الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 49، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع كتاب ابن القيم "الداء والدواء" موضحاً أن الداء هو العشق المحرم الممزوج بالشهوة، ويبين كيف يهاجم الشيطان القلب مستخدماً جندين هما الغفلة والشهوات. كما يوضح استغلال الشيطان لضعف الإنسان في الشهوة أو الغضب للسيطرة عليه وإفساد أوامره.
يبيّن المقطع أن أخطر أسلحة الشيطان هي الغفلة والشهوة والغضب، ويسوق قصة ابني آدم مثالاً على أثر الغضب في سفك الدم وقطع الأرحام. ويوضح العلاج النبوي للغضب بالاستعاذة والوضوء والصلاة والصبر، مؤكداً أن كيد الشيطان يضعف أمام المؤمن القوي المداوم على ذكر الله.
يبيّن المقطع أن الوسوسة تصيب أهل الخير والعبادة لأن الشيطان يملك مفتاح قلوب أهل الشهوات، وأن الذنوب تُعد سلاحاً يمد به العبد أعداءه فيقاتلونه به. ويستشهد بقصة صالح بن عبد القدوس مع الخليفة المهدي وأقوال ابن القيم وأبي عبيدة بن الجراح عن حماقة من يسعى في هوان نفسه.
يختتم المتحدث المقطع بالدعاء للجميع بالتوفيق والهداية، والصلاة على النبي محمد وآله. ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بعلم الله الواسع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فمر معنا في هذه المجالس العلمية المباركة المتعلقة برسالة شيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الرسالة المباركة الطيبة تعتبر من أنفع رسائل ابن القيم رحمه الله تعالى. ما عنوانها؟ ما عنوانها؟ يا عبد الله، ما عنوانها؟ الكتاب الذي نقرأ فيه "الداء والدواء" وله اسم آخر، يا محمد ما هو؟ يقال "الداء والدواء" وأيضًا... نعم، لابن القيم، ما اسم الكتاب؟ "الداء والدواء" وأيضًا له اسم آخر، ما هو؟ الجواب: طيب، أحسنت. نعم يا عبد الرحمن، له اسم آخر ما هو؟ يقال "الداء والدواء" أو... طيب، أحسنت يا عبد الرحمن ابن عبد الله. يقال "الداء والدواء" وله اسم آخر فما هو؟ ما هو؟ طيب، لا بأس يا با عثمان، فاروق عندك، وله اسم آخر فما هو؟ الجواب... الجواب، إجابتك إلى الآن ليست كافية. الجواب الذي بجانبك يا با عبد الرحمن... نعم، المستند على الجدار... الجواب: أين؟ شامل... نعم يا خانا عبيد، الجواب: "الكافي". أكمل: لمن سأل؟ الجواب الكافي لمن سأل عن إيش؟ الداء يحتاج له إلى ماذا؟ الدواء الشافي. نعم، "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي". إذن هو "الداء والدواء". طيب، فما هو الداء الذي يتحدث عنه ابن القيم هاهنا ويصف لنا ويصف لنا مزيدًا من الأدوية لعلاجه؟ ما هو هذا الدواء... هذا الداء؟ نعم يا عبد الرحمن، داء... "الداء والدواء"، ما هو الداء الذي سأل ابن القيم عن علاج له ودواء؟ نعم، عبد الرحمن بن صالح: المعاصي. خص منها شيئًا، ما هو؟ ما هو الداء بعينه؟ أما المعاصي فهذه كلمة عامة. طيب، أحسنت. نعم يا أبا عبد الله: داء العشق. داء العشق، والعشق كما مر معنا عبارة عن محبة مخلوطة بشهوة، تخالطها شهوة. ولأجل هذا قلنا: لا يجوز أن ينسب إلى الله تبارك وتعالى. يقول شخص متفاعل ومتحمس: "أنا أعشق الله عز وجل"، يقال: لا، ما يجوز. لماذا لا يجوز؟ قال العلماء: لأن العشق عبارة عن محبة تخالطها شهوة، وهذا لا يجوز في حق الله تبارك وتعالى. هذا الداء، وأما الدواء فوصفه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب كامل، هذا الكتاب يبين فيه علاجات وأدوية نافعات لعلاج هذا الداء. وآخر ما ذكر من هذه العلاجات والأدوية هو ترك المعاصي واجتناب المعاصي، وأطال في بيان هذا الدواء مبينًا خطورة المعاصي وهكذا الآثار المترتبة على الوقوع في المعاصي، وذكر سردًا تاريخيًا لهذه العقوبات التي نزلت على أهل المعاصي أو بعض من وقع في المعصية، بدءًا بالمعصية التي وقع فيها الأبوان آدم وحوى وأكلهما من الشجرة التي نُهي عن أن يأكل منها، وهكذا معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين، فأبى أن يسجد لأبينا آدم، وهكذا بعد ذلك ما وقع لمن جاء بعدهما كقوم نوح، وهكذا غيرها من الأمم، وهكذا المجتمعات، وهكذا الأشخاص. ثم جعل يذكر بعض العقوبات المترتبة على الوقوع في الذنوب والمعاصي، وجعل يسرد شيئًا كثيرًا في ذلك، وتطرق رحمه الله تعالى... تطرق إلى ما يتعلق ب صراع الإنسان مع عدوه الشيطان، وكيف هي المعارك القوية والحروب الضروس التي تقع بين الإنسان وبين الشياطين وأعوانهم. والشياطين يبحثون عن مداخل وعن ثغور يتسللون من خلالها كي يصل إلى مقر المملكة، لكي يأسر الملك، يحاول أسره أو قتله أو جرحه، وعندها يسيطر على مقر القيادة، فلا تخرج من القلب إلا أوامر فاسدة، وهكذا توجهات آما... سيئة إلى غير ذلك. وآخر ما تكلمنا عنه هو أن الشياطين يستعينون بجندين، هؤلاء الجندين إذا استخدموهما فلن يغلبوا معهما. الجند الأول: الغفلة، والثاني: الشهوات، هي الشهوات. قال رحمه الله تعالى: "قال: واعلموا أن منهم... أي من بني آدم... قال: واعلموا، والقائل هو الشيطان لأتباعه وأعوانه وذريته، لا زال يوجه ويرشد ويرسل التعليمات لأعوانه وجنوده، يقول لهم: واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف مقهور. قال: فخذوا عليه طريقة الشهوة، ودعوا طريقة الغضب. يعني كونوا... كونوا مركزين، كونوا كذلكم أيضًا عندكم من حسن التصرف. فبعض بني آدم ضعيف أمام الشهوات لكنه قوي عند الغضب، فأنتم حاولوا معه من طريق الشهوات. وماذا؟ ودعوا طريق الغضب. قال: ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب، فلا تخلوا طريق الشهوة عليه ولا تعطلوا ثغرها، فإن من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحري ألا يملكها عند الشهوة. قال: فزوجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا أحدهما بالآخر، وودعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من طريق الشهوة". إذن الناس يا إخوان على طرائق قددا، وعلى كذلكم أيضًا، وعلى مذاهب شتى. فبعضهم ضعيف مع الشهوات، وبعضهم أما... ضعيف عند الغضب، والبعض قد يجتمع فيه الأمران، وهذا من أسهل ما يكون على الشياطين. قال رحمه الله تعالى: "قال: واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين". أبلغ من هذين السلاحين، ما هما يا صالح؟ الشيطان يقول لأعوانه: "واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين": الغفلة والشهوة. الغفلة والشهوة. وتطرق بعدها إلى الشهوة وإلى الغضب، فهذان كذلكم أيضًا يعتبران سلاحين عظيمين. قال: "وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة، وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب. قال: قال: فبه قطعت أرحامهم". فبه، أي بالغضب، قطعت أرحامهم، وسفكت دماؤهم، وبه قتل أحد ابني آدم أخاه. يشير إلى ماذا يا أبا خالد؟ قال: "وبه قتل أحد ابني آدم أخاه"، يشير إلى ماذا؟ إلى ما وقع بين الأخوين من ابني آدم. جاء في بعض الإسرائيليات أن أحدهما يقال له هابيل، والآخر يقال له قابيل، وكان أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب ماشية. وماذا حصل؟ ما حصل بينهما حين أن قرب كل منهما قربانًا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. من الذي تقبل منه، ومن الذي لم يتقبل منه؟ هابيل تقبل منه، وكان الذي قربه كبشًا سمينًا، صاحب غنم، بينما قابيل قدم حزمة صغيرة من ماذا؟ من الحبوب. فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، هنا غضب الآخر، فقال لأخيه: "لأقتلنك". هذا في حالة غضب، هذا في حالة غضب. قال رحمه الله تعالى: "ولهذا يا إخوان، في حالة الغضب نحن مطالبون بماذا؟ في حالة الغضب نحن مطالبون بماذا يا أبا حديفة؟" بالصوم... الصبر. أحسنت. وماذا يا أبا عبد الله؟ وماذا عند الغضب؟ عند الغضب: التأني. تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلين غضبا وتنازعا، وإحمر وجه أحدهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لا أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد". ما هي؟ كنز من كنوز الجنة. لكن ليس هذا الغضب... ما سببه؟ من الذي يشعل فتيله ويؤجج نيرانه؟ عبد الرحمن يرفع... تسمح له أن يجيد، يلا، أجب عن عمك. نعم: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". لو قال هذه الكلمة عند الغضب، قال: "لذهب عنه ما يجد". ولهذا يا إخوان، آه... ماذا إذا غضب الإنسان؟ يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فآه... فالغضب فيه لحظة انفعال، وهكذا أيضًا لربما يقعوا في أنواع من الشرور بسبب ذلكم الغضب. ولهذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أوصني". بماذا أوصاه؟ يا خان علي، أوصني. قال: قال... قال... قال... قال... ماذا قال؟ طيب، أحسنت يا أبا رمزي، ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ يسأله رجل فيقول: "أوصني"، فيقول له: ماذا؟ لا يا أبا عبد الله: "لا تغضب". أحسنت. فردد الرجل مرارًا يقول: "أوصني"، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تغضب، لا تغضب". قال رحمه الله تعالى: "قال: واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، جمرة في قلب ابن آدم، والشهوة نار تثور من قلبه، وإنما تطفأ النار بالماء، والصلاة، والذكر، والتكبير. فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الماء، من قربان... من قربان الوضوء والصلاة، فإن ذلك يطفئ عنهم نار الغضب والشهوة. وقد أمرهم نبيهم بذلك، فقال: إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم. أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟ أين الأوداج يا بل فاروق؟ قال: أما رأيتم من احمرار عينيه، هذا واضح. قال: وانتفاخ أوداجه، أين الأوداج؟ أين الأوداج التي تنتفخ عند الغضب؟ الأوداج: لما يذبح الحيوان يقطع الأوداج مع المري والبلعوم فيكون الحيوان ذبيحة صحيحة بعد التسمية. فأين الأوداج؟ أحسن، هنا في الحلق، ولكل إنسان أما... أما اثنان من الأوداج. قال: فمن أحس ذلك فليتوضأ. وقال لهم: إنما تطفأ النار بالماء، إنما تطفأ النار بالماء". وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود، وضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: قال رحمه الله تعالى: "قال: وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة، فحولوا بينهم وبين ذلك، أي حاولوا أن تمنعوهم من ذلك، من الصبر والصلاة. قال: وأنسوهم إياه، وسعوا عليهم بالشهوة والغضب، وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها، أي أكثرها إضرارًا بهم، نكاية، أكثر إضرارًا بهم: الغفلة واتباع الهوى". هذا من أبلغ أسلحة الشياطين فينا معاشر بني آدم. قال: "وأنكاها: الغفلة واتباع الهوى. قال: فإذا رأيتم الرجل مخالفًا لهواه فاهربوا من ظله، ولا تدنوا منه فتحرقوا". المخالف لهواه هذا هو المتقي، هذا هو الولي، هذا الذي تخاف منه الشياطين، خاف منه الشياطين. فإذا سلك طريقًا سلك الشيطان طريقًا آخر غير الذي سلك، غير الذي سلك. وحقيقة يا إخوان، نبهنا عليها مرارًا: أن الشيطان كما وصفه ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. الشيطان ما يتجرأ أن يقترب من المسلم القوي والمؤمن القوي، يخاف أن يحرقه بذكره لربه واستعاذته بالله عز وجل. أما إذا كان المؤمن غافلًا لاهيًا بعيدًا، فهذا الشيطان يدخل ويخرج بكل ارتياح، ما يعاني صعوبة، ما يعاني صعوبة. ولهذا تأملوا في باب الوسوسة، في باب الوسوسة: أكثر من يصاب بالوسوسة لربما من أهل الخير والصلاح، طلاب العلم مثلًا، من أهل العبادة والخير، الشيطان يحاربهم بالوسوسة. أما شراب الخمور وأرباب الشهوات والخبائث، فهؤلاء ما يحتاج أن يحاربهم بالوسوسة، المفتاح بيده، متى شاء دخل ومتى شاء خرج، ومتى شاء خرج. قال رحمه الله تعالى: "قال: والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه". هنا تكلم ابن القيم وجعل يلخص ما مضى من تلك الحروب والمعارك التي دارت بين الإنسان وبين الشيطان وأعوانه. يقول: "المقصود"، أي مما سبق، "أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه، ويعينهم بها على نفسه، فيقاتلونه بسلاحه". هل رأيتم أعجب من هذا؟ أن الإنسان هو الذي يعطي عدوه السلاح لكي يقاتله به، ولربما صرعه به. قال: "فيقاتلونه بسلاحه، ويكون معهم على نفسه، وهذا غاية الجهل والحمق". يعني غاية الجهالة والحماقة، أن الإنسان يسلم سلاحه لعدوه لكي يقاتله، ويعاون عدوه على نفسه. وذكر قول القائل: "ما يبلغ الأعداء من جاهل، ما يبلغ الجاهل من نفسه. ما يبلغ الأعداء من جاهل، ما يبلغ الجاهل من نفسه". وهذا البيت الذي ذكره، هذا البيت الذي ذكره لشاعر عاش في زمن... في زمن الدولة العباسية، يقال له: صالح بن عبد القدوس، صالح بن عبد القدوس البصري. وصالح بن عبد القدوس البصري هذا كان شيخًا كبيرًا وشاعرًا مجيدًا للشعر، فأنشد هذا البيت: "ما يبلغ الأعداء من جاهل، ما يبلغ الجاهل من نفسه". والبيت الذي بعده قال: "والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه". يعني أن الشيخ الكبير هذا غالبا لا يتخلى عن عاداته السيئة حتى يأتيه الموت ويدفن في قبره. قال: "والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه". أتي به إلى الخليفة العباسي المهدي، إلى الخليفة المهدي، فماذا اتهم؟ اتهم بالزندقة، أنه كان زنديقًا. ما معنى زنديقًا؟ لما تسمع أو تقرأ في كتب الاعتقاد: "فلان زنديق" أو "اتهم بالزندقة"، فما هو المعنى؟ أو... نعم، ما هو معنى الزندقة؟ مر معنا مرارًا يا أبا مريم، ما معنى قولهم: زنديق؟ هذا صالح بن عبد القدوس، أتي به إلى الخليفة المهدي بتهمة الزندقة. من هو الزنديق يا أبا الفضل؟ من هو الزنديق؟ الذي... الذي يفعل الكبير أو الكثير من الذنوب. نعم، من يذكر يا أبا عبد الله؟ من هو الزنديق؟ نعم: المنافق. ماذا هناك؟ نفاق عملي ونفاق اعتقادي، فأيهما؟ أحسنت: الزنديق هو المنافق نفاقًا اعتقاديًا، يقال له: زنديق. فهذا صالح بن عبد القدوس، استخدمه المهدي، وماذا؟ اتهم بالزندقة، اتهم بالزندقة، وكان شيخًا كبيرًا، وكان شيخًا كبيرًا. فأراد الخليفة المهدي أن يقتله، أي أن يضرب عنقه. فقال صالح بن عبد القدوس: "أتوب إلى الله تعالى"، وأنشد، وأنشد هذا البيت: "ما تبلغ الأعداء من جاهل، ما يبلغ الجاهل من نفسه". ف... آه... ماذا؟ فقال: "أتوب إلى الله تعالى"، فصرفه المهدي، عفى عنه، سامحه. لكن ماذا؟ فلما أراد أن يخرج من الباب، رده المهدي، فقال له: "ألم تقل أيضًا بعد هذا البيت: والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه؟" قال: أجل. قال: "فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت، حتى تموت"، وأمر بقتله، أمر بقتله. وهذا يدل على حرص الولاة على تطهير المجتمعات من هؤلاء المنافقين والزنادقة. قال رحمه الله تعالى: "قال: ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده في هوان نفسه". هذا من الحكم يا إخوان. يقول: "ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده"، أي مجتهدًا بكل ما أوتي من قوة، لماذا؟ قال: "في هوان نفسه، وهو يزعم أنه لها مكرم، ويجتهد في حرمانها من أعلى حظوظها وأشرفها، وهو يزعم أنه يسعى في حظوظها ومصالحها، ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسيتها، وهو... وهو يزعم أنه يعليها ويرفعها ويكبرها". قال: "وقد كان أبو عبيدة بن الجراح يقوم في العساكر فيقول: ما اسم أبي عبيدة بن الجراح؟ ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي عبيدة... نعم: عامر بن الجراح، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأيضًا أحد العشرة المبشرين بالجنة، وماذا؟ أمين هذه الأمة. قال عليه الصلاة والسلام: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»". قال: "وقد كان أبو عبيدة بن الجراح يقول في العساكر، أو يقوم في العساكر فيقول: ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ومعز لنفسه وهو لها مذل، ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر. ألا رب منتصر لثوب مدنس لدين... ألا رب منتصر لثوب مدنس لدينه. ألا رب منعم لجسمه مسود لقلبه. ألا رب جامع مال لزوج ابنته أو لزوج امرأته. وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه، يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه أعدى عدو له. والله المستعان، والله المستعان". وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل الماتع، ومن هذه العقوبة للذنوب والمعاصي التي حاول ابن القيم رحمه الله تعالى إيضاحها وبيانها غاية الإيضاح والبيان. ويأتي معنا في الدرس القادم الكلام حول ما يتعلق ببعض العقوبات الأخرى للذنوب والمعاصي. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.