الدرس في تفسير سورة الانفطار من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يفسر المقطع قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾، ويوضح أن الأبرار هم المؤمنون الصادقون، بينما الفجار هم الكفار الذين سيكونون في جحيم يوم القيامة. يشير إلى نعيم الأبرار وعذاب الفجار.
يفسر المقطع الآيات المتعلقة بيوم الدين والجزاء، حيث يشير إلى أن الكفار سيدخلون النار، وأن يوم الدين هو يوم الجزاء الذي يحاسب الله فيه الناس على أعمالهم. يوضح أن الكفار لن يخرجوا من النار أبدًا، بينما المسلمون العصاة سيخرجون منها بعد حين.
يشرح المقطع معنى قوله تعالى: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، حيث يشير إلى أن الأمر في يوم القيامة سيكون لله وحده دون منازع. يُفسر ذلك بأن الله سيكون الحاكم الفاصل في ذلك اليوم دون أي توسط أو شفاعة إلا بإذنه.
تم الانتهاء من سورة الانفطار والاستعداد لبدء سورة المطففين في اليوم التالي، مع الدعاء لله بالتوفيق والنفع بما سمع وقيل. يشير إلى نهاية السورة والانتقال إلى السورة التالية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله في هذا المقام ومع تفسير الجلالين في سورة الإنفطار، وها نحن مع قول ربنا جل في علا: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إن الأبرار المؤمنين الصادقين في إيمانهم لفي نعيم، قال الجنة. في هذه الآية أخبر ربنا عز وجل بأن الأبرار، وهنا ذكرهم المؤلف بأنه المؤمن الصادق. والأبرار جمع بر، جمع بر وهو المؤمن الصادق أو الذي كثر خيره بفعل الطاعات، وأيضًا يقال عن الأبرار بأنهم الأتقي، وإنما سمي التقي برًا لأنه بار بربه، سمي التقي برًا لأنه بار بربه إذ صدق الله بفعله وقوله. فقوله: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾، وهذه الآية جاءت مؤكدة بثلاثة مؤكدات، أولًا بحرف إن، حرف نصب إن حرف نصب وتوكيد، والثاني أن الأبرار جملة إسمية، ومن قواعد الجملة الإسمية أنها تدل على الثبوت والاستقرار، أي هذا كائن، وأيضًا في قوله: ﴿لفي﴾ واللام حرف توكيد، فهذه الآية أكدت بأكثر من مؤكد على أن الأبرار لفي نعيم. وفي قوله تعالى: ﴿لفي نعيم﴾، نعيم هو كل ما يتنعم به، فقال المؤلف: جنة، أي أن مما يتنعم به البر أن ينعمه الله جل وعلا يوم القيامة بالجنة فقط. الجواب: لا، بل إن البار ومن كان مؤمنًا تقيا فالله جل وعلا ينعمه بالنعيم، النعيم الأخروي وهي الجنة، وهكذا النعيم الدنيوي في الدنيا. فالمؤمن ينعمه الله في هذه الدنيا، ومصداق ذلك ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، هذا في الدنيا. فربنا عز وجل وعد أهل البر وأهل التقى وأهل الصلاح بأن الله سينعيمهم في هذه الدنيا بالحياة الطيبة. وما الحياة الطيبة؟ على أقوال عدة، ذكر الإمام القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره، قال: والحياة الطيبة عندي ما يجده المسلم من ثلج الصدر وراحة النفس وحلاوة الإيمان، ما يجده المسلم من ثلج الصدر أي برودة الصدر واستقراره ولذة النفس وحلاوة الإيمان، هذا يجدها المؤمن، هذا نعيم، نعيم في الدنيا. حتى قال من قال من السلف: نحن في راحة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف، فهذا من النعيم الذي جعله الله للأبرار، فإذا البار ينعمه الله في الدنيا وفي الآخرة: ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾. قال: ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾، قال: الكفار لفي جحيم، نار محرقة، نار محرقة. جحيم هي من أسماء النار، وتطلق جحيم على النار الشديدة شديدة الاشتعال، فهي جحيم. ولهذا تطلق على الحياة الصعبة بأنها حياة جحيم، أي شديدة قاسية. وهذه الآية كسابقتها قد أكدت بهذه المؤكدات بأن الله عز وجل جعل الجحيم للفجار. والفاجر كما يقول العلماء هو جمع الفجار، جمع فاجر، والفاجر هو كل من لم يكن مؤديا لحق الله ولا مؤديا لحق عباد الله، هذا الأصل. إلا أن المفسر رحمه الله تعالى، وهكذا أكثر مفسرين على أن هذه الآية في قوله: ﴿وإن الفجار﴾، قال: الكفار، مع أن الفاجر قد يكون مسلم عاصي، لكن المؤلف جعل الفجار هنا تتعلق بوصف الكفار، لماذا؟ الجواب: لأن سيأتي في سياق الآيات على أن هؤلاء الفجار مخلدون في النار مخلدون. قالوا: والتخليد ما يكون للعصى أبدا، وإنما يكون لأهل النار. لهذا فسرت هذه الكلمة: ﴿وإن الفجار﴾، أي الكفار، قال: في جحيم، قال: يصلونها، قال: يدخلونها ويقاسون حرها، يصلونها: يدخلونها، أي يدخلون إلى النار، وأصل يصلونها مأخوذ من الصلي، والصلي كما قال العلماء هو الإحساس بحر النار، هذا معنى الإصطلاء، وهو الإحساس بحر النار. فإن هؤلاء الفجار الكفار إذا دخلوا إلى النار فإنهم سيجدون حرها وسيجدون نارها وشديد ألمها وعذابها، نسأل الله السلامة والعافية. قال: ﴿يصلونها﴾، يدخلونها ويقاسون حرها ﴿يوم الدين﴾، الجزاء. ولهذا الجزاء من جنس العمل، لما كان هؤلاء قد أعرضوا عن ربهم واستكبروا عن دينه وشريعته، جازاهم الله. متى يوم الجزاء؟ فيوم الدين هو يوم الجزاء، لأن من معاني الدين الجزاء، وكما يقال: كما تدين تدان. ما معنى كما تدين تدان؟ تدان أي تجازى وتحاسب، ومنه الدين. فربنا عز وجل هؤلاء الفجار تركهم في الدنيا يفعلون ما يشاءون، لكن ليس بإهمال، لكن ليس بإهمال، لأنه سيأتي اليوم الذي سيحاسبهم الله على ما كان منهم من أعمال وأقوال. قال: ﴿يصلونها﴾، يدخلونها ويقاسون حرها ﴿يوم الدين﴾، أي الجزاء. ﴿وما هم عنها بغائبين﴾، قال: بمخرجين. وقلنا: وهذه القرينة الذي حملت العلماء على أن يفسروا الفجار على الكفار، لأن الله قال: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾، أي ما هم بخارجين من النار، وهذا لا يكون إلا للكافر، الكافر نسأل الله السلامة والعافية، إذا دخل النار ما خرج منها، فما هو بميت وما هو بخارج، وإنما هو لابث فيها أحقابا أبد الآبدين. بخلاف المسلم، وإن كان فاجرا، وإن كان فاسقا، وإن كان ماجنا، لكن بتوحيده بربه، فالله جل وعلا يخرجه ولو بعد حين، يخرجه ولو بعد حين. ولهذا قلنا: أن العلماء على أن كلمة الفجار بمعنى الكفار لهذه القرينة: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾، قال: بمخرجين. قال: ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾، ثم ﴿ما أدراك ما يوم الدين﴾، تعظيم لشأنه، أي ذكر ربنا عز وجل هذه الآية مخاطبا نبينا عليه الصلاة والسلام، أي ما أعلمك يا محمد بهذا اليوم، ثم ما أعلمك بهذا اليوم. قال علماء: ما أعلمك أي بعظمته وبعظيم ما سيكون فيه، إذ أن الأهوال والشدائد والقربات عظيمة فوق الخيال. ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: أن يوم الدين، قال: هو يوم هو من أسماء القيامة، يوم الدين من أسماء القيامة. قال سبحانه وتعالى: ﴿يوم﴾ بالرفع، أي هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا من المنفعة. فقوله: ﴿يوم﴾ أو ﴿يوم﴾ بالرفع، لأن المؤلف رحمه الله تعالى جلال الدين له قراءة من القراءات المعتبر يقرأ بها ويفسر عليها. ففي قراءته يقرأ هذه الآية بالرفع: ﴿يوم﴾، وقد مرت معنا أنه يشير إشارات إلى قراءته وإلى قراءة غيره. ففي قراءته الذي يقرأ بها يقول: ﴿يوم﴾ بالرفع، على ماذا؟ على تقدير أنه هو يوم، أي تكون يوم مبتدأ لخبر محذوف تقديره هو يوم. لكن على قراءتنا نحن في مصحفنا على قراءة عاصم، فإن نقرأ بالنصب: ﴿يوم﴾، ليس بالرفع إنما بالنصب: ﴿يوم﴾. وهذه تخرج على أنها ضرفية بمعنى أي في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، أو على تقدير بعض العلماء على أن يوم لفعل محذوف تقديره أذكر يوم لا يملك نفس لنفس شيئا. فعلى كل هي قراءات صحيحة ثابتة من القراءات السمعية السبعية. قال: ﴿يوم﴾ بالرفع، أي هو يوم. وعلى قراءتنا: ﴿يوم﴾ لا تملك نفس لنفس شيئا، قال: من المنفعة، أي في هذا اليوم، يوم الدين، في يوم القيامة، يوم لا تملك نفس لنفس، أي لا تملك نفس لغيرها من الأنفس شيئا من المنافع، بغض النظر عن هذه النفس الأخرى، لربما كانت نفس قريب أو نفس حبيب، ومع ذلك يا عبد الله لن تملك لها شيئا. لا تملك لها شيئا، قد تكون نفس زوجة أو والد أو ولد أو أخ، لكنك يا عبد الله مشغول بنفسك، لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه، يكفيك شأنك، الكل يفر بجلده، يذهب يمن ويسره، يبحث عن مناص وعن خلاص، فضلا أنه ينشغل بغيره، بل الكل يبتعد ويهرب من أقرب الناس إليه. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، شعار الناس في ذاك اليوم: نفسي نفسي، ودعوى الأنبياء: اللهم سلم سلم. قال: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، قال: أي لا أمر لغيره فيه، أي لم يمكن أحدا من التوسط فيه، بخلاف الدنيا. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، فسرت هذه الآية: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، أي أن الأمر له جل فعلا، ما هناك أحد يأمر، وأيضا في تفسير هذه الآية: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، أي بأن الله هو الحاكم وهو الفاصل في هذا اليوم. ومن ذلك ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى أن الأمر لله موضوع الشفاعة، فإذا أراد أحد مثلا أن يتوسط لمنفعة أحد، فلن يتجر أحد إلا بعد أن يستأذن من الله، لأن الأمر إليه، كما قال سبحانه: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، بإذنه الرجوع إليه، لأن الأمور كلها ستؤول إلى الله جل في علا في ذلكم اليوم. وهنا مسألة، وهي في قولي تعالى: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، أي يوم القيامة لله، قد يقول: قال أليس أمر الدنيا وأمر الآخرة لله جل في علا؟ الجواب: بلى، أمر الدنيا والآخرة هي لله من قبل ومن بعد، سبحانه وتعالى هو الذي يفعل ما يشاء وما يريد. فالكون كونه، والخلق عبيده، فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. طب لماذا في هذه الآية إنما جعل أمره في الآخرة؟ قال العلماء جوابا على هذا الإشكال: أن ذلك إنما لوجود من ينازعه في هذه الدنيا، لوجود من ينازعه في هذه الدنيا. في هذه الدنيا وجدنا من ينازع الله من ينازع الله في ألوهيته، من ينازع الله في ربوبيته، من ينازع الله في أسمائه وصفاته، من ينازع الله في شريعته، من ينازع الله جل في علا في خلقه ومخلوقاته، في أمره ونهيه، ذاك الذي دعى الألوهية، وذاك الذي دعى الربوبية، نازعوا الناس أعيان وأشخاص وأمم قد نازعوا الله عز وجل في هذه الدنيا. لكن يوم القيامة، هل يبقى أحد ينازع الرب؟ الجواب: لا، كما قال سبحانه: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾، جاء في صحيح السنة على أن الله عز وجل إذا أمر بالنفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض، وهلكت الكائنات والمخلوقات، فيبقى جل في علاه رب الأرض والسماوات. حينها يقول الله: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيب أحد، ما هناك أحد سينازع في ذلكم اليوم، الكل قد أخلد إلى الفناء، لمن الملك اليوم؟ فإذا ما رد أحد، ولن يرد أحد، حينها يجيب نفسه بنفسه العلية الشريفة الجلية، يقول سبحانه: لله الواحد القهار، حينها يظهر ملكه سبحانه وتعالى. ولهذا قال قتادة عند هذه الآية: ﴿والأمر يومئذ لله﴾، قال: والأمر والله اليوم لله، يقول هكذا، قال: ولكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد، أي يوم القيامة، ما هناك أحد ينازعه، فالأمر يومئذ لله. وبهذا أخواني في الله انتهينا من سورة الانفطار، فنسأل الله عز وجل أن يلهمنا الثوفيق والسداد والرشاد. وإن شاء الله في يوم غد ندخل في سورة المطففين الذي بعدها، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا وبما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.