أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 59

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 59

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة كتاب أعلام السنة المنشورة ومنهج الاستدلال بعلو الذات

يستهل الدرس بالسؤال الخامس والستين من كتاب "أعلام السنة المنشورة" للشيخ حافظ حكمي، مبيناً أن المراد بعلو الفوقية هو علو الذات الإلهية تحديداً. ويؤكد على منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العقائد بأدلة الكتاب والسنة، مستعرضاً أقوال الأئمة ابن تيمية وابن القيم في كثرة أدلة علو الله بذاته التي تبلغ ألفاً أو ألفي دليل نقلية وعقلية وفطرية.

أدلة علو الله من الأسماء الحسنى والاستواء والفرق بين صفة العلو والاستواء

يسرد المقطع أدلة علو الله سبحانه على خلقه من أسمائه العلي والأعلى والظاهر والقاهر والمتعالي، ومن استوائه على العرش الوارد في سبعة مواضع صريحة في الفوقية. كما يوضح الفرق الجوهري بين صفة العلو الذاتية الثابتة لله أبداً، وصفة الاستواء الفعلية المتعلقة بمشيئته بعد خلق السماوات والأرض، مع الإشارة إلى تفسير آية "أأمنتم من في السماء".

تحليل لغوي لآية "أأمنتم من في السماء" ودلالة "يخافون ربهم من فوقهم" على الفوقية الذاتية

يشرح المقطع أن حرف الجر "في" في قوله تعالى ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ يأتي بمعنى "على" لغةً واستعمالاً، مستدلاً بآيات وأحاديث مشابهة، وأن المراد هو علو الله المطلق على السماء. كما يستدل بقوله تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ على إثبات فوقية الذات لله عز وجل بإجماع أهل اللغة، ويرد على من يصرف الفوقية إلى مجرد القدر والشأن نافياً للذات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة" -وهو عبارة عن مئتي سؤال في العقيدة- السؤال الخامس والستون: ما دليل علو الفوقية من الكتاب؟ تقدم معنا أنواع العلو، وأنه ثلاثة أنواع: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر أو الشأن. فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى يدلل على هذه الأنواع الثلاثة، مبتدئاً بعلو الذات، فقال هنا: "ما دليل علو الفوقية"، يريد به علو الذات، مع أن الفوقية تشمل المعاني الثلاثة أيضاً؛ فلله فوقية القدر، والقهر، والذات، لكن المؤلف أراد بهذا الاصطلاح علو الذات خاصة، علو الذات خاصة، رحمه الله تعالى. وأنت ترى -أخي الطالب- كيف أن المؤلف رحمه الله إذا ذكر مسألة ذكر دليلها من الكتاب والسنة، وهذا فيه تنبيه إلى أنه ينبغي لطالب العلم، بل للمسلم عموماً، أن يعتني بالأدلة فيما يقرر، وفيما يعتقد، وفيما يتعبد لله سبحانه وتعالى، وكذلك فيما يثبت من أسماء وصفات -أو مما يثبت من أسماء وصفات- فهذا أمر عليه أهل السنة قاطبة منذ عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى عهدنا هذا. فما أن يعتقد المسلم عقيدة أو ينتهج نهجاً إلا ويستدل على ما يعتقد، وعلى ما يفعل ويذر، بأدلة من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. ثم قال في جوابه على هذا السؤال: "الأدلة الصريحة عليه لا تعد ولا تحصى"، أي على علو الذات لله سبحانه وتعالى، أنها أدلة كثيرة، أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة، يصعب حصرها، ويصعب كذلك عدها. وقد ذكر جمع من الأئمة رحمهم الله أن تلك الأدلة تبلغ ألف دليل. نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وابن القيم، والذهبي، وغيرهم. بل ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته أنها تبلغ ألفي دليل، تبلغ ألفي دليل، فقال رحمه الله تعالى: «يا قومنا والله إن لقولنا ألفا يدل عليه بل ألفان يخاطب من خالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، مسألة علو الله عز وجل فيقول: يا قومنا، والله إن لقولنا -أي في علو الله عز وجل بذاته- ألفا يدل عليه، بل ألفان، عقلاً ونقلاً، مع صريح الفطرة الأولى، وذوق حلاوة القرآن، كل يدل بأنه سبحانه فوق السماء، مباين الأكوان. أترون أن تارك ذا كله لجعاجع التعطيل والهذيان؟ هل يمكن أن ندع هذه الأدلة الكثيرة المتكاثرة من أجل فلسفتكم، ومن أجل هذيانكم؟ لا، والله». فهذا كما ذكرنا يدل على كثرة الأدلة الواردة في هذا الباب. بل قد جمع ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" ثمانية عشر نوعاً، يدخل تحت كل نوع أشياء كثيرة، وسينبه هنا في جواب المؤلف بعضاً من هذه الأوجه. مثلاً: ما يدل على أنه في السماء، وردت تحته أدلة كثيرة كما سيأتي. أو أنه سبحانه وتعالى على العرش استوى، هذا أيضاً فيه أدلة كثيرة. أو صعود الأشياء إليه، أو عروج الأشياء إليه، أو نزول الأشياء منه سبحانه وتعالى، وهكذا أنواع. وكذلك أوجه كثيرة متكاثرة تدل على علو الله سبحانه وتعالى. فقال المؤلف ها هنا: "الأدلة الصريحة عليه لا تعد ولا تحصى، فمنها هذه الأسماء وما في معناها". هذه الأسماء يعني: العلي، والأعلى، والظاهر، والقاهر، والمتعالي. كل هذه تتضمن صفات تدل على علو الله سبحانه وتعالى، كما مر معنا في القاعدة: أن كل اسم متضمن لصفة، أن كل اسم متضمن لصفة. وقال: "ومنها" -أي من أدلة علو الله عز وجل وأنه فوق خلقه سبحانه وتعالى-: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ في سبعة مواضع من القرآن، في سبعة مواضع من القرآن. وقد تقدم معنا أن الله عز وجل وصف نفسه بالاستواء في تسعة مواضع، سبعة منها عدي بـ "على"، واثنان عدي بـ "إلى". فالذي عدي بـ "على": ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، هذه الآية. والذي عدي بـ "إلى" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ﴾. وهنا ذكر المؤلف ما يتعلق باستواء الله عز وجل على عرشه، وأنها في سبعة مواضع، وأنها في سبعة مواضع. فالاستواء من أدلة العلو، فإن الاستواء في اللغة بمعنى العلو والارتفاع، وقد ثبت بإجماع المسلمين، وبالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، على أن العرش أعلى المخلوقات، على أن العرش أعلى المخلوقات. وإذا كان الله جل وعلا عالٍ على العرش، إذن له الفوقية المطلقة سبحانه وتعالى، فيكون جل وعلا فوق كل شيء، وكل شيء دونه سبحانه وتعالى. نعم، فصفة العلو صفة ذاتية؛ لأن الله عز وجل لم يزل ولا يزال علياً سبحانه وتعالى. وأما صفة الاستواء فهي صفة فعلية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يستوي مشيئةً. فالله سبحانه وتعالى بعد أن خلق السماوات والأرض استوى على العرش، كما دلت على ذلك الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى. فإذن الفارق بين العلو والاستواء: أن العلو من صفات الله الذاتية، وأما الاستواء فهو من صفات الله الفعلية، فهي من صفات الله عز وجل الفعلية. فهذا من أصرح الأدلة على علو الله سبحانه وتعالى. قال: "ومنها قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ الآيتين"، أي من سورة الملك، سورة تبارك. وردت هذه الآية في موضعين، وفيها إثبات صفة الفوقية وعلو الذات لله سبحانه وتعالى. فهذه الآية عند أهل العلم فسرت بتفسيرين، فسرت هذه الآية بتفسيرين، وكلاهما صحيح. التفسير الأول: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، أن السماء بمعنى العلو، أن السماء بمعنى العلو، أي: أأمنتم من في العلو. وهذا معروف في لغة العرب، فإن كل ما علا في اللغة يسمى سماء، يسمى سماء. حتى قالت العرب للسقف: سماء، وقالت للسحاب أيضاً: سماء. فكل ما عليك فهو سماء، كل ما عليك كان فوقك فهو سماء. والله في العلو المطلق، والله عز وجل في العلو المطلق سبحانه وتعالى. هذا تفسير: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، أي: من على السماء. الثاني: التفسير الثاني: أن "في" حرف جر بمعنى "على"، وهذا من باب تناوب حروف الجر، من باب تناوب حروف الجر، وهذا أمر كثير ومعلوم كذلك في اللغة العربية. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، أي: على مناكبها، ليس داخل الأرض وإنما عليها. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، هل معنى "في" داخل الجذع، في وسط الجذع؟ لا، ليست "في" هنا بمعنى الظرفية، وإنما بمعنى "على"، أي: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحموا من في الأرض»، من في الأرض، هل معنى من داخل الأرض، من الحشرات ومن المخلوقات التي في جوف الأرض؟ لا، وإنما المراد: ارحموا من على الأرض، من البشر، ومن الحيوان، ومن غيرها من المخلوقات، يرحمكم من في السماء، أي: من على السماء. كما أن "من في الأرض" فسرت "من على الأرض"، فكذلك "من في السماء" تفسر "من" أو تفسر "من على السماء". إذن معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾، أي: من على السماء، من على السماء. وهذا أمر واضح وبين، لا يجهله إلا الأغبياء، لا يجهله إلا الأغبياء من أهل البدع والأهواء. فالآية صريحة في ذلك. وهكذا ذكر دليلاً آخر ووجهاً آخر من أوجه علو الله عز وجل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، يخافون ربهم من فوقهم. فهذا فيه إثبات فوقية الله عز وجل بنص صريح، بنص صريح: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، أي أن ربهم -والخطاب هنا للملائكة- فوقهم، والملائكة في السماء، فدل ذلك على علو الله عز وجل المطلق. فقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ لا يراد به إلا علو الذات، لا يراد به إلا علو الذات. وهذا أيضاً بإجماع أهل اللغة، بإجماع أهل اللغة، فإنه إذا صدرت كلمة "فوق" بـ "من"، نعم بـ "من"، إذا صدرت لفظة "فوق" بـ "من" فإنه لا يراد بها إلا علو الذات، لا يراد بها إلا علو الذات. وفي هذا يرد أهل السنة على أهل الأهواء الذين يفسرون الفوقية هنا بفوقية القدر والشأن. فهذا تفسير قاصر، بل أول ما يتوجه إلى هذه الآية هو علو الذات؛ لأن لفظة "فوق" صدرت بـ "من"، وفي اللغة إذا صدرت "فوق" بـ "من" فلا يراد بها إلا علو الذات. فإذا قيل: هذا من فوق هذا، أي: أعلاه. وهذا قولاً واحداً، لا يحتمل إلا علو الذات، ولا يحتمل علو القدر كما يزعم ذلك أهل الأهواء. وذكر أيضاً أوجهاً أخرى، فلعلنا نتكلم عنها ووجه الاستدلال منها في درس قادم، لانتهاء الوقت. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر