الدرس في كتاب النكاح 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أحكام إجبار الأولياء للنساء على النكاح، موضحاً أن السيد يجبر إماءه والعبد الصغير، بينما لا يُجبر العبد الكبير ولا البكر من غير الأب والوصي عند الحنابلة، خلافاً للشافعية الذين يمنحون الجد حق الإجبار. كما يستثنى حالات الحاجة أو الريبة التي تبيح تزويج البكر بغير إذنها.
يوضح المقطع أن إذن البكر يكون بصمتها بينما لا بد للثيب من النطق بالرضا، مستعرضاً خلاف العلماء في تحديد الثيب. فالحنابلة يعدّون كل موطوءة ثيباً سواء في حل أو حرمة، بينما المالكية والحنفية وابن القيم يشترطون الوطء الصحيح في نكاح صحيح، فالموطوءة زنى لا تعد ثيباً بل في حكم البكر.
يؤكد المقطع أن الولي شرط لصحة النكاح عند الجمهور مستدلين بحديث «لا نكاح إلا بولي»، بينما يجيز الحنفية النكاح بلا ولي إذا أذن الولي لاحقاً، ويردّ المؤلف على استدلالهم بآية العضل مؤكداً أن السنة صريحة في وجوب الولي. وينبّه إلى بطلان ما يسمى بالنكاح العرفي أو المدني الذي يتم دون ولي، وأن نكاح المرأة لا يصح إلا بحضور وليها وإذنه وإلا كان باطلاً.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. فإن المؤلف رحمه الله يريد أن يبين فيما يجوز من النكاح، وقد ذكرنا حالات البكر في هذا النكاح. وقوله: «أنك السيد مع إماءه»، أي: لأن السيد ينكح إماءه البالغات وغير البالغات في غير الظاهرة؛ لأنه يملك منافع بضعهن، فهن مملوكات له. كذلك قال: «وعبده الصغير»، فيجوز له أن يجبر عبده الصغير على النكاح. وأما العبد الكبير البالغ فلا يجوز له إجباره؛ لأنه يملك الطلاق، وأما الصغير فلا يملك الطلاق، فإذا كان يملك الطلاق فلا يملك إجباره على النكاح، وهذا كالحُر. قال: «ولا يزوج باقي الأولياء صغيرة دون تسع سنين». لا يزوج باقي الأولياء ممن غير العبد وغير السيد، حتى الجد عند الحنابلة؛ حتى الجد لا يجوز له أن يزوج ابنته أو بنت ابنه الصغيرة، هذا مذهب الحنابلة. وأما الشافعية فيقولون: بل الجد له أن يجبر البكر على النكاح، يقولون: لأن ولايته بسبب الولادة فأشبه العبد، وهو مقام العبد. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الحنابلة، كما حكاه عنه صاحب الإنصاف المرداوي، وذكر شيخ الإسلام أنها رواية عن الإمام أحمد. واستدل الحنابلة بحديث: «لا ولي مع ثيب أمر، واليتيمة تستأمر». فاليتيمة هنا من ليس لها أب، فتستأمر اليتيمة لأن ليس لها أب، فلذا لا يجبرها حتى الجد. فقالوا: فسائر الأولياء كالأخ والعم، كذلك الجد ليس لهم أن يجبر البكر، وإن كانت محلاً للإجبار كالبكر دون تسع. إنهم يرون أن هذا الإجبار إنما يكون لمن؟ للأب فقط، أو الوصي؛ الأب أو الوصي، لأن الوصي يقوم مقامه. قالوا: لا صغيرة ولا كبيرة عاقلة، ولا بنت تسع سنين، إلا بإذنها، إلا إذا كانت هناك حاجة فيجوز أن يزوجها بغير إذنها، خاصة الأب. وقيل أيضاً: كذلك الحاكم مثلاً إذا رأى منها ريبة، أو رأى منها مثلاً كلاماً للرجال، أو عدم حياء، أو غير ذلك، فيحتاجون إلى تزويجها فيجبروها على ذلك. قال: «وهو صمت البكر» هكذا عندكم، وهو صمت البكر عن الإذن. وهو صمت البكر، ونطق الثيب. وهو صمت الثيب عن الإذن. صمت البكر: معناها الآن دخل في الإذن، يعني الإذن إذا قيل لها مثلاً: خطبك فلان أترضين به؟ فإن قالت: نعم، فبها، وإن سكتت أيضاً فهي موافقة، فيعتبر الرضا وإذنها صماتها، وإذنها سكوتها. وأما الثيب فلا بد أن تنطق؛ لأنها تستطيع أن تعرب عن نفسها. واختلف العلماء في تحديد الثيب، فمن قائل: إن الثيب هي الموطوءة من قبل في حل أو في حرمة، حتى المرأة التي زني بها، أنها زني بها مكرهة أو غير مكرهة. فهذا المشهور مذهب الحنابلة: أنها موطوءة سواء كان في حل أو تحريم. وعند المالكية والحنفية قالوا: إن الموطوءة فجوراً ليست بثيب، أنه إذا كان زني بها وهي راضية فهذه ليست بثيب، ليست بمعنى جبرة أو غصبة. وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله عليه، وقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر»، ففسر الثيب بالأيم، والموطوءة بالزناء ليست أيم، سواء كانت مكرهة أو غير مكرهة. وقال الإمام ابن القيم: الأيم من فارقها زوجها بطلاق أو فسخ أو موت. وأيضاً صحيح أن المالكية يقولون: حتى لو كانت غير مكرهة، يعني لو زني بها وهي غير مكرهة أيضاً كذلك لا تكون أيم، لا تكون ثيب، وإنما الثيب هي المحصنة التي وطئت وطأً صحيحاً. فلذا الزانية تصبح في حكم البكر، التي زني بها تصبح في حكم البكر، مكرهة كانت أو غير مكرهة، لا لا، المهم: الزانية إذا كان زنت تعتبر بكر، ما تعتبر ثيب، سواء كانت مكرهة أو غير مكرهة، هذا قول المالكية. بل بعضهم يقول: إنه حتى إذا لم يطأها لكن عقد عليها وفارقها إما بطلاق أو بفسخ أو بموت، حتى وإن لم يطأها تعتبر أنها متزوجة، في حكم الثيب. فلذا مثل هذا لا يكفي صماتها، بل لا بد أن تعرب عن نفسها، فتتلفظ بما يدل على رضاها. قال: «الثالث: الولي»، هذا هو الشرط الثالث عند الحنابلة. عند الحنابلة: الموقوع بها سواء في حل أو في حرمة، هذا هو الظاهر. الشافعي يفرق بين الموقوع بالزناء، لا، المالكية يقولون: مع ناس، وكان هذا مكروهاً وغير مكروه. عند الشافعي يفرق، قول المالكية، قول المالكية والحنفية: عند الشافعي الذين يجيزون مكره، كان جبراً، وما إذا كانت عن رضا فهي تكون ثيباً، إذا كان عن رضا تكون ثيب، فلا تكون بكر. قال: «الثالث: الولي»، هذا هو الشرط الثالث من شروط النكاح، وهو الولي، فلا يصح النكاح إلا بولي، لما جاء في الحديث: «لا نكاح إلا بولي». لا نكاح صحيح إلا بولي. وفي حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». فإذا دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها. فإن تنازعوا فالسلطان ولي من لا ولي له. إذا تزوجت بغير ولي ووطئها الرجل فإنها تستحق المهر بما استحل من فرجها، وهذا قول عامة العلماء إلا الحنفية. الحنفية يقولون: يصح بلا ولي، لكن بعضهم يشترط إذنه، يشترط إذنه لا يشترط رضاه، إذنه ولو بعد العقد، يعني أقصد: يشترط إذنه ولو بعد العقد، على ما يشترط حضوره قبل العقد أو أنه هو الذي يلقي يعقد النكاح. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، فأضاف إليهن النكاح، وهذا الفهم غير صحيح، بل هذا نهي عن أن الولي، بل هذا يستدل به على الولاية وأنها لا بد منها، كما استدل بذلك الإمام الشافعي، أقصد الإمام البخاري. فهنا قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فأضاف العضل إلى أوليائهن، فدل على أن لهم التصرف في إنكاحهن، وهذا الذي جاء في السنة: «لا نكاح إلا بولي». وأما ما يفعله الناس الآن في بعض البلدان مما يسمونه بالنكاح العرفي أو النكاح المدني، فهذا مما لا يصح؛ لأنه بدون ولي. واستدل بعض الحنفية الذين قالوا بأنه إذا أذن صح النكاح، يقولون: النكاح غير صحيح أنها بدون ولي، لكن إذا أذن الولي ولو بعد النكاح يعتبر نكاحاً صحيحاً، واستدلوا بقوله في الحديث: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها»، لو أذن قالوا: فيصح. وهذا تخريج غلط كما قال شيخ الإسلام، لدلالة السنة على أنه لا نكاح إلا بولي. لا يجوز أن يؤخذ بالمفهوم المستنبط ويترك ما كان صريحاً عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلذا لا يصح للمرأة أن تنكح بغير وليها وبغير إذنه. فإن شاء نكتفي بهذا.