التعليق على كتاب الداء والدواء 43

التعليق على كتاب الداء والدواء 43

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 43، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

أثر المعاصي في عمى القلب وتقسيم الناس حسب معرفتهم للحق وعملهم به

توضح الفقرة كيف تُعمي المعاصي بصيرة القلب وتضعف التمييز بين الحق والباطل، مبينة أن الكمال الإنساني يقوم على معرفة الحق وإيثاره. ثم تقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: من عرف الحق وعمل به، ومن جهل الحق ولم يعمل به، ومن عرف الحق لكنه ضعيف عن العمل به.

مراتب المؤمنين بين العلم والعمل وأثر البصيرة في التمييز

تشرح الفقرة حديث "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" موضحة أن القوة تشمل البدن والقلب، وتستعرض قاعدة "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز". ثم تقسم الناس إلى أربع مراتب بحسب علمهم بالحق وقوتهم على العمل به، محذرة من خلط الحق بالباطل بسبب ضعف البصيرة، وتختم بشرطي قبول العمل: الإخلاص والمتابعة.

آثار المعاصي على القلب ومصير المعرضين عن ذكر الله

تبين الفقرة كيف تنعكس المفاهيم في قلب العاصي فيرى الباطل حقاً والحق باطلاً، بينما تنير الطاعة القلب وتطرد الشيطان. وتصف مصير المعرضين عن ذكر الله يوم القيامة حيث يتبرأ القرين من قرينه ويتمنى البعد عنه، فلا ينفع الندم حينئذٍ.

خاتمة الدرس وانتقال إلى الفصل القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي بالإشارة إلى استكمال الفصل في الدرس القادم، ويختم بالدعاء بالمغفرة والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال مع هذه العقوبات التي ذكرها رحمه الله تعالى لهذه المعاصي وهذه المحرمات، وكما سبق، فقد ذكر عدداً كبيراً فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى. وما هذه العقوبات إلا زواجر تردع العباد عن مقارفة الذنوب وارتكاب المحرمات. هذه عقوبات عاجلة، مع عقوبات قد تكون آجلة، إن لم يتدارك العبد رحمة من الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فصل: ومن عقوباتها أنها تعمي القلب، تعمي القلب، فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولابد، وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولابد. قال: فإذا عمي القلب وضعف، فاته من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته». وهذا كما ذكر رحمه الله تعالى، وسبق وأن أشار إلى جوانب متعلقة بهذا الأمر. الذنوب، كما مر معنا وتكرر وتقرر، أن أثرها على القلوب أثر عظيم جداً. وسبق معنا ما قاله الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال: «رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها، وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها، وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها». فالذنوب تعمي القلوب، بل وتميت القلوب. فإن لم يعمَ القلب، فعلى أقل تقدير فإنها تضعف بصيرته. والعبد أعطاه الله عز وجل بصراً وبصيرة. فأما البصر فهو الذي يكون بعين العين، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. وأما البصيرة فإنها تكون بعين القلوب. قال رحمه الله تعالى: «فإن الكمال الإنساني مدارُه على أصلين». الكمال الإنساني، وما منا إلا ويسعى جاهداً لكي يصل إلى هذا الكمال البشري، هذا الكمال الإنساني. قال: «مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره»، أي تقديم الحق على الباطل. إذن هما أصلان: الأصل الأول المعرفة، أي معرفة وتمييز الحق من الباطل، والأصل الثاني هو أنه إذا عرف الحق من الباطل قدم الحق على الباطل. قال: «وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر أعمالهم، وأعمالهم بحسب منازلهم في معرفة هذين الأمرين». قال: «وهما اللذان أثنى الله سبحانه على أنبيائه بهما في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، أولي الأيدي والأبصار». قال: «فالأيدي: القوى في تنفيذ الحق، والأبصار: البصائر في الدين». فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه. قال: «وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام». قال: «فهؤلاء أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله». فمن هذا القسم الأول الذي أشار إليه بقوله: «فهؤلاء أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله»؟ منهم يا صالح... منهم المسلمون أهل الإيمان. ما صفتهم؟ الذين تكلم عنهم قبل قليل في أول هذا الفصل، وهو ماذا؟ طيب، نعم يا بزبير... نعم، عرفوا الحق من الباطل. طيب، والأصل الثاني يعني قدموا أي الأمرين؟ الآن أنت عرفت الحق من الباطل، فأيهما تقدم؟ الحق. إذن القسم الأول، الذي هو أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله، هم الذين اجتمع فيهم هذان الأصلان: الأصل الأول معرفة الحق من الباطل، والأصل الثاني... يا بخان، الأصل الثاني ما هو؟ الأصل الأول معرفة الحق من الباطل، والأصل الثاني... وإذن أنت وصاحبك تقربان هنا، الذي بجانبك يا أبا صالح... آه عندك نعم، أقربا هنا، كلاكما أنت وصاحبه... آه عندك... آه... بلغوا عنه... آه... كمال التوكيد هنا يا أبا خان، أنت وصاحبك هنا قدام، عندي هنا... نعم هنا هنا هنا قدام هنا عندي أحمد خان وصاحبك... آه، أحسن الله إليكم، جزاكم الله خيراً. من هو ذئب الإنسان يا با خان؟ ذئب الإنسان، من هو ذئب الإنسان الذي يحاول يفترس الإنسان، يعض عضة معنوية؟ مر معنا وتكرر، وإلا أبو رمزي يرفع... آه عندك... آه، أحسنت: الشيطان. الشيطان، كما مر معنا في بعض الآثار: «ذئب الإنسان». وإنما يأكل الذئب من الغنم... يا بطا... وإنما يأكل الذئب من الغنم... ها، يعني القريبة أو البعيدة؟ البعيدة، القاصية، هذه نصيب وحظ الذئب. والذي يبعد من الحلقة يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى تركيز أكثر، بخلاف من كان قريباً، بخلاف من كان قريباً، فقربه معين له على التركيز وعلى الانتباه. إذن القسم الأول هم أشرف الأقسام، أي أقسام الخلق وأكرمهم على الله، وهم من اجتمع فيهم هذان الأصلان: الأول معرفة الحق من الباطل، الأصل الثاني هو إيثار الحق على الباطل، أي تقديم الحق على الباطل. قال: «القسم الثاني: عكس هؤلاء». فيا با جعفر، كيف عكس هؤلاء؟ أي عكس الأول، لم تتوفر فيهم هاتان الصفتان، ولا هذان الأصلان. طيب، وقبله وقبله؟ عدم... أحسن: عدم التفريق بين الحق والباطل، عدم معرفة الحق من الباطل. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. والأمر الثاني: أنهم لربما آثروا الباطل على الحق، ومن لا يعرف الحق من الباطل يقع فيه، يقع فيه. قال: «القسم الثاني: عكس هؤلاء، لا بصيرة لهم في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق، ولا قوة على تنفيذ الحق». قال: «وهم أكثر هذا الخلق، الذين رؤيتهم قذى العيون، وهم الأرواح قذى، أي أوساخ العيون، وهم الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد بصحبتهم إلا العار والشنار». وقد ذمهم الله في كتابه في غير آية، كما مدح القسم الأول وأثنى عليه في غير آية. وهذا يا إخوان يتطلب منا الحذر، ألا نكون من هؤلاء. فهم كما ذكر: أكثر هذا الخلق، أكثر هذا الخلق، لا فائدة منهم ولا خير يرتجى من قبلهم، وإنما هم عالة، وهكذا هم لا يأتي من قبلهم إلا العار والشنار، كما ذكر رحمه الله تعالى. فبئس القوم الذين لا يميزون بين الحق والباطل، وقد يميز بعضهم، لكن ليس عندهم من القوة التي تجعله يقدم الحق على الباطل، الحق على الباطل. قال: «القسم الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف، لا قوة له على تنفيذه، ولا الدعوة إليه». قال: «وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه». وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. ما هو حديث أبي هريرة؟ ما هو حديث أبي هريرة في المؤمن القوي والمؤمن الضعيف يا أبا الفضل؟ حديث أبي هريرة في صحيح مسلم... أحسنت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». ويدخل في قوة الإيمان وضعفه... ها هنا أو ماذا؟ في قوة المؤمن وضعفه ها هنا: القوة الحسية، قوة الأبدان، وهكذا القوة المعنوية، وهي قوة الإيمان. فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. قال: «وفي كل خير». وفي كل خير. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة لأهل الإيمان، هذه القاعدة تقوي العزائم الضعيفة، وترفع الهمم الهابطة، فكيف بمن كان همته عالية وهكذا عزيمته قوية؟ قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك». هذه قاعدة، ضعها نصب عينيك، اجعلها نبراساً لك في هذه الحياة: احرص على ما ينفعك. القاعدة الثانية: قال: «واستعن بالله ولا تعجز». واستعن بالله، أي اطلب المعونة من الله عز وجل، وإياكم ثم إياكم أن نكون من العاجزين. العاجز الذي يرى من نفسه عدم القدر على العمل، عدم القدر على العمل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله عز وجل من العجز والكسل، والفقري... والفقري. إذن واستعن بالله، إذا أعاننا الله عز وجل فنستطيع يا إخوان أن نقوم بأعمال عظيمة وأعمال كثيرة. قال: «واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، تفتح عمل الشيطان». إذن القسم الأول: من عرف الحق من الباطل، واحد. ثانياً: قدم وآثر الحق على الباطل. طيب، القسم الثاني: الذي فقد هذين الأصلين، فلم يتعرف على الحق من الباطل، ولم يقدم الحق على الباطل. القسم الثالث: عرف وميز الحق من الباطل، لكنه ضعيف، فآثر الباطل على الحق، قدم الباطل على الحق. قال: «القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف... لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمره، يحسب كل سوداء تمره، وكل بيضاء شحمه، يحسب الورم شحماً، والدواء النافع سماً». انظروا إلى هؤلاء: حين أن فقدوا العلم، حين أن فقدوا العلم، فقدوا البصيرة. عندهم نوايا طيبة ومقاصد حسنة، لكن ماذا؟ ليس عندهم... ليس عندهم بصيرة، ليس عندهم من العلم ما يميزون به بين الحق من الباطل. كما سبق: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. فماذا؟ كما قيل: «أراد نفعاً فضر من غير قصد»، أراد نفعاً فضر من غير قصد، «ومن البر ما يكون عقوقاً»، ومن البر ما يكون عقوقاً. فيختلط عند هؤلاء الحابل بالنابل، ما يدري الحق مع من، وقد تتقلب عنده المفاهيم، تتقلب عنده المفاهيم. يرى أن عباد القبور والأضرحة هم أهل الدين الصحيح، وهم الذين يغارون على الدين، ويحبون ويحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فيغتر بهم، وينظر إلى دعاة التوحيد بأنهم متشددون، وأنهم غُلاة، وأنهم ماذا؟ لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يغارون على هذا الدين. كم يا إخوان من هذا الصنف في المجتمعات المسلمة، في المجتمعات المسلمة! البعض يظن أن غلاة التكفير، غلاة التكفير والخارجون على الحكام، وغيرها من الأوصاف، يقول: هؤلاء هم العلماء. ولهذا نسمع بعض العوام، هدانا الله وإياهم، يقول: العلماء في السجون، العلماء في السجون. يظن أن هؤلاء الخوارج، هؤلاء الذين لم ينضبطوا بضوابط الكتاب والسنة، أنهم هم العلماء حقاً، وأنه بسبب غيرتهم وبسبب نصحهم وجهادهم أودعوا السجون. بينما غيرهم من العلماء، يقول: هؤلاء علماء دولة، هؤلاء علماء سلطة، هؤلاء جبناء عن قول كلمة الحق. انظروا كيف اختلطت الأمور واختلت الموازين لدى البعض، وهم كثير من الناس، وهم كثير من الناس. إذن المسلم يحتاج إلى الأصلين معاً: إلى المعرفة، أي معرفة الحق من الباطل، وإلى القوة التي تجعله يقدم الحق ويؤخر الباطل. واضح يا إخوان؟ واضح يا أبا الحسن؟ ما هم الأصلان؟ المعرفة: معرفة الحق من الباطل. الأصل الثاني: القوة التي من خلالها يستطيع أن يقدم الحق ويؤخر الباطل. وسبب هذا يا إخوان: البعض قد يضع يده على الضرر ويبعد يده عن الخير والنفع، كما مثل ابن القيم ها هنا. قال: «بل يحسب كل سوداء تمره». قالوا له: التمر لونه إيش؟ أسود ومدور. وجد روثه أو بعره، قال: هذه تمرة، هذه تمرة. ما يستطيع أن يميز بين التمر وبين البعر، وبين البعر. وهكذا أيضاً: يحسب كل شيء أبيض شحم، كل شيء أبيض شحما. فلذلك يظن الورم شحماً، يظن الورم شحماً. وهكذا الدواء النافع يظنه سماً، يظنه سماً. وهذا يا إخوان من الدرر العظيمة التي نحن وغيرنا أحوج ما يكون إليها. قال رحمه الله تعالى: «وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا الدعوة إلى الهدى المستقيم، ولا هو موضعاً... ولا هو موضعاً لها». سوى القسم الأول، موضع الإمامة في الدين والدعوة إلى هذا الخير، لا يستحقه إلا القسم الأول. جعلنا الله وإياكم جميعاً منهم، الذين عرفوا الحق من الباطل، وهكذا رزقهم الله القوة على تقديم الحق وتأخير الباطل. قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون. قال: «فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين، بالصبر واليقين، بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين». قال: «وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر الذي هو زمن الأعمال الصالحة والطالحة». ما هو الفرق بين الصالح والطالح؟ عندنا أعمال صالحة وأعمال طالحة. ما هو الفرق بين أعمال... والطالحة؟ كيف أكس؟ أحسنت: الصالحة؟ العمل الصالح يا إخوان... فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. متى يكون العمل صالحاً؟ ومتى تكون العبادة مقبولة؟ إذا اجتمع فيها شرطان اثنان، شرطان اثنان: الأول يا أخان عمران: الإخلاص لله عز وجل. الثاني يا أخان عبد الله: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. هذه أعمال خالصة، هذه أعمال صالحة. وعكسها طالحة، يعني فاسدة، غير صحيحة، غير مقبولة، إذا فسدت أو إذا فقدت الإخلاص والمتابعة. قال: «وأقسم بالعصر الذي هو زمن الأعمال الصالحة والطالحة، زمن سعي الخاسرين والرابحين، على أن من عداهم فهو من الخاسرين». فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١-٣]. قال: «فلم يَخْلُفُوا من معرفة الحق والصبر عليه حتى يوصي بعضهم بعضاً به، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». قال: «ويرشده إليه ويحضه عليه، ويحضه عليه». قال: «وإذا كان من عدا هؤلاء خاسراً...» قال: «فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب، فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته، فلا يصبر عليه، بل قد يتوارد على القلب الذنب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره». قال: «فيدرك الباطل حقاً والحق باطلاً، والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، وأولياء الرحمن أولياء الشيطان، وأولياء الشيطان أولياء الرحمن». وننصح يا إخوان بقراءة ودراسة رسالة الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، الموسومة بـ «الأصول الستة». الأصول الستة، هذه رسالة نافعة يا إخوان، بيّن فيها منهج أهل السنة والجماعة، وبيّن فيها الغلط الذي وقع من وقع فيه من الناس، فاختلطت عندهم الموازين: الحق أصبح باطلاً، والباطل أصبح حقاً، والعلم أصبح جهلاً، والجهل يعد علماً، وهكذا غيرها من المفاهيم التي يجب أن تصحح. قال: «ويميل إلى أبناء الدنيا، وينفر من أبناء الآخرة». ومعنى أبناء الدنيا: أي الذين يعملون لها ويسعون لها سعيها. قال: «ويميل إلى الشعر، وينفر من القرآن». وليس في هذا ذم الشعر، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن من الشعر لحكمة». فالشعر الطيب طيب، لكن المقصود ها هنا: الشعر الباطل، الأشعار البذيئة، أو الشعر الذي يشغل ويلهي عن القرآن، عن القرآن. قال: «وإذا ذكر الله وحده اشمأز قلبه، وإذا ذكرت الدنيا وأبناؤها اطمأن إلى ذلك». قال: «ويؤثر مجالس البطالين على مجالس أهل الذكر والعمل». قال: «وبالجملة»، أي تلخيصاً لما سبق، قال: «وبالجملة لقد انعكست الأمور في حقه علماً وعملاً، علماً وعملاً، فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة، التي رضيت بالحياة الدنيا من الآخرة، واطمأنت بها وبأهلها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد ليوم المعاد». وما هو المقصود بيوم المعاد يا خان؟ شامل... ما هو المقصود بيوم المعاد؟ يوم المعاد، ما هو المقصود به؟ له أسماء كثيرة، ومن باب الفائدة يا إخوان: إذا تعددت أسماء الشيء دل ذلك على عظمته، على عظمته. ومن هذا الباب أن لله عز وجل أسماء لا يعلم عددها إلا هو. ما هو يوم المعاد؟ ما هو حماس... ما هو حماس؟ بلغ عنه يا بتميم، ما يقول يوم المعاد؟ يوم القيامة... أحسنت: يوم القيامة. قال رحمه الله تعالى: «ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها، لكانت كافية داعية إلى تركها والبعد منها، والله المستعان». قال: «وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتسقّله، وتسقّله، أي تجعله سليماً نظيفاً». قال: «وتقويه وتثبته، وتجعله مستعداً للعلوم والمعارف، وتكسبه ربحاً مضاعفاً، ونوراً وإيماناً وطمأنينة، حتى يصير كالمِرآة المجلوة في جلائها وصفائها، فيمتلئ نوراً، يمتلئ نوراً». هذه كلها يا إخوان من آثار الطاعة الحسنة، وهكذا تعتبر من فوائد الطاعات. قال: «فإذا دنى الشيطان منه، أصابه من نوره وشعاعه ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب». فمن يسمع الآن يجد له شهاباً ثاقباً. قال: «فالشيطان يفر من هذا القلب، أشد من أو... فالشيطان يفرق». ما معنى يفرق؟ يفرق... نعم يا أبا عبد الرحمن. قال: «فالشيطان يفرق من هذا القلب، أشد من فرق الذئب من الأسد». نعم، أحسنتم: يفرق يعني يخاف، يهرب من ماذا؟ من هذا القلب، أشد من فرق الذئب من الأسد. قال: «حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان، فيخر، أي الشيطان صريعاً، فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسي، أصابه إنسي، وبه نظرة من الإنس». كما قيل: «فيا نظرة من قلب حر منور، يكاد لها الشيطان بالنور يحترق». انظروا: انعكس الأمر. المؤمن القوي العالم، هذا يصرع الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين، يقولون: ما له؟ فيقال: ماذا؟ أصابه إنسي، وبه نظرة من الإنس. لكن المؤمن الضعيف، وهكذا من استولت عليه الشهوات والذنوب والمحرمات، يقع له العكس: الشيطان هو الذي يصرعه، فيجتمع عليه الإنس، فيقولون: ما له؟ فيقال: فيقال: أصابه جني، أصابه جني. قال رحمه الله تعالى: «أفيستوي هذا القلب، وقلب مظلمة أرجاؤه، أي أنحاؤه، مختلفة أهواؤه، قد اتخذه الشيطان وطنه، وأعده مسكنه؟ إذا أصبح بطلعته حيا... إذا أصبح أي أصبح بطلعته حيا، وقال: فديت من لا يفلح في دنياه ولا في أخراه». قال: «لولا المعاصي خافق فوق رأسه، وفي اللهو والعصيان يسعى ويكدح، وإذا رأى الشيطان طلعة وجهه حيا، وقال: فديت من لا يفلح». قال: «قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها، فأنت قرين لي بكل مكاني، فإن كنت في دار الشقاء فإنني وأنت جميعاً في شقاء وهواني، في شقاء وهواني». قال: «وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦-٣٨]، لكن ما ينفع يا إخوان في الدنيا أصحاب، وفي الآخرة أعداء. في الدنيا كان صديق الشيطان، وكان محباً للشيطان مطيعاً له. في يوم القيامة قال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي المشرق والمغرب، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، بئس الصاحب كنت. قال تعالى: ﴿فَلَا يَنفَعُكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، أي في الدنيا أنكم في العذاب مشتركون». قال: «فأخبر سبحانه أن من عمي عن ذكره، وهو كتابه الذي أنزله على رسوله، فأعرض عنه وعمي عنه، وعشِي أو عشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه، قَيَّض الله له شيطاناً، أي سخر الله له شيطاناً، عقوبة له بإعراضه عن كتابه». قال: «فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره، الذي هو بئس المولى وبئس العشير». «رضيعي لبان... لبان ثدي أم، تقاسم بأسح مداج، عوض لا نتفرق». أي كأنهما شخصان رضعا من ثدي واحد ولبن واحد، وتقاسم ذلك، وتقاسم ذلك. يأتي معنا إن شاء الله عز وجل تتمة هذا الفصل مع ما بعده من العقوبات في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وغفر الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.