الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية فهم دعوة أهل السنة والجماعة والتعرف عليها لتمييزها عن غيرها من الدعوات. يشدد على ضرورة العلم والبصيرة في اتباع هذا المنهج.
يبرز هذا الفصل أهمية فهم خصائص دعوة أهل السنة والجماعة لتقييم الأفراد والجماعات بشكل صحيح وتجنب الضلال. يشير إلى أمثلة من السلف الصالح الذين حذروا من أفراد كانوا على منهج ضال.
يشير هذا الفصل إلى نية سرد قصص لتعريف دعوة أهل السنة والجماعة وبيان دعوة المخالفين، مع التأكيد على أهمية التعرف على هذه الدعوة لتمييز الحق من الباطل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس الظهر في هذه الأيام، أيام الدورة، سيكون حول ذكر مبحث منهج ودعوة وخصائص دعوة أهل السنة والجماعة، وذلك بالنظر في دعوة أهل السنة وما تقوم به وما تميزت به، وما كان من خصائصها، بذكر مصادرها وذكر ركائزها وأركانها، بأمورٍ أو بأمرٍ ميسرٍ، بحيث يستطيع أن يفهمه القاصي والداني والصغير والكبير. هذا المبحث، إخواني في الله، من المباحث المهمة التي ينبغي أن يعتني به كل مسلمٍ ومسلمة، وتظهر أهمية هذا المبحث من عدة أمور، تكمن أهمية مبحث خصائص دعوة أهل السنة والجماعة، إذ أن التعرف على دعوة أهل السنة هي في الحقيقة التعرف على دعوة الإسلام، والأمر كما قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى، حيث قال: "الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام". فمن تمسك بالسنة وبمنهج أهل السنة فهو في الحقيقة قد تمسك بإسلامه وبدين ربه، ومن فرط في السنة فهو في الحقيقة يعود ذلك على استقامته وعلى إسلامه، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، فها هنا تكمن أهمية المبحث. ثانيًا، مما يدل على أهمية مبحث التعرف على دعوة أهل السنة والجماعة، إخواني في الله، أن السلوك على هذا الصراط والمشي على هذا المنهاج يتطلب منك المعرفة والعلم، من أراد أن يكون من أهل السنة حقًا وصدقًا، لا يكون ذلك بالدعاء وإنما يكون ذلك بالعلم والتعرف. والدليل على هذا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، قال المفسرون: بمعنى أن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام هم كذلك يسيرون معه في دعوته، لكن على علم وبصيرة، أي على علم. ولهذا، إخواني في الله، من المخجل ومن المؤسف حقًا أن تجد من هو يجد نفسه محسوبًا على أهل السنة والجماعة، إلا أنه من أجهل الناس بدعوته، من أجهل الناس بمنهجه الذي عليه يوالي وعليه يعادي وعليه يقاتل وعليه يباري، من أجهل الناس لا يعرف ما هي الركائز وما هي الأركان وما هي القواعد وما هي الشروط، وما الذي تميزت به دعوة أهل السنة والجماعة عن غيرها، ما يعرف شيئًا من هذا. وهذا، إخواني في الله، يخشى عليه أن يكون يومًا من الأيام بوقًا لباقي الجماعات من المخالفين، كما قد رأينا من كثير من هؤلاء، من لربما نعم هو يقتبس من العلم الشرعي، لكنه من أبعد الناس عن التعرف على منهج أهل السنة والجماعة. فهذا سيأتي عليه يومًا من الأيام، كما يقول شيخنا مقبل رحمه الله تعالى: يكون بوقًا من الأبواق، يكون بوقًا من الأبواق، لا يميز بين المصيب وبين المخطئ، لا يميز بين دعوة أهل السنة وبين دعوة المخالفين، فلربما تجده يحسن الظن بكل أحد، من أين أتى هذا؟ أتى هذا من جهله. ولهذا، إخواني في الله، كانت أهمية هذا المبحث، على أن السالك لمنهج ودعوة أهل السنة والجماعة لابد أن يكون عنده معرفة بخصائص ومميزات دعوته. ثالثًا، مما يدل على أهمية هذا المبحث، أن هذا المبحث من خلال التعرف على خصائص وركائز ومميزات دعوة أهل السنة والجماعة، ستجعل، يا عبد الله، هذه المسائل هي المعول عليها في ماذا؟ في التقييم، في تقييم الخلق، إذا أردت أن تقيم أحدًا أو تقوم شخصًا، هل هذا على منهج أهل السنة؟ أو أن هذا على منهج المخالفين؟ هل هذا على الصراط المستقيم؟ أو أن هذا على ضلال مبين؟ كيف يا عبد الله؟ ما هي المعايير التي عندك حتى تقوم هذا وتصويب هذا؟ ما عندك إلا الأصول والقواعد والركائز والخصائص التي بها ومشى عليها أهل السنة والجماعة، هذا المعول عليه. إلا لأننا نجد من الناس أنه لما ترك هذه المراجع والمصادر والركائز، ضاعت عليه الموازين الذي به يزن الناس، فأصبح يختلط عليه الأمر، يختلط عليه الأمر، حتى وجدنا من الناس من لربما ينبهر بالمخالف لما يرى مثلًا من أعماله، فتجده يثني عليهم ويمدح لهم، لماذا؟ لأنه تناسى الأصول. حتى وجدنا من لربما يثني على الشيعة والرافضة ومن كان متأثرًا بهم، إذا قاموا في بعض الأمور الحماسية والشرعية، إخواني في الله، لا يحكم على الأشخاص من حيث العواطف والحماسات، لما الأمر يعود إلى أصل هذا الشخص، على الركائز التي بنى عليها دينه وشريعته. وانظر مثلًا، وهذا مثال ضربه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، كيفية تقويم الرجال والجماعات والفرق والنحل، عندما ذكر نبينا عن الخوارج وما بلغوا إليه من قمة التعبد، حتى أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم»، أي أن صلاتكم لا شيء، وصيامكم لا شيء أمام اجتهاد هؤلاء من الخوارج. لكن لما كانوا هم في هذه الغاية من التعبد، هل هذا كان كافيًا وشفيعًا لهم في أن يغض الطرف عنهم؟ لا، في تمام الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «لَإِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمْ»، إذن أين ذهبت هذه الحسنات التي كانت منهم من شدة التعبد؟ تلغى، تلغى أمام ما كان من أصل ضلالهم، ما كان من أصل منهجهم. ولنعبر كذلك بإحوال السلف، كيف تعاملوا مع أناس؟ سل، يا عبد الله، إن كنت من أهل البحث، سل، يا عبد الله، عن محمد بن كرام شيخ الكرامية، سل عن الحسن بن صالح، سل كذلك عن داود، عن عبد العزيز بن أبي داود، هؤلاء كانوا قمة في التعبد، كان الواحد منهم يوصف بأنه الإمام الرباني في العبادة والتعبد، لكنهم عند أهل السنة والجماعة ما بالوا بهم، وإنما حذروا منهم ومن منهجهم الذي صاروا عليه. فالسؤال: إذا كان عنده مصادر يعرف قوي من الناس، لا ينخدع بهذا البهرج مما يراه. وأذكر في هذا المقام ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه أتى إلى إسحاق السراج، فقال له: إني علمت أن الحارث المحاسبي يكثر الكون عندك، والحارث المحاسبي متكلم فيه، محسوب من أهل الضلال. فقال إمام أحمد لإسحاق: قد بلغني أن الحارث المحاسبي يكثر الكون عندك، قال: فإن جاء إلى منزلي فأخبرني حتى أبقى في مجلس وهو لا يراني، فاستبشر إسحاق بهذا، فذهب ودع الحارث وأصحابه بأن يأتوا عنده إلى بيته، وأخبر الإمام أحمد بحضور الحارث عنده، وكان على هذا الشرط بأن يدخل إمام أحمد قبلهم فيدخل في مكان هو يراهم وهم لا يرونه. قال: وحجة الإمام أحمد، قال إسحاق: حتى أسمع لكلامه، أسمع ماذا يقول، ماذا يتكلم، حتى يحكم عليه ببينة، فجاء القوم في المساء وجلسوا، وكأن على رؤوسهم الطير من السكينة، فقام الحارث وتكلم، ثم تكلم، وكان متكلمًا، وكان متكلمًا، حتى إذا طال به المجلس أخذ الجميع بالبكاء والصياح، ومنهم من يزعق، ومنهم من يبكي عليه. يقول إسحاق: فصعدت إلى المكان الذي فيه الإمام أحمد، أنظر ماذا يفعل، قال: فنظرت إليه، فإذا هو يبكي متأثرًا لكلام القوم، قال: فراجعت، فراجعت، قال: حتى انتهى القوم من مجلسهم، ثم انصرفوا، قال: فذهبت إلى الإمام أحمد وقلت له: ما ترى في القوم؟ ما ترى في هؤلاء؟ كلامهم؟ قال إمام أحمد: ما سمعت بمثل كلامهم، ولا أحدًا أعلم بالحقائق مثل هؤلاء، يعني في الكلام في القلوب وما يكون من ذكر المواعظ والرقائق، ما سمعت ولا رأيت من أمثال هؤلاء، قال: ومع ما كان من كلامهم، إلا أني أرى أن لا تصاحبهم، لا تصاحب هؤلاء. هذه العبرة، يا عبد الله، ليس العبرة الذي يبكيك أو الذي يؤثر عليك، العبرة بمنهجه، بحقيقة دعوته الذي يدعو إليه، على ماذا يقوم؟ على أحاديث باطلة؟ على مواعظ مكذوبة؟ فالعبرة، يا عبد الله، بهذا. من خلال التعرف على دعوة أهل السنة وعلى خصائصها، حينها، يا عبد الله، تعلم وتعرف وتعرف كيف تقوم الأفراد والجماعات. كذلك رابعًا، مما يدل على أهمية هذا المبحث، مبحث التعرف على دعوة أهل السنة والجماعة، أن المخالفة لدعوة أهل السنة والجماعة ليس بالأمر الهين، ليس بالأمر السهل، كما نجد في تعامل كثير من الناس، يرون الفرق الضالة الموجودة، ويعلم أن أهل السنة هم على هذا المنوال، وأنهم أجدر أن يؤازروا وأن يناصروا، لكنه يتركهم بحجة الذهاب إلى جماعة أخرى ممن يعطونهم اللقمة الحارة، ويعطونه ما فيه المدد من حياة الدنيا، فيرضى بهؤلاء على أن يترك هؤلاء. السؤال: هل الترك بهذه السهولة؟ أنك مخير بين أن تمشي أو لا تمشي، تماشي أو لا تماشي؟ قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث الافتراق: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، الأمر فيه نار، الأمر فيه حساب وعقاب، الأمر، يا عبد الله، ليس مزاج أو هوى تختار أو لا تختار، تكون أو لا تكون، وإنما، يا عبد الله، أنت ملزم ملزم بهذا المنهاج الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام. خامسًا، كذلك من خلال التعرف على دعوة أهل السنة والجماعة، ستتعرف، يا أخي، على دعوة المخالفين، فتعرف خلال الدروس على أن من ركيزة دعوة أهل السنة كذا، وخالفهم المبطلون، فوقعوا في كذا، فأنت ستتعرف على دعوة المخالف، وهذه من أعظم فوائدها، أنك تتقي تتقي شرهم، كما قال حذيفة: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأل عن الشر، مخافة أن يدركني». فأنت ستتعرف على مصادر وعلى مواقف وعلى ركائز دعوة المخالفين، لا أنك حتى تعجب بها، لا حتى تحذر منها، فتكون على بينة، كما قال القائد: «تعلمت الشر لا للشر، ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه». فهذه، أخواني في الله، مما تذكر من مسائل، وهناك مسائل كثيرة يستفيدها المرء المسلم متى ما تعرف على دعوة أهل السنة والجماعة. فإن شاء الله، في مثل هذه الأوقات من بعد صلاة الظهر، نذكر شيئًا من هذه القصص، بما لا يطول به المقام، فيه التعريف لدعوة أهل السنة والجماعة، وبيان شيء من دعوة المخالفين. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.