخلة بدى صلاحها يجوز بيع الكل. الأصل أن هذه التي بيعت وهي لم يبدُ صلاحها بعد صارت تبعاً في الحكم. لو مثلاً أراد أن يبيعها وحدها ما يجوز، ما يجوز أن يبيع ثمرها لأنها لم يبدُ صلاحها، لكن إذا كان الكل يجوز فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. أيضاً كذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في تحريق نخيل بني النضير. يعني حرق نخيلهم. الله عز وجل يقول: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أو تركتموها... فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم، ربنا جل وعلا أجاز لهم تحريق النخل، أجاز لهم تحريق النخل، مع أن النخل لا يجوز أن الإنسان يحرقه هكذا، لكن لأجل الحصار، لأجل الحصار أجاز الله عز وجل لهم أن يحرقوا النخل حتى يدخلوا... معنى حتى لا يختبئ هؤلاء تحت الشجر، اليهود. فلهذا أجاز لهم أن يحرقوا هذه الأشجار أو النخيل. فجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير. والأمثلة في هذا كثيرة. معنى لو أن مثلاً بيع الحمل في الشاة أو في الناقة: لا يجوز مثلاً أن يبيع الحمل وهو في الناقة، لكن يجوز أن يبيعه تبعاً. يجوز أن يبيعه تبعاً، أي مع الناقة نفسها يبيع الناقة مع حملها، يجوز تبعاً لكن لا يجوز استقلالاً. أيضاً حتى مثلاً بيع الثمار قبل بدو صلاحها: لا يجوز أن يبيع، لكن يجوز أن يبيع تبعاً للنخل، يعني يبيع النخل كلها فيدخل هذا الثمار، تدخل في الأصل، فيثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. وهذه القاعدة اتفق الفقهاء عليها، وعلى مسائلها كما ذكر النووي في المجموع: على أن العلماء اتفقوا على هذه القاعدة. وذكر أيضاً السيوطي في الأشباه والنظائر: "قال: حامل يُباع حملها امتنع، ولو تُباع حاملاً لم يمتنع". هذا المثال ذكرناه. معنى يبيع: لو بيع الحمل وحده لا يصح، لكن لو بيعت الحامل مع حملها فهو جائز. يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. قال: "كل شرط مفسد للعقد بذكره يفسده بالقصد، مثل نكاح قاصد التحليل، ومن نوى الطلاق للرحيل". فإن هذه القاعدة هي من القواعد الفقهية، يقول: أن كل شرط إذا ذكر في العقد أفسده، فكذلك أيضاً إذا نواه أفسد العقد. إذا نواه أيضاً يفسد العقد. وذكر مسألة التحليل: مثل نكاح قاصد التحليل، ومن نوى الطلاق للرحيل. وهذه القاعدة مختلف فيها، لكن هنا ذكر المؤلف الشيخ ابن عثيمين مذهب الحنابلة، وكأنه يرجح هذا، يرجح هذا المذهب. وإلا قد ذهب جماعة من أهل العلم كالأئمة الشافعي ومالك غيرهما أنه يجوز في بعض المسائل. مثلا الآن يقصد... هنا مسألة التحليل: أنه إذا طلقت المرأة ثلاثاً، الأصل أنها لا تحل لزوجها حتى يطأ زوجاً غيره، حتى يطأها زوج غيره بعقد صحيح. فإذا وجد هناك شرط مثلاً اشترطوا عليه، قال له: تتزوج وتطلق. فهذا التحليل، هذا التحليل الذي لا يجوز. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، لعن الله المحلل والمحلل له. فلا يجوز هذا النكاح. طيب لو نواه؟ لو نواه هذا الشيء معنا؟ مثلاً إنسان رأى صاحبه، صاحبه طلق، ورآه أنه يريد هذه المرأة، لم يقل له: أنا سأتزوجها، ولم يتفقا معاً، لكن كانت نيته على ذلك أنه يتزوجها ويطلقها حتى يحلها لصاحبه، حتى تكون حلالاً لصاحبه. فهنا يقول الشيخ: أن هذه النية تفسد العقد، أن هذه النية تفسد العقد لأنه أراد التحليل، لأن الأعمال بالنيات. لأن هذا نوى التحليل ولم ينو النكاح أصلاً. وقد جاء ما يدل على هذا عن ابن عمر أنه سئل عن هذه المسألة، سئل عن الرجل ينكح المرأة ليحلها لزوجها بلا مؤامرة، فقال ابن عمر: "كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". فإن صح هذا الحديث أو هذا الأثر عن ابن عمر فهو قوي في هذه المسألة، أن تعتبر الآن النية أيضاً أنها حرام، حتى لو بنيته. وهنا قوله: "ومن نوى الطلاق للرحيل". ومن نوى الطلاق للرحيل: معنى أيش؟ تزوج بنية أنه يطلق هذه المرأة عند رحيله. مثلاً إنسان جاء مسافر إلى بلد يدرس، فتزوج هذه المرأة وهو في نيته أنه إذا سافر سيتركها. مثل مثلاً كثير من الناس مثلاً يذهب إلى أوروبا ويذهب إلى كذا، فيريد أن يعف نفسه، فيتزوج امرأة سواء كانت امرأة مسلمة أو نصرانية، وهو في نيته أنه إذا رحل ما سيأخذها معه لأنه صعب سيأخذها، أنه سيتركها أو يطلقها. إن كان هذا عبر اتفاق فهذا لا شك أنه لا يجوز. لو كان هذا عبر اتفاق فهذا متعة. أنه قال مثلاً: سأتزوجك بمجرد جلوسي، إذا رحت خلاص أنت طالق. فهذا إن كان عن اتفاق فهو لا يجوز. لكن إذا لم يكن عن اتفاق، ما اتفق، لكن في نيته أنه يتزوج مدة جلوسه ثم سيترك هذه المرأة، هل يجوز أو لا؟ فهذه المسألة في خلاف، وأيضاً الأولى في خلاف، نفس الخلاف. فالمشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الحنفية، أنه يعتبر من نكاح المتعة. بل هو مذهب الشافعية. مذهب الحنابلة والشافعية المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية أنه يعتبر من نكاح المتعة. معنى قالوا: هذا نكاح متعة. وهذا المشهور. أقصد مذهب الشافعية لا يجيزون هذا. الشافعي يجيز مثل هذا لأنه يقول: أنه لم يتفق لفظاً، وأما النية فهي لا تكفي لأنه قد يغير نيته، قد يغير... يغير نيته. بخلاف الاتفاق. فلهذا ذهب جماعة من أهل العلم، وهو قول الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي على جوازه. ومعنى مثلاً: يجوز أن الإنسان ينوي الطلاق، ينوي الطلاق، يجوز أنه يريد أن يتزوج بنية أنه سيطلق، لكن ليس هذا اتفاق، ليس هذا اتفاق، وإنما في نيته أنه سيطلق. فأجازه كثير من أهل العلم. هذا معنى هذا الزواج. لكن الشيخ أيضاً يريد أن هذا إذا كان عن اتفاق. معنى الشيخ كأنه يريد في هذا إذا كان عن اتفاق ولو لم يكن ملفوظاً. أنا مثلاً قال له الزوج... مثلاً إذا كان ما يعلم بهذه نية صاحبه. مثلاً هو يريد أن يحل له هذه المرأة لكن ما قال له ولا أخبره. إذا كان لا يعلم فهنا نقول: أن نكاح هذا الشخص الذي نكح زوجة هذا... معنى الشيخ ابن عثيمين يقول: هذا الذي كان بنية الطلاق يعتبر نكاحاً باطلاً. لكن تحليلها هل يكون تحليلها صحيحاً؟ يقول: أن التحليل صحيح لأنه لا يعلم الزوج أن هذا الرجل تزوجه لأجله، ما أخبره، لم يكن عن اتفاق بينه. لهذا قال: "لكن من يجهل قصد صاحبه فالعقد غير فاسد من جانبه لأنه لا يعلم الذي أسر، فأجري العقد على ما قد ظهر". هذا الآن معنى يريد أن يستثني هذه المسألة. معنى أن بالنسبة للزوج في هذه المسألة هو ما عنده إشكال، ما عنده إشكال في التحليل، حصل ظاهره صحيح، فله أن يتزوج هذه المرأة. أيضاً لو جاء مثلاً إنسان يشتري عنب عند صاحب عنب، أو يشتري تمر، أو يشتري شيء من البضائع الفاسدة مثلاً أو التي ستفسد. فإن قال له: إني أريدها لأجل الخمر وعصيرها، واجعلها خمراً. وهنا لا يجوز للبايع أن يبيع له. لكنه لم يخبره بذلك، وأخذ هذه الأشياء من عنده وهو يريد أن يفعلها خمراً. فهل للبايع يأثم؟ لا، لأنه لا يعلم، لأنه لا يعلم بنية هذا الشخص. أيضاً في المسألة الأولى: إذا تزوج الرجل بنيته أنه يريد أن يحل هذه الزوجة أو يريد طلاقها، مثل المثال الثاني مثلاً كما قلنا: أنه في مكان يريد أن يتزوج في ذلك المكان ثم بعد ذلك يطلق، هكذا في نيته، ليس شرطاً. فهنا إذا حصل مثلاً في المثال الأول أن هذا الرجل المحلل مات وهو لم يطلق بعد، حصل أنه مات ولم يطلق. فهنا هذه المرأة تكون زوجته، ترث منه وتعتد، ولها أحكام الزوجة. أيضاً كذلك المثال الثاني: هذا المحلل إذا توفي، ما قلنا أنه تكون زوجته، تكون زوجته. لكن بالنسبة للزوج هذا الذي نوى التحليل يكون معنا... هذا كلام الشيخ: يكون عقده فاسداً. لكن المرأة التي تزوجها زواجها صحيح. زواجها صحيح. أيضاً التحليل يكون صحيحاً إذا كان ما يعلم الشخص. مثلاً هذا الزوج طلق أو مات، فهنا تحل للأول الذي قد طلق ثلاثاً. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذا النكاح صار نكاحاً صحيحاً. صحيح أن في نية أنه سيطلق، أو في نية أنه يريد التحليل، لكن هذا يؤخذ بالظاهر، يؤخذ في الأحكام بالظاهر. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذه القاعدة، والله أعلم.