الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
قدم ضماد بن ثعلب إلى مكة وسمع سفهاء يصفون النبي ﷺ بالجنون، فعرض عليه الرقية فخاطبه النبي بخطبة الحمد والشهادة. تعجب ضماد من بلاغة الكلام واعترف بأنه لم يسمع مثله من كهان أو سحرة أو شعراء، فأسلم على الفور.
يبرز المقطع أن الصحابة آمنوا بالقرآن وأخلاق النبي دون حاجة للنظر العقلي، وهو رد على من يشترط الاستدلال للإيمان. كما يذكر إسلام الجن عند استماعهم للقرآن مع اختلاف في رؤية النبي لهم.
خرج النبي ﷺ إلى سوق عكاظ وحيل بين الشياطين وخبر السماء، فسمع نفر من الجن قراءته في صلاة الفجر بنخلة فآمنوا ورجعوا لقومهم مبشرين. نزلت سورة الجن تخبر باستماعهم وإيمانهم.
يشير المقطع إلى أن الحديث سيتناول لاحقاً رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن جلوس النبي ﷺ مع الجن وقراءته عليهم القرآن. ويختتم المقطع بعبارة الترجمة لنانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: إسلام ضماد، وأقول: بكسر الضاد بتخفيف، ضماد بن ثعلب، وهو من أزد شنوءة من أهل اليمن. قال داود بن أبي هند عن عمر بن سعيد، وهو أبو سعيد البصري، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم ضماد مكة، وهو من أزد شنوءة من الأزد القبيلة المشهورة التي ترجع أكثر قبائل اليمن إليها، وشنوءة سُمِّيَ شنُوءةً لأنه كان جدهم، وهو عبد الله أو كعب بن عبد الله، كان بينه وبين قومه شَنَآنٌ، فغضب على قومه فسمي بأزد شنوءة. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم موسى فقال: «كأنه من أزد شنوءة»، أي: كأنه من أهل اليمن. قال: وكان يرقي من هذه الرياح، الرياح: معنى الجنون، وقيل: الرياح، وإنما سميت رياحًا وسُمِّيَت أيضًا أرواحًا لأنها غالبًا تكون من الجن، ويريد بذلك الجنون. قال: فسمع سفهاء من سفهاء الناس يقولون: إن محمدًا مجنون. فقال: آتي هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي، أقول: أنا أشفي، أو أنا أقرأ على من كان هذا حاله، المجنون، وكذا فهو ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما قال هؤلاء السفهاء. قال: فلقيت محمدًا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من يشاء، فَهَلُمَّ أَتَيْتُكَ أَرْقِيكَ. فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» ثلاث مرات، «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ». فقال ضماد لما سمع هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم: والله لقد سمعت قول الكهان، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات. وجاء في رواية: «ولقد بلغنا قاموس البحر، وجاء نوس البحر». قال: «فَهَلُمَّ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ». فبايعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: «وَعَلَى قَوْمِكَ». قال: وعلى قومي. وقال: لأنه يعلم أنه مطاع في قومه. قال: فبعث النبي عليه الصلاة والسلام سرية، فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل منهم: أصبنا منهم مطهرة. فقال: ردوها عليهم، فإنهم قوم ضماد. أخرجه مسلم. هذا الحديث صحيح، إسلام ضماد، فإنه أسلم لما سمع هذه الكلمات العظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه رد على الأشاعرة وغيرهم ممن يرى أن الإيمان لا يكون إلا بالنظر والاستدلال، لا بد أن يتفكر في المخلوقات ويستدل على ذلك، وهذا كله باطل؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن أكثرهم يفعل ذلك، إنما يسمع كتاب الله، يسمع القرآن فيؤمن به، أو ينظر إلى أخلاق رسول الله فيؤمن، أو كذلك ينظر إلى صدقه فيعمل صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن. فليس كلهم يتفكر في مخلوقات الله كما يقولون: أن أول واجب هو النظر والاستدلال، وأول واجب هو معرفة الله لتوحيده. هذا عند أهل السنة، فضماد بايع النبي عليه الصلاة والسلام. إسلام الجن: قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29]، قال: الآيات. وقال: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ [الأنعام: 130]. وأنزل فيهم سورة الجن. أنا هؤلاء الذين لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بشر، وهو جعفر بن وهب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن ولا رآهم. انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طائفة من أصحابه قاصدين إلى سوق عكاظ، وقد حِيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرْسِلَتْ عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبين خبر السماء، وأُرْسِلَتْ علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. أنا أول هذا الحديث: ابن عباس يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرأ على الجن ولا رآهم، وهذا بحسب علمه. وسيأتي أن النبي عليه الصلاة والسلام لقي الجن. قالوا: فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بنخلة. نخلة: هذا الموضع على ليلة من مكة، بمعنى قرب مكة، سُمِّيَ نخلة، وكان فيه شيء من هذه الأصنام، كأنه فيه وَدٌّ أو من الأصنام التي جلبت من أرض الشام. قاصدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. وهناك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجن: 1-2]. فانزلت: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ ﴾ [الجن: 1]. متفق عليه. قال رحمه الله: ويحمل قول ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قرأ على الجن ولا رآهم، يعني: أول ما سمعت الجن القرآن، ثم إن داعي الجن أتى النبي عليه الصلاة والسلام كما في خبر ابن سعد، وابن سعد قد حفظ القصتين: قصة النخلة أو ببطن نخلة عندما جاء أولئك النفر وسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو في الصلاة، وقصة أيضًا أن الجن جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأرادوا أن يقرأ عليهم، وأرادوا أن يقرأ عليهم. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا كلام عبد الله بن مسعود في رؤية أو في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم مع الجن والقراءة عليهم. طيب، نكتفي بهذا والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر