تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 6

تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 6

الدرس في تفسير سورة النبأ من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآيات المتعلقة بعذاب جهنم والكفار

يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بعذاب جهنم والكفار، حيث يشرح معاني بعض الكلمات مثل الطاغين والمرصاد ومآب. يوضح أن الكفار سيبقون في جهنم أحقابا بلا نهاية.

تفصيل عذاب أهل النار في القرآن

يفسر المؤلف الآيات القرآنية التي تصف عذاب أهل النار، مبينا معاني بعض المفردات مثل برد وشراب وحميم وغساق في سياق العذاب. يشير إلى أن العذاب يتناسب مع عملهم الكفري.

عقوبة الكفر والشرك وأثرها

يشرح المقطع أن الكفر والشرك ظلم عظيم يستوجب أعظم عقوبة وهي النار، لأن الكافر كذب بالقرآن وأنكر البعث. يذكر أن كل أفعال الكافر مسطرة في كتاب سيقرأه يوم القيامة.

استمرار عذاب الكافرين في النار

يذكر أن آية "فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا" من أعظم الآيات التي يسمعها الكافر عند دخوله النار، وهي تدل على استمرار العذاب وزيادته. جاء ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله ﴿إن جهنم كانت مرصادة﴾ قد مضى ذلك معنى بأنها راصدة مترقبة، وأنها مرصدة أي معدة لمن قال سبحانه للطاغين أي الكافرين فلا يتجاوزونها، مآبى مرجعًا لهم فيدخلونها، إذن في قوله سبحانه وتعالى ﴿إن جهنم كانت مرصادة للطاغين﴾ أي للكافرين، فالله عز وجل أعد جهنم بما سيأتي من العذاب الشديد والنكال الأليم، جعله الله عز وجل للكافرين، ووصفهم بقوله الطاغين لأنهم بلغوا من الطغيان مبلغًا عظيمًا. قال مآبى مرجعًا لهم فيدخلونها، قال لابثين حال المقدرة أي مقدرًا لبثهم فيها أحقاب دهورًا لا نهاية لها، جمع الحقوب بضم أوله، هؤلاء الكفار إذا دخلوا نار جهنم وهي المرجع والمآب، ذكر ربنا عز وجل من صور العذاب ما يتعلق بمدة اللبث والسكنة، كم عسى الكافر أن يسكن في جهنم؟ فقال سبحانه ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ لابثين فيها أحقابا، أحقابا جمع حقوب، والحقوب هي عبارة عن فترة زمنية، فترة زمنية مثل شهر، فترة زمنية سنة، فترة زمنية الأسبوع، فترة زمنية القرن، فترة زمنية الحقب، فترة زمانية، يا ترى كم عدتها؟ اختلف العلماء في تحديد مدة الحقب بين مقصر وبين مطول، من ذهب إلى أن الحقب هي فترة زمانية عبارة عن ثمانين سنة، ومن من نقص ومن من زاد إلى التسعين، من من قال ثلاثمائة سنة، وإلا أكثر العلماء كما ذكر ذلك الإمام السعدي رحمه الله على أن الحقب عند أكثر المفسرين ثمانين سنة، وذكر هذا كذلك عن جمع من الصحابة عن علي رضي الله تعالى وعن غيره، ومنهم من جعل الحقب سبعين ألف سنة. فذكر ربنا عز وجل أن الكافر سيمكث في جهنم أحقابا، لو رجعنا على الخلاف الدائر بين العلماء من المفسرين في ضابط الحقب، هل معنى هذا أن الكافر إذا دخل إلى نار جهنم سيمكث فترة زمنية وبعد ذلك يخرج مثلا أو أن النار التي أعدها الله تضمحل وتذهب؟ الجواب لا، لا هذا ولا ذاك، لأن نار جهنم لا تطفو ولا تنطفي، ولأن الكافر لا يخرج، بل هو لابث فيها خالدا مخلدا أبدا. طيب كيف تفهم هذه الآيات ﴿لابثين فيها أحقابا﴾؟ القول الأول وهو الذي عليه أكثر علماء على أن هؤلاء الله عز وجل ما ذكر أنهم سيمكثون حقبا واحدا، بل ذكر ربنا عز وجل أن الأحقاب تتوالى عليهم، فهم حقب بعد حقب، أي لا نهاية بلا نهاية، فما عندي منتهى، أي كأنهم سيمكثون إلى أبد الآبدين. ما لو أني قلت لك مثلا هذه الشمس ستضيء القرون بعد القرون، هل معنى كلامي ستجد أني سأجعل للشمس فترة ثم ما تشرق؟ لا، سيكون الأبد ما دامت السماوات والأرض، قرون بعد قرون، كلما ذهب قرن جاء قرن، كلما ذهب قرن جاء قرن، وهكذا، قل لابثين فيها أحقابا، حقب بعد حقب، حقب بعد حقب، بمعنى لا نهاية. ولهذا جاء ذلك عن كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية، ومنهم المؤلف رحمه الله تعالى حيث قال فيها أحقاب دهور لا نهاية لها، إذن لا يفهم هذا أني عندي تقييد، التفسير الثاني لابثين فيها أحقابا أن لو قلنا مثلا أن هذا فيه تقدير زمني، القول ما قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى أن المقصود بفترة زمنية لنوع معين من العذاب، العذاب الذي سيصب على الكفار يتفاوت ويختلف ويتنوع. فلربما أخذوا ردحا من الزمن على عذاب ثم يغير هذا العذاب بعذاب آخر، فهم في استمرار في العذاب، لكن الأحقاب إنما تتكلم عن أنواع مختلفة من العذاب، كما قال سبحانه وتعالى «هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج»، آخر إذن هناك عذاب آخر في الانتظار، فهذا يحمل على ذلكم. قال رحمه الله تعالى «لا يذوقون فيها بردا»، قال نوما، فإنهم لا يذوقونه «ولا شرابا» أي ما يشرب به ما يشرب تلذذا، من صور عذاب الكافر إذا أولج إلى جهنم أنه لا يذوق بردا ولا شرابا، ما هو البرد؟ قال هنا المؤلف رحمه الله تعالى نوما، نوما، نعم هذا نقل عن بعض المفسرين أن البرد بمعنى النوم، ويقال أن من الأمثال من الأمثال عند الناس «منع البرد البرد» أي منع الجو البارد، البرد أي النوم. وقال أن النوم يطلق عليه برد، وقيل أن النوم سمي بردا لأن العصب يبرد، هذا من قال بأن برد بمعنى النوم، فقوله سبحانه «لا يذوقون فيها بردا» أي لا يذوقون فيها نوما، لا نوم لأهل النار، وقول آخر أذكره وهو الذي ذهب إليه جماعة من المحققين من المفسرين على أن مقصود ببرد هو البرد الظاهر، لا يذوقون فيها بردا أي لا يذوقون فيها هواء باردا، هذا هو الأصل، لا يذوقون فيها بردا أي هواء باردا. وأما من فسر البرد بالنوم قال العلماء أن هذا الأسلوب غير شائع، هذا المعنى غير شائع، والقرآن إنما أتى بالمعاني الواضحة، فقوله سبحانه «لا يذوقون بردا» أي لا يذوقون هواء باردا، فلعل هذا هو الأصح، والله تعالى أعلم. قال «فإنهم لا يذوقونه ولا شراب»، أي كذلك ما هناك شراب، قال ما يشرب تلذذًا، أي ما هناك شراب يتلذذ به أهل النار، يعني معنى لا شراب يتلذذون بمعنى ما هناك شراب أبدا، لا هناك شراب، هناك شراب أعده الله لأهل النار، أينه؟ في قوله سبحانه وتعالى «إلا حميمًا وغساقًا»، أي أن الله عز وجل منع عن أهل النار الشراب، والمقصود بالمنع من الشراب أي الذي يكون فيه التلذذ ويكون فيه الإرواء، هذا لا يكون، فما هناك نعيم في النار، ما هناك إلا الجحيم. لكن يُعطى لهم شراب، لكن الشراب من جنس العذاب، فيُعطى لهم الحميم والغساق، فما هما؟ فقال المؤلف رحمه الله تعالى قال «إلا حميمًا»، قال ماء حارا غاية الحرارة، هذا شرابهم إذا سقوا ماء، وأرادوا ماء، يُؤتى لهم بالحميم، ما هو الحميم؟ ماء حار حار، بل ليست أي حرارة، قد بلغ إلى منتهى، إلى منتهى. جاء في وصف القرآن لهذا الماء الذي يقدم للكفار «يشوي الوجوه»، سبحان الله يشوي الوجوه قبل أن يشرب، فقد إذا قُرب الماء إليه هذا الوجه يشوي، هذا الوجه ينشوي، وتذهب معاليه، ويذوب لشدة الحرارة الخارج من هذا الماء، فإن شربه أو أُشرب من هذا الماء قطع أمعاءه، نسأل الله السلامة والعافية، هذا شرابهم، هذا شراب الحميم يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء. قال «وغساقًا»، قال بالتخفيف والتشديد غساقًا، على قراءتنا، وغساقًا غساقًا على قراءة ثانية بالتخفيف والتشديد، وما هو الغساق على قراءتنا؟ قال ما يسيل من صديد أهل النار، فإنهم يذوقونه إذا أبى الكافر أن يشرب من الحميم لما يرى من العذاب الأليم الذي يكون من شربه، إذن يخير بشراب آخر، ما هو غساق؟ وما هو الغساق؟ الغساق هو صديد أهل النار، صديد أهل النار، وهو كل ما يعتصر منهم، ما يخرج من دموعهم، ما يخرج من صديدهم، ما يخرج من قيحهم، كل ما يخرج منهم هذا يعتصر ويجعل في إناء، فإذا أراد أحد منهم أن يشرب، قيل هذا شرابه، اشرب اشرب من هذا الغساق. فقال المؤلف رحمه الله قال ما يسيل من صديد أهل النار، ولهذا يقولون في اللغة «غسق الجرح» أي إذا سال سال قيحه، غسق الجرح إذا سال صديده وصال قيحه، هذا قول، ومن أهل العلم من فسر الغساق بأنه الزمهرير، فسر الغساق بأنه الزمهرير. قال رحمه الله تعالى «جزاء وفاقا»، قال موافقا لعملهم لعملهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار، صحيح هذا الذي وجدوه وسيجدونه في النار من حيث المكث أحقابا، ومن حيث ما يكون لا ذوقا للهواء البارد ولا كذلكم للشراب، إنما حميم وغساق، إنما كان هذا لجزاء ما فعلوه. قال سبحانه وتعالى «جزاء»، قال المؤلف موافقا لعملهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، الكفر هو الذي أوردهم المهالك، أعظم ذنب أعظم ذنب عند الله عز وجل كما قال سبحانه «إن الله لا يغفر أن يشرك به»، الشرك والكفر هذا خط أحمر، إن فعلت ما فعلت من الذنوب والمعاصي، باب الكفر اجعل بينك وبينه خندقا، الله عز وجل قد يغفر قد يغفر قد يعفو قد يسامح في غيرها من الذنوب إلا الشرك. لماذا الشرك؟ لأن الله وصفه بقوله «إن الشرك لظلم عظيم» على لسان لقمان، لظلم عظيم، ظلم عظيم في حق رب العباد، الله خلقك ثم تعبد غيره، الله أعطاك ورزقك وحاباك ثم تعبد غيره، الله الذي مدك بالأعمار والخيرات والبركات ثم تعبد غيره، الله معك منذ أنت نطفة في صلب الرجال إلى أن كنت نطفة في رحم الأمهات إلى أن خرجت على هذه الدنيا وأنت تترعرع بفضل من الله ورحمة حتى شبت وكبرت ثم تكفر بالله، ظلم ظلم عظيم. وعلى ماذا؟ ولتعبد من صنم حجر، ذاك يعبد الوثن، وذاك الذي يعبد الشجر، وذاك الذي يعبد البقر، وذاك الذي يعبد الأوثان، وذاك القبور، وذاك الأشخاص والأعيان، عبادة لغير الله أليس هذا ظلم؟ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حين سئل عن أي الذنب أعظم؟ قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقه»، هذا أعظم ذنب، أن تجعل لله ندا وهو خلقه. فهؤلاء الكفار على شتى صورهم ومللهم ونحلهم اتفقوا على الكفر، فلما وقعوا في هذا الذنب العظيم، بماذا عاقبهم الله؟ عاقبهم بأعظم عقوبة النار، أعظم عقوبة النار، ما هناك بعد النار عقوبة، ما هناك إذا أراد أحد من الخبثاء من الأشرار أراد أن يشفي غليله من عدوه، ما وجد عقوبة مثل الإحراق بالنار، هذا عدوك، ما الذي تريد أن نفعل به؟ نقطع رأسه؟ يقول لا، ما نقطع رأسه، هذا راحة، حبس لصاصه، يقول لا، ما من الرصاصة إلا التوزيع يستريح، لا حرقوه بالنار. لماذا؟ لأن الناس تشمل كل عضو من رأسه إلى قدمه إلى داخل لحمه عذاب، ولقد جاءت الشريعة بالتهديد من هذا العذاب، قال عليه الصلاة والسلام «لا يعذب بالنار إلا رب النار»، لا يعذب أحد بالنار، ما يجوز أنك تسلك هذا المسلك فتعذب أحدا بالنار، هذا ليس للبشر وإنما هذا من عذاب الرب الذي خصه الله عز وجل لماذا؟ لأعداء دينه. فقال المؤلف «لا ذنب أعظم من الكفر»، قال «ولا عذاب أعظم من النار»، قال رحمه الله تعالى «إنهم كانوا لا يرجون حسابا»، لا يرجون يخافون حسابا لإنكارهم البعث، وقد أشرنا إلى هذه المسألة أن من أعظم ما ابتلي به الكافر ما كان من إنكاره للبعث، ولا زال الكفار في هذه الأزمان يدندنون على هذه القضية على إنكار البعث حتى الآن. قال «وكذبوا بآياتنا» أي القرآن كذاء كذابا، كذلك من كان من أفعالهم، مع زيادة إنكارهم للبعث أنهم كفروا بالقرآن وبآيات كتاب الله جل وعلا، قال «وكل شيء»، قال الله «وكل شيء كل من صيغ العموم، وكل شيء من الأعمال أحصيناه»، ضبطناه كتابا، قال كتبا في اللوح المحفوظ لنجازي عليه. ومن ذلك تكذيبهم بالقرآن، أي كل شيء وكل فعل وعمل قام به الكافر في هذه الدنيا مسطر عليه، هنا قال في اللوح المحفوظ، وإن كان الأنسب أن يقال أن الله عز وجل أحصى كل شيء كتابا بما تكتبه الملائكة في صحف الأعمال، في صحف الأعمال، فإن الكافر في يومه وليلته مهما فعل مهما فعل أو اعتقد أو قال أو عمل فإن هذا مسطر في صحف الملائكة، ستشهد عليه يوم القيامة. فالأليق هنا أن الكتاب المقصود به «أحصيناه كتابا» أي بما في الصحف، بما في الصحف، أما اللوح المحفوظ فإنما يستدل به في عموم القضاء والقدر، وعلى كل إنما هذا يستفاد منه ماذا؟ على أن يوم القيامة يطالب الكافر بأن يقرأ كتابه «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا»، لأن من أعظم ما سيقوم به الكافر يوم القيامة الإنكار التكذيب، إذا بعث عند ربه «فعلت وكفرت وجحدت»، ما سيقول الكافر؟ نعم، قل «لا والله يا رب لا والله ما جحدت ولا كفرت بك بل آمنت وصدقت»، هذا سيفعله الكافر، يحلفون بالله كما يحلفون لكم كما يكذب عليك يكذب على رب، يرى أن الأمر ينطلع على الله، يرى ويظن أن الأمر سينطلع على الله فيحلف بالله كذبا أنه ما قال وما اعتقد وما أنكر وما جحد وما كفر وما أشرك وما ارتد. لكن ستأتيه الفضائح بهذه الشواهد، تأتي الملائكة وتشهد، وتأتي الكتب وتشهد، وتأتي الأعضاء وتشهد، وتأتي الأرض والسماوات وتشهد، الكل سيشهد عليه يوم القيامة، ثم قال ربنا عز وجل «فذوقوا» أي فيقال لهم في الآخرة عند وقوع العذاب «ذوقوا جزاءكم فلن نزيدكم إلا عذابا» فوق عذابكم، يعني «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا»، هذا ما مضى، الحميم والغساق، ولا راحة ولا نوم ولا هواء بارد وماكثين فيها أحقابا، هذا عذابكم، وبعد هذا زيادة، زيادة عذاب فوق هذا العذاب. ولهذا جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال «أن أعظم آية أعظم آية يسمعها الكافر إذا دخل النار» هذه الآية «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا»، أعظم آية أعظم آية يسمعها الكافر إذا دخل في النار وهو يعذب في النار أن يسمع قول الله «فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا»، نكتب بهذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.