كتاب الحدود 16

الدرس في كتاب الحدود 16، ألقاها

تعريف الردة وأحكامها العامة

تعرف الردة لغة بأنها الرجوع عن الشيء، وشرعًا بأنها الكفر بعد الإسلام طوعًا. يُوضح أن الردة تكون بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل معين.

شروط الردة وضوابطها

يُشترط للردة العقل والتمييز والاختيار، فلا يُحكم بالردة على المجنون أو الصبي غير المميز أو المكره المعتبَر شرعًا.

عقوبة المرتد في الدنيا والآخرة

حكم المرتد هو القتل بعد الاستتابة، ويستثنى الصبي حتى يبلغ. في الآخرة، المرتد يحبط عمله ويخلد في النار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثامن، وهو الباب الأخير من كتاب الحدود في الردة، وفيه مسائل. أي أن هذا الباب مدخل في الكلام على أحكام الردة، وفيه مسائل. أي مسائل الردة. وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفها وشروطها وحكم المرتد. فهذه المسألة الأولى تضمَّنَت أمورًا ثلاثة: التعريف للردة، وكذلك شروط الردة، وكذلك حكم الردة. أولاً: تعريف الردة. الردة في اللغة: الرُّجوع عن الشيء، ومنه الرُّجوع عن الإسلام. أي أن الردة في اللغة يُقال بمعنى الرُّجوع، فيُقال: ردَّ له الشيء إذا أرجعه إليه. فالردَّ بمعنى الرُّجوع. وفي الإصطلاح: الكفر بعد الإسلام طوعًا بنطقٍ أو اعتقادٍ أو شكٍ أو فعل. وكما مرَّ معنا مرارًا أن المعنى الإصطلاحي أو المعنى الشرعي يكون مُقَيِّدًا للمعنى اللغوي. فالمعنى اللغوي هاهنا: أن الردَّ بمعنى الرُّجوع عن الشيء. وفي الإصطلاح الشرعي: الردَّ هي الكفر بعد الإسلام، بمعنى الرُّجوع عن الإسلام بعد الدخول فيه. إلى هاهنا المعنى اللغوي مشاركٌ للمعنى الشرعي، إلا أن المعنى الشرعي أضاف وصفًا، وهو أنه رُّجوعٌ عن الإسلام بعد إذ كان فيه، وقيده بقيود. أي ذلك الرُّجوع عن الإسلام بأن يَكُونَ طَوْعًا. فَخَرَجَ مَا لَمْ يَكُنْ طَوْعًا، كفِعْلِ المُكْرَه. فالمُكْرَه لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ التي تَقْطَضِي الكفر، ولكنه فعله مُكْرَهًا، إِكْرَاهًا مُعتَبَرًا شَرْعًا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا. فهذا قيد يُقَيِّد ما أُطْلِقَ في اللغة. أيضًا كما ذُكِرَ طَوْعًا بنُطْقٍ، كفِعْلِ مَنْ كَفِعْلِ كما سمعتم المُكْرَه من أُكْرِهَ على قول كلمة الكفر، فله أن يقول ذلك، لكن كما ذكى العلماء رحمهم الله تعالى بشرطين. الأول: أن يكون مُكْرَهًا إِكْرَاهًا مُعتَبَرًا شَرْعًا، مُلْجِئًا له بأن يقول هذه الكلمة دفعًا للضر نازل به المتحقق، لا مجرد طلب. إفعل ذلك الفعل، وهو في قرارة نفسه قد يُصاب بآذى، وقد لا يُصاب، الأمر محتمل. أو بما هو أدنى من ذلك، بأن يُطلب منه مجرد طلب في يفعل ما يفعل، فهذا ليس بمُكْرَهًا. فهذا ليس بمُكْرَهًا. بمُكْرَهًا المُكْرَهًا الإكراه المُعتَبَرًا، بحيث أنه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الضرَّ إلا بذلك. وأن يكون كذلك الإكراه أو ذلك الفعل الذي فعله عن شيء سيتحقق، ولا بد. يعني إما أن تفعله، إما أن نقتلك، أو ما شابه ذلك. ويكون الأمر مُحقَّقًا عنده، أو يغلب على ظنه أنه سيكون. فهذا مُكْرَهًا في هذه الحال. فلو أن يقول ذلك كما سمعتم بشرطين. الأول: أن يكون الإكراه معتبراً شرعاً. والثاني: أن يقول كلمة الكفر، وقلبه مُطمئن بالإيمان. لابد من هذين الشرطين، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. هذا الشرط الأول، وقلبه مُطمئن بالإيمان، هذا والشرط الثاني. إذا لابد من توفر هذين الشرطين حتى لا يكون قوله الكفر كفراً. فإما إذا اختل أحد هذين الشرطين، بأن كان غير مُكْرَه، قال كلمة الكفر وهو غير مُكْرَه. أو قال كلمة الكفر وهو مُكْرَه، لكن قلبه غير مُطمئن بالإيمان، أي وقع في قلبه شك. فإنه يكون كافر مُرتدًا. إذن لابد من توفر هذين الشرطين: الإكراه المُعتبر، وأن يكون قلبه مُطمئن بإيمان حال قوله كلمة الكفر بلسانه. لأن القلب لا يستطيعون التوصل إليه. بنُطقٍ أو اعتقادٍ أو شكٍ أو فعل. بنُطقٍ كأن يتلفظ بما هو كفرٌ وردة. كأن يسب الله تعالى وتقدَّس، أو رسوله، أو دين الإسلام، أو ما شابه ذلك. هذا كفرٌ وردَّة بالقول. أو اعتقاد بأن يعتقد شيئًا من المُعتقدات التي اعتقادُها كفرٌ وردَّة. مثل اعتقاد أن مع الله جل وعلا إلهاً آخر، أو أن مع الله جل وعلا خالقًا آخر، أو أن مع الله جل وعلا متصرِّفًا بالكون، أو ما شابه ذلك من الاعتقادات الكفرية. أو شك، كذلك الشك. والشك بأن يشك بشيءٍ من أمور الإيمان. كأن يشك مثلاً بوجود الله جل وعلا. وهل هذا ممكن؟ يا جماعة هذا ممكن. بل للأسف في كلام المتكلمين، المتكلمون من أشاعر ومعتزلة، ومن كان على شاكلتهم، عند كلامهم على أول واجب يجب على المكلف، بعضهم يجعل أول واجب على المكلف الشك. الشك في ماذا؟ في وجود الله جل وعلا. والشك في وجود الله جل وعلا كفرٌ وردَّة. أو الشك في وجود الملائكة، أو الشك في صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في نبوة، أو في خبرٍ تواترت الأخبار بأنها قد ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم. أو بصحة القرآن، أو بإخبارات القرآن، أو بالملائكة، أو باليوم الآخر، أو بالقدر خيره وشره، أو ما شابه ذلك من أمور الإيمان. إذا شك فيها، فإنه يكون كفرًا وردَّة كذلك. أو فعل، كذلك لو فعل فعلاً من أفعال التي يكفر وردَّة، يكون مرتدًا كافرًا بالله جل وعلا. مثل أن يسجد للصنم، مثل أن يدوس المصحف، وأن يمتهن المصحف متعمدًا، عالماً، قاصدًا، مختارًا. فهذا كذلك. فسواءً كان بالنطق، أو بالاعتقاد، أو بالشك، أو بالفعل. كل ذلك كفرًا وردَّة. سواء نطق بما هو كفر وردَّة، أو اعتقد ما هو كفر وردَّة، أو شك بشيء من أمور الإيمان، أو فعل شيئًا من نواقض الإيمان. هذا حكم عام. وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا الشروط والقيود في ذلك. الأمر الثاني: شروطها. أي شروط الردَّة. أي حتى يقال لمن وقع منه ذلك الفعل بأنه كافرٌ مرتد. شروطها: العقل والتمييز والاختيار. فلا يُحكم على مجنون، أو صبيٍ غير مميز، أو مُكرهٍ بالردَّة إذا وقعت منه. ومعنى هذا أن ما سوى هؤلاء إذا وقع منهما تقدَّم، فإنه يُحكم عليهم بالردَّة، ويُقام عليهم حدُّ الردَّة. وقولهم في شروطها العقل، العقل هذا محلُّ اتفاق، من أن العقل شرطٌ في التكليف. فلو أن مجنونًا فعل شيئًا من هذه الأمور، أو قال قولًا مما يقتضي الكفر، فهل يكون كافرًا مرتدًا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه مجنون، ولأن مناط التكليف العقل، وهو لا عقل له. هذا من حيث التعليل. ومن حيث الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: «رُفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: والمجنون حتى يعقل». إذن المجنون إذا وقع منه ما يقتضي الكفر، فإنه لا يكفر، ولا يكون مرتدًا. للدليل والتعليل وللإجماع على أنه لا يكفر. لكن كما ذكر بعض أهل العلم: إذا كان حصل منه ذلك شيء وتكرر، فإنه يؤدب بما يكون سببًا لزجره وامتناعه من التكرار. والعياذ بالله، لو عُرِف مجنون مثلًا يسب الله جل وعلا، لا يكون مرتدًا، لكن الحاكم أن يفعل شيئًا أو يعمل فيه شيئًا يمنعه من فعل هذا الفعل، من أبواب التعزيرات. وباب التعزير ماذا؟ واسع. وذكر كذلك الاختيار، أن يكون مختارًا. فخرج ما لم يكن مختارًا، أي المكره. كما تقدم معنا في قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾. فلو أن إنسانًا وقع منه ما ظاهره الكفر، لكن إكراهاً، لكن بالنطق بالنطق، فإنه لا يكفر باتفاق. لكن بالشرطين السابقين: أن يكون إكراههم إكراها معتبراً، وأن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان. هذا باتفاق بأنه لا يكفر. ووقع الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في الإكراه بالفعل. بمعنى لو أن إنسان أكره على مثلًا السجود للصنم، فسجد للصنم مكرهًا، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان. هل فعله ذلك يكون كفرًا وردة، أو لا يكون كفرًا وردة؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة قولين. للعلماء: منهم من ذهب إلى أنه ردة، لأن الآية خاصة بمن وقع منه الإكراه، وقال كلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان. كلمة الكفر، أما فعل الكفر فلا. قالوا: فهذه رخصة، والرخصة لا تتعدى إلى غيرها، ولا يقاس بها غيرها. فمن وقع منهم إكراه بالفعل، ففعل، فإنه يكون كافرًا مرتدًا، ولو كان قلبه مطمئنًا بالإيمان. وذهب آخرٌ، وهو الذي عليه كثيرٌ من العلماء رحمهم الله تعالى، وهو الأظهر: بأنه يكون كذلك يكون معذورًا، ليس بمرتد. لأنه، فعل ما يفعل، أو فعل ما فعل، دفعًا للضر، لا رضا أو إرادة عن اختيار بذلك الفعل. فسواء فعل أو قال ما يقتضي أنه رد، لكن فعله مكرهًا، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان. فإن حكم الرخصة يشمله. حكم الرخصة في ذلك يشمله. والعبرة كما يقول العلماء: بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فالله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. ولكن من شرح بالكفر صدرًا، فعليهم غضبٌ من الله. فهذا لم يشرح بالكفر صدرًا، وإنما فعل ما فعل دفعًا للإكراه، وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن الحكم يشمله من حيث أنه يترخص له في ذلك. أما إذا كان في باب الاعتقاد والشك، فإن الإكراه لا يدخل في ذلك. لأن هذا مما لا يستطاع إكراه العبد عليه. واضح. جماعًا. لذا قلنا كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: من شرط الإكراه في القول والفعل، من شرطه ماذا؟ أمران. الأمر الأول: أن يكون إكراه معتبراً. والشرط الثاني: أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان. فلو شك القلب، فإنه يكون مرتدًا، ولو اعتقد القلب خلاف الإيمان الواجب، من باب أولى أنه يكون مرتدًا. واضح هذا جماعًا. بقي: الصبي المميز، ممن هو دون البلوغ. إذا قال إنسان أولى الصبي: ابن سابع، ثمان، تسع سنين، عشر، ما لم يبلغ. صدر منه قول، أو فعل، أو شك، أو اعتقاد مما تقدم ذكره من أمور ردة. هل يكون مرتدًا أم لا؟ هل يكون مرتدًا أم لا؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة قولين. الأول: ما تقدم ذكره هنا، وهو المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، وكذلك ذهب إليه غيره من الفقهاء: من أن الصبي المميز العاقل، إذا قال أو فعل ما هو ردة، فإنه يحكم عليه بالردة. استدل بعضهم ببعض الأدلة، بعضها قريبة، وبعضها بعيدة. منها: أن المميز من حيث المعنى يعقل ما يقول. المميز من حيث المعنى: يعني ابن التسع، ابن العاشر، يعقل ما يقول. وما دام أنه يعقل ما يقول، فإنه فإن قوله يكون معتبرًا. هذا من حيث المعنى. ومن حيث الدليل: استدل بما جاء في قصة موسى عليه السلام مع الخضر، في قتل ذلك الغلام الذي قتله الخضر. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. جاء في قراءة أُبيّ، من حديث ابن عباس، كما في صحيح البخاري وغيره: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا﴾. وكان أبواه مؤمنين. فاستدل بهذا على أن الغلام يطلق عليه، ويحكم عليه بحكم الردة، مع أن أبويه مؤمنين، كما هو نص الآية. وكذلك القول: قالوا: في كل غلام لم يبلغ، وهو مميز. لو وقع منه أمر ردة، فإنه يكون مرتدًا. وذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وهي رواية عن أحمد، في طائفة آخرين من العلماء رحمهم الله تعالى: إلى أنه لا يكفر الصبي، ولا يكون مرتدًا. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: الصبي حتى يحتلم». فالصبي مرفوع عنه القلم، فأقواله، أفعاله، قالوا: غير معتبر شرعًا. لأن القلم مرفوع عليه. فلو أنه أتى بما هو ردة، فلا يحكم عليه بالردة، بل هو باق على أصل الإيمان. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه». وما دام أن أبويه مسلمان، ولو صدر منه ما هو من أمور الردة، فإنه لا يحكم عليه بالردة. فإذا بلغ، قالوا: فإذا بلغ، يوقف، ويلقى أمور الإيمان. فإن أتى بها، فلا يحكم عليه بالردة. وإلا حكم عليه بعد ذلك بالردة. فالحاصل من هذا: أنهم جعلوا ما يقع من الصبي قبل البلوغ، ليس يُحكم عليه بالردة، لعدم بلوغه. لأن مناط التكليف هو البلوغ. وأيضًا من حيث المعنى: قالوا: الصبي من حيث العقل: قاصر، قاصر العقل، وقاصر التصرف. لذا لم يأذن الشارع له في أحكام كثيرة من الأحكام الشرعية عمومًا، والأحكام التكليفية خصوصًا. فأفعال الصبي غير معتبرة في كثير من مسائل الشرعية. ومن هذا الباب، فلو صدر منه مما يقال فيه بأنه ردة، أو من أمور ردة، فإنه لا يكون بذلك مرتدًا. وكما ترون: يعني من حيث النظر في المسألة من جهة علمية، كلا القولين له وجاهة. ومن هذا نعلم المسؤولية العظيمة على الآباء، وعلى أولياء الأمور تجاه أبنائهم. أن هذه المسألة ما هي بالسهل. يعني بعض الناس للأسف في بعض المجتمعات، ربما تسمع من بعض الأولاد ما هو كفر وردة، والعياذ بالله. بسبب المجتمعات الملوثة بما تلوثت به من تلك المعاصي، والعياذ بالله. فلو كل ما والد ذلك الصبي قال: صغير، قال: هو صغير، هو طفل، هو ما يفهم، أو ما شابه ذلك من الأعذار. وكان حقه أن يؤدب ولده، وأن يزجره زجرًا عظيمًا، يمتنع لأجل أن يمتنع من فعل ذلك مرة أخرى. لأنه كما سمعتم: إما مرتد، أو قريب من ذلك. أي على كلام الفقهاء: أنه ارتكب أمرًا عظيمًا، وعياذ بالله. فالحاصل: أن في هذا تنبيهًا لأولياء الأمور. ومن حيث المسألة كما سمعتم: ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى: أقوى وأظهر، ولا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة». الأمر الثالث: حكم المرتد. أما حكمه في الدنيا: فهو القتل. لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه». فهو حد شرع حده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من بدل دينه فاقتلوا». هذا هو حده. لأن الحدود كما تقدم معنا: هي العقوبات المقدرة شرعًا. فهذا حد مقدر شرعًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوا». والحديث كما هو معلوم في صحيح البخاري. قال: وينبغي قبل القتل أن يستتاب، ويدعى إلى الإسلام، وأن يضيق عليه، ويحبس ثلاثة أيام. فإن تاب، وإلا قتل. لحديث اليهودي الذي كان أسلم ثم ارتد، فقال معاذ رضي الله عنه لأبي موسى: «لا أنزل عن دابة حتى يختل، فقتل». وفي رواية: «وكان قد استتيب قبل ذلك». ولقول عمر رضي الله عنه: لما بلغه أن رجلاً كفر بعد إسلام، فضربت عنقه قبل أن يستتاب. فقال: «فهلا حبستموه ثلاثًا، فأطعمتموه كل يوم الرغيفة، واستتبتموه. لعله يتوب، أو يراجع أمر ربه». اللهم إني لم أحضر، ولم أرضى إذ بلغني، ولم أرضى إذ بلغني. فالحاصل من هذا: أن حكم المرتد كما تقدم: القتل. لكن كما ذكى العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يستتاب قبل القتل. والاستتابة: هل تكون بزمن محدود، أم لا تكون؟ خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى. منهم من جعله لزمن محدود بثلاثة أيام. ومنهم من جعله بأقل من ذلك. ومنهم من جعله بأن يقال له: تب إلى الله جل وعلا، وإلا ضربت عنقك. فإن أبى، قالوا: ضربت عنقه. لكن الذي عليه كثير من العلماء رحمهم الله تعالى: ما ذكرها هنا، وهو كذلك ما ذكر في أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: والذي يتولى قتله: الإمام، أو نائبه. لأنه حق لله تعالى، فيكون إلى ولي الأمر. أي هذا الأمر لا يكون إلا إلى ولي الأمر. فلو أن إنسانًا قتل إنسانًا ارتد بغير إذن ولي الأمر. قالوا العلماء رحمهم الله تعالى: لا يكون ذلك الإنسان مفتئتًا على ولي الأمر. وعلى ولي الأمر أن يعزره، وأن يؤدبه تأديبًا يردعه، ويردع أمثاله عن فعل مثل ذلك مرة أخرى. لكنه لا يقاد به. على أن إنسانًا مثلًا كفر بالله جل وعلا، وشهد الشهود أنه كفر وارتد، فقتلوا إنسانًا غيره. هذا يكون مفتئتًا على حكم الإيمان. هل يقتل بالجواب: لا يقتل. لكن يعزر ويؤدب، ولا يقتل. الصبي المميز، ولو قيل بصحة ردته، حتى يبلغ. يعني الصبي على القول بأنه ردة تكون معتبرة. قالوا: فلا يقتل حتى يبلغ. لا يقتل حتى يبلغ. بمعنى أنه ينتظر، يحبس. فإذا بلغ سن البلوغ، أو بلغ بإحدى علامات البلوغ، ولم يرجع عن فعلته، فإنه يكفر بذلك، ويقتل بسبب ذلك. قالوا: وأما حكمه في الآخرة، فقد بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. هذا حكم المرتد، والعياذ بالله في الآخرة: من أنه حبطت أعماله في الدنيا والآخرة، وأنه من أصحاب النار الخالدين فيها، والعياذ بالله. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك الله، ومن بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على