أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 88

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 88

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الركن الرابع من الإيمان بالرسل: تبليغ البلاغ المبين وكمال البيان

يتناول هذا المحور الركن الرابع من أركان الإيمان بالرسل، وهو الاعتقاد بأنهم بلغوا البلاغ المبين كاملاً فلم يتركوا خيراً إلا دلوا عليه ولا شراً إلا حذروا منه. يستدل المقطع بحديث ابن عمر في صحيح مسلم وحديث سلمان الفارسي عن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم آداب قضاء الحاجة كدليل على كمال البيان.

إكمال النبي صلى الله عليه وسلم للبلاغ ووجوب اتباعه كخاتم الأنبياء

أكمل النبي محمد صلى الله عليه وسلم تبليغ الرسالة بياناً تاماً، وشهد له الصحابة بذلك في حجة الوداع. يجب على المؤمن الإيمان بتبليغ جميع الرسل، ويتميز نبينا بوجوب اتباعه وحده دون سواه من الأنبياء، إذ أخذ الله العهد على جميع الأنبياء باتباعه لو أدركوه.

وجوب اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته ونسخ الشرائع السابقة

يبيّن المقطع أن عيسى عليه السلام عند نزوله يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بالإنجيل، وأن كل من جاء بعد بعثة النبي محمد عليه اتباعه دون سواه. يستدل بحديث النبي لعمر رضي الله عنه وقوله: من سمع بي من اليهود والنصارى ولم يؤمن بي فهو من أهل النار، ويربط ذلك بكلام المؤلف عن تبليغ الرسل للرسالة كاملة وكمال صفاتهم.

خاتمة الدرس وتلخيص الأمور الخمسة المتعلقة بالإيمان بالرسل

أوضح المؤلف أن تحقيق الأمور الخمسة المذكورة يُكمل الإيمان بالرسل، واختتم الدرس بالإشارة إلى الانتقال للسؤال التالي في الدرس القادم. يشكل هذا المحور ختاماً جامعاً للنقاط السابقة ويهيئ للمتابعة في الدروس اللاحقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا في الدرس الماضي أن الإيمان بالرسل يتلخص في خمسة أمور، أخذنا ثلاثة منها. قلنا: الأول: الإيمان بهم جملة، والإيمان بمن علمنا منهم تفصيلاً. هذا الأول. والثاني: اعتقاد ما جاء عنهم من أخبار في الكتاب والسنة. والثالث: محبتهم وتبجيلهم وتعظيمهم، ويدخل في ذلك كذلك ما جاء في التفضيل فيما بينهم. الأمر الرابع: اعتقاد أنهم بلغوا البلاغ المبين، أنهم بلغوا البلاغ المبين، وأنه ما من خير إلا وبينوه ووضحوه ودلوا عليه، وما من شر إلا وحذروا منه وبينوه. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون ومعصومون من الخيانة في تبليغ الرسالة، وهم معصومون كذلك من أن يكونوا قد بدلوا أو غيروا أو نقصوا أو زادوا، حاشاهم عليهم الصلاة والسلام. ومما يدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن يحذرهم من شر ما يعلمه لهم». فهذا الحديث يبين أن الأنبياء بينوا البيان التام وبلغوا البلاغ المبين عليهم الصلاة والسلام، فما من خير يحتاجه الناس إلا وقد بينوه ووضحوه ودلوا عليه، وما من شر إلا وقد حذّروا منه وبيّنوه. ومما يدل على ذلك كذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن يهودياً قال له: «لقد علّمكم نبيّكم كل شيء حتى الخراءة». ومعنى «حتى الخراءة» يعني حتى آداب قضاء الحاجة، يعني هذا الشيء لربما يستصغره الناس ويستحقروه، ومع هذا الشرع بيّنه. فقال له سلمان: أجل، لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نستقبل القبلة ببول أو غائط، وأن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علّمهم هذا الشيء الذي لربما يستحقره كثير من الناس، فكيف بما هو أشرف وبما هو أعلى منه؟ من باب أولى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبينه ويوضحه لهذه الأمة. وكذلك جاء عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما من طائر يطير في الهواء إلا وقد بيّن لنا منه علماً». أي أنه ما من شيء من الأمور التي يحتاجها الناس إلا وقد بيّنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد بلّغ البلاغ التام عليه الصلاة والسلام. وقد شهد له الصحابة بذلك، كما جاء في حجة الوداع، لما كان يخاطب الصحابة صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: «هل بلّغت؟» فيقول الصحابة: نعم، نشهد يا رسول الله أنك قد بلّغت. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرفع إصبعه إلى السماء: «اللهم فاشهد، اللهم فاشهد». فشهد له الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذلك. فالواجب على المسلم، وهذا من الإيمان بالرسل ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اعتقاد أن هؤلاء الرسل قد بلّغوا البلاغ المبين، البلاغ التام، فما من شيء أمرهم الله عز وجل بتبليغه إلا وقد بلّغوه، ولاقوا من أجل تبليغه ما لاقوا من الأذى ومن المعارضة من قبل أعدائهم، ومع هذا فلم يثنهم ذلك عن الاستمرار وعلى التبليغ، تبليغ دين الله سبحانه وتعالى. وأما الأمر الخامس من الأمور التي ينبغي أن يؤمن بها المؤمن تجاه الأنبياء والمرسلين: اتباع خاتمهم، اتباع خاتمهم وإمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالأنبياء جميعاً لهم الإيمان بنبوتهم، نؤمن بأن عيسى وموسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم أنهم مرسلون من الله إلى أقوامهم، نؤمن بذلك مع محبتهم وتبجيلهم وتعظيمهم كما تقدم. ويتميز نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع الإيمان بنبوته ورسالته بوجوب اتباعه عليه الصلاة والسلام، لا يتبع غيره من الأنبياء والمرسلين. بل إن جميع الأنبياء والمرسلين قد أخذ عليهم العهد من الله سبحانه وتعالى أنه لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم أحياء فإنهم يجب أن يتبعوه. ولذلك نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام لما ينزل آخر الزمان فإنه يحكم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ما يحكم بالتوراة أو بالإنجيل التي أنزلت عليه، وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه ما من أحد أتى بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام إلا وكان واجباً عليه أن يتبع هذا النبي الكريم، لا يتبع غيره. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فما روى ابن أبي عاصم في السنة، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمر ومعه صحيفة من الإنجيل أو من التوراة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان عيسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني، لما وسعه إلا أن يتبعني». نعم، وهكذا ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار». لو الآن يهودي أو نصراني مثلاً قال: أنا على الدين الحق الذي كان عليه موسى أو الذي كان عليه عيسى، أؤمن بما جاء في التوراة أو بما جاء في الإنجيل وأعمل بذلك، وأؤمن بأن الله إله واحد، فيقال له: أنت لم تحقق الإيمان، لا تكون مؤمناً حتى تتبع نبينا، حتى تتبع نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما تنفع الشرائع المتقدمة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن أراد أن يدين لله عز وجل بها. فإذا هذا يدلنا على أن من الإيمان بالرسل وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام. وهذا فحوى كلام المؤلف رحمه الله تعالى في كلامه، فمثلا أو في جوابه: قوله: «وأنهم بلغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يقصروا ولم يغيروا ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفاً ولم ينقصوه»، فهذا يدخل في الرابع، في الأمر الرابع الذي ذكرناه، وهو أن هؤلاء الرسل بلغوا البلاغ المبين، وما من خير إلا وقد دلوا عليه، وما من شر إلا وقد حذروا منه. وكذلك في قوله: كذلك قول المؤلف، نعم في جوابه: «وأن جميعهم صادقون مصدقون بررة راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون»، هذا يدخل أيضاً في الرابع. وهكذا ما تقدم في التفضيل بينهم يدخل في الأمر الثالث. وهكذا غير ذلك مما ذكر في هذه الأمور الخمسة. فيتلخص كلام المؤلف في هذه الأمور الخمسة، فمن حققها فقد حقق الإيمان بالرسل. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا السؤال. وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في السؤال الذي بعده. إله هنا والله تعالى على أنه ترجمة نانسي قنقر.