الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع آية من سورة الفتح تصف منع قريش النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من دخول المسجد الحرام وصد الهدي، مبيناً أن النبي جاء معتمراً لا محارباً. ويوضح أن حبس الناقة القصواء كان بتقدير إلهي لحكم عظيمة منها تجنب سفك الدماء وحفظ المؤمنين المستضعفين في مكة.
يبين المقطع أن الله أخّر فتح مكة ومنع القتال في الحديبية لوجود رجال ونساء مؤمنين مستضعفين لا يعلمهم المسلمون، خشية أن يُقتلوا خطأً في خضم الحرب. ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على عظمة حرمة المؤمن ودمه وماله وعرضه، فهي أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة.
يستعرض المقطع حكمة الله في حبس النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة ومنع القتال، وهي حماية المؤمنين المستضعفين غير المعروفين بين الكفار من أن يُقتلوا فيقع المسلمون في معرة. كما يشير إلى أن في التأخير رحمة بالكفار أنفسهم لأن علم الله سبق بإسلام كثير منهم لاحقًا كقادة قريش.
يختتم المتحدث شرح الآية مبيناً الحكمة الإلهية في منع جيش المسلمين وإقامتهم بالحديبية. ثم يدعو الله بالمغفرة والرحمة ويختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فقد أخذنا في الدرس الذي سبق في مسألة صلح الحديبية ما حصل لهم من الكرامة العظيمة؛ لما جاءوا إلى الحديبية حصل للنبي صلى الله عليه وسلم آية عظيمة، وهو أن كثر الماء الذي كان في البئر. وهناك في هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- نأخذ آية من سورة الفتح صورت لنا موقف النبي عليه الصلاة والسلام من صد قريش، وكذلك من عندما خلعت، عندما جلست وبركت القصوى ناقة النبي عليه الصلاة والسلام، وتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الحديبية وما فيها من الحكم. ومعلوم أن سورة الفتح أكثرها -أي أكثر آياتها- نزلت في صلح الحديبية. هذه الآية هي قوله جل وعلا: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. هذه الآية العظيمة يصور لنا ربنا جل وعلا هذا المشهد، فيخبر أهل الإيمان أن هؤلاء الكفار الذين صدوكم عن المسجد الحرام فهم جيشوا الجيوش واستعدوا حتى يصدوا النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يدخل الحرم، وقد استعدوا بذلك كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في الحديث، وقول الخزاعي للنبي عليه الصلاة والسلام ذلك. وأيضًا قد ذكرنا قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قد لقي شبابًا من شباب مكة تجمعوا لأجل أن يصدوا النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم إن هزموا أو سرعان ما هزموا، فحصرهم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فاستسلموا، فأحسن إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وفكهم، وجعلهم يذهبون إلى مكة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَن أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، من بعد أن أضفركم عليهم، أي بعد أن حزتموهم، فك أيديهم وأطلقهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يحصل بينهما حربا. وهذا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لم يأتِ لحرب أحد، لم يأتِ إلى مكة لأجل أن يحارب، وإنما لأجل أن يعتمر. لكن قال الله عز وجل: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. هذا أولًا: أنهم ما يريدون النبي صلى الله عليه وسلم يدخل إلى مكة. والأمر الثاني: أنهم أيضًا صدوا هؤلاء أهل الهدي، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، أيضًا صدوا الهدي. هؤلاء معهم هدي، النبي صلى الله عليه وسلم جاء بسبعين بدنة، جاء بسبعين بدنة معه صلى الله عليه وآله وسلم لأجل الهدي، فصدوهم. وهذا عيب عند العرب: أن المعتمر يُرد، والذي معه الهدي يُرد. فالله عز وجل لطف بعباده فلم يجعلهم يدخلون مكة، وحبس الناقة، حبس القصواء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، إنما حبس حابس الفيل»، وهو الله جل وعلا، وذلك لحكم عظيمة. وقد ذُكرت هذه الحكم، أو ذُكرت بعض هذه الحكم في هذه الآية، وهناك أيضًا حكم ذكرها العلماء استنباطًا من هذا الموقف العظيم الذي منع الله عز وجل أهل الإسلام من أن يدخلوا في ذلك الوقت إلى مكة. معنى هذا كله بأمر الله سبحانه وتعالى، وإلا لسلطه على الكفار ودخلوا مكة. وأيضًا قد ذكر الله عز وجل أن الكفار قد وهنوا، وهنتهم الحرب، وكذا فهم ضعفاء لا يستطيعون أن يقاوموا النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لأجل أمر مهم، وهو كما ذكره الله عز وجل، فلما ذكر أنهم صدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي أن يبلغ محله، أن يبلغ إلى منى حتى يُنحر، قال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾. اسمعوا أيها الإخوة الكرام، اسمعوا إلى لطف الله ورحمته بعباده، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾. أنا هناك في مكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلمونهم أنتم. قال العلماء: إما أنهم لا تعلمونهم، أي لا تعلموا أسماءهم وأنهم مؤمنون، أو أنكم لا تعلمونهم، تعلمون إيمانهم. وجاء في حديث حبيب بن سباع، وجاء في الطبراني أنه جندب، لكن قال الحافظ ابن كثير: إنه حبيب بن سباع. حبيب بن سباع: أنهم كانوا تسعة، سبعة رجال وامرأتان. كانوا هؤلاء الذين آمنوا، كانوا تسعة، علمهم النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل أنهم أيضًا غيرهم، لأن الله عز وجل قال: ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾. هناك كثير من المستضعفين، ذُكر منهم: سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبو جندل، وأيضًا أبو بصير، وكذلك أيضًا ذُكرت أم الفضل أم عبد الله بن عباس، فأسلمت وهي أسلمت قبل زوجها العباس. فكانوا من الضعفاء، كما قال عبد الله بن عباس: «كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكة ممن ذكرهم الله عز وجل أنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا». فلو دخل الجيش جيش النبي صلى الله عليه وسلم ويحصل حرب، لأجل هؤلاء المؤمنون. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ﴾، معنى: تدوسوهم، والمراد هنا أنكم تقتلونهم بدون ما تعلمون أنهم أهل إيمان. لأنه لو حصل الحرب ودخل المسلمون مكة سيحصل قتل، قد يقتلون هؤلاء أهل الإسلام، يقتلون أهل الإيمان. انظروا إلى رحمة الله عز وجل، وأيضًا لطف الله عز وجل بالمسلم وحرمة دمه. فلا إله إلا الله، ربنا جل وعلا هنا نظر سبحانه إلى دم هؤلاء أنه يسفك دمهم بدون أن يعلموا أهل الإيمان، مع أنهم قد يكونوا معذورين أنهم يقتلون أناسًا في وسط الكفار. لكن الله عز وجل من حكمته البالغة أخر الجيش، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في الحديبية، ومن هذه الحكم أنه حتى لا يقتل هؤلاء، حتى لا يقتل هؤلاء الضعفاء. فكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس، جاء بألفاظ، ومنها أنه قال عليه الصلاة والسلام: لما جاء إلى الكعبة ونظر إليها قال: «لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ما أعظم حرمتك، ما أعظم حرمتك، لك حرمة عظيمة، لكن المؤمن أعظم حرمة منك، لكن المؤمن أعظم حرمة منك». جاء في بعض الروايات قال: «لك حرمة واحدة، وللمؤمن ثلاث حرمات: دمه، وماله، وأن يظن به السوء». فلهذا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن دم المسلم له قيمة عظيمة عند الله عز وجل، فلذلك أخر الجيش حتى لا يقتل هؤلاء المستضعفون. ننظر إلى رحمة الله عز وجل، وأيضًا ننظر إلى حرمة دم المسلم. فكيف بعد ذلك مثلًا يتذرع بأعذار واهية، ويجعل أهل الكفر يتسلطون على الإسلام بسبب أعذار واهية، وهم يعلمون أن هؤلاء يموتون ليلًا ونهارًا ويقتلهم هؤلاء العدو، ثم لا يحركون ساكنًا، ولا يصطلحون معهم، ولا يفعلون، وعندهم أعذار ليست تلك الأعذار؟ هذا دم أهل الإسلام، وخاص المستضعفون، فهم لا حيلة لهم، فكيف تذهب دماؤهم؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال العلماء: معرة، أي مضرة، وقيل إثم. قال: ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم﴾، أي من الكفار، ﴿مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. والمعرة هنا أي أنهم يتكلموا عليكم أنكم قتلتم أصحابكم. يعني: لو دخل المسلمون مكة سيحصل بينهم وبين الكفار قتال، ممكن أنهم أيضًا يقتلون من كان مؤمنًا معهم، فينشر الكفار مثل هذه المنشورات، وأنهم يقتلون أصحابهم، وأنهم كذا، فتكون معرة عليكم. معرة: معناه مضرة من كلام الكفار، ينشرون مثل هذا الكلام، أن هؤلاء يريدون أو قتلوا أصحابهم. أو أن المراد أنهم يقتلون أهلهم، ويقتلون أهاليهم وأهل بلدهم، وأيضًا ينتهكون حرمة مكة. كل هذه الأشياء تكون معرة على أهل الإسلام. فلذلك من هذه الحكمة العظيمة التي أخر الله عز وجل جيش المسلمين أن لا يدخلوا مكة، وحبس الناقة، فهذه من الحكم العظيمة: ﴿أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾. لا إله إلا الله، ربنا جل وعلا قال: ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾. ذكر أهل التفسير في هذا أن الله عز وجل رحم الجبناء، حتى الكفار، حتى الكفار يشملهم رحمة الله عز وجل في هذا. أولًا: أنه لم يسلط عليهم أهل الإسلام، لم يسلط عليهم أهل الإسلام، رحمة بأهل الإيمان. وشملتهم، وشملت رحمة الله عز وجل أيضًا الكفار، لماذا؟ لأنه في علم الله عز وجل أن هؤلاء سيؤمنون وسيدخلون الإسلام. ولهذا لما جاء الفتح، فتح مكة، أسلم أكثر من كان في مكة، بل من كان من قادة أهل مكة، كأبي سفيان بن الحارث، وأبي سفيان بن حرب، وغيرهم من قادة مكة أسلموا. وهذا من رحمة الله عز وجل بهم، فأخر عنهم جيش أهل الإسلام، وإلا كان جيش أهل الإسلام قويًا جدًا، وأهل مكة قد وهنتهم الحرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة، فأخر عنهم ذلك. فقال: ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾، فأدخلهم الله عز وجل في رحمته بعد ذلك عندما أسلموا. وأيضًا رحمة الله عز وجل بأهل الإيمان وبالمسلمين أنهم لا يدخلوا حربًا مع الكفار قد يقتلون، وقد تذهب دماؤهم. أو -وذكر بعض العلماء- أنه أراد الله عز وجل أن يعلي منزلتهم من الصبر، وأيضًا الرحمة، أو أيضًا كذلك ما يكون فيه من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام واتباع ربهم جل وعلا. فقال: ﴿لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾، لو تزيلوا، المعنى: تفرق، عُرف الكفار من أهل الإسلام. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. معنى: لو حصل فرض، الكفار معروفون وأهل الإيمان معروفون في أماكن معروفة، لا، قال: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾، أي لسلطنا عليهم جيش المسلمين حتى يقتلوهم وينصرهم الله عز وجل. فقال الله عز وجل: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا بعد ذلك أشياء، إن شاء الله ستأتي في ما يأتي -إن شاء الله-. فهذا مفهوم هذه الآية، وما حصل، أو صور الله عز وجل الحكمة العظيمة من منع جيش أهل الإسلام، وجعلهم يجلسون في الحديبية. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين.