باب التوبة من رياض الصالحين 1

باب التوبة من رياض الصالحين 1

الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شروط التوبة الصحيحة وأدلتها

يستعرض المقطع الشروط الثلاثة الأساسية للتوبة وهي الإقلاع الفوري عن المعصية، الندم الصادق، والعزم الجازم على عدم العودة، مع الاستدلال بآيات قرآنية على وجوب التوبة من كل ذنب. ويوضح أن الإقلاع عن ترك الواجب يتم بأدائه كإقامة الصلاة وبر الوالدين.

شروط التوبة في حقوق العباد ورد المظالم

يبين المقطع أن الذنوب المتعلقة بحقوق الآدميين تتطلب شرطاً رابعاً وهو رد الحق إلى أهله أو طلب العفو منهم، ولا تصح التوبة إلا بأداء الحق أو إسقاطه بالعفو. ويشمل ذلك المظالم المالية والعرضية والبدنية.

حكم التوبة من بعض الذنوب دون بعض وختام الدرس

يوضح المقطع أن التوبة من ذنب معين تصح وتقبل حتى لو أصر العبد على ذنوب أخرى، مستدلاً بالكتاب والسنة والإجماع. ويختتم المحاضر الجلسة معلناً استكمال الحديث في الدرس القادم وتأجيل باقي الفوائد.

  • 16 جمادى الأولى 1447هـ - 06/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، الباب الثاني: باب التوبة: "قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب. فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله عز وجل لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها أن يقلع عن المعصية، والثاني أن يندم على فعلها، والثالث أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. فان فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. فلم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشرطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها. فان كان مالا -فان كانت مالا أو نحوه- رده إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحله منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب. فان تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي. وقد تظافرت الدلائل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة. قال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾". انتهى كلام النووي رحمه الله في مقدمة كلامه عند هذا الباب. وقوله: "قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب" للأدلة التي ذكرها؛ فإن الله عز وجل أمر عباده، والأصل في الأمر الوجوب، بالتوبة. قال الله عز وجل: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾، فأمر بالتوبة وبينا أثرها وفضلها وخيرها، وأنها سبب للفلاح، فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾، فـ "توبوا" فعل أمر يدل على وجوب ذلك. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾. والتوبة النصوح هي التوبة التي استوفت شروط التوبة. وقد بين الإمام النووي رحمه الله شروط التوبة إذا كانت هذه المعصية بين العبد وبين ربه، ليس لها تعلق بحق آدمي. فإذا كانت المعصية بين العبد وبين ربه فلها ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يقلع عن المعصية. ومعنى يقلع عن المعصية: أي يترك هذه المعصية. إن كان الذنب ترك واجب، مثل ماذا؟ ترك واجب: الله أمر بالصلاة، فلان لا يصلي؛ الله أمر ببر الوالدين، فلان لا يبر بوالديه؛ الله أمر بصلة الأرحام، فلان لا يصل أرحامه. هذا ترك واجب. فان كان الذنب ترك واجب، فالاقلاع عنه بفعله. كيف يقلع عن هذا الذنب؟ إذا كان ما يصلي، فمن التوبة النصوح أن يصلي. إن كان عاقا، إن كان كذلك لا يبر بوالديه، فالتوبة من ذلك أن يبر بوالديه. إن كان لا يصل أرحامه، فالتوبة من ذلك أن يصل أرحامه. وهكذا. فالذنب يكون بترك واجب، فالاقلاع عنه بفعله. أو بفعل محرم، فالواجب أن يقلع عنه فورا، ولا يبقى فيه لحظة ولا لحظة. مثل ماذا؟ فعل محرم: يرابي، يتعامل بالربا، أو كذلك يغش ويكذب ويخون. فهذه كلها ماذا؟ هذه كلها فعل محرم، فالاقلاع منها بتركها فورا، ولا يبقى فيها لحظة واحدة. فان كان كذلك، فقد أتى بشرط من شروط التوبة، وهو الاقلاع عن المعصية. هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: أن يندم على فعلها. الندم على ما فعل من المعصية؛ لأن شعور الإنسان بالندم هو الذي يدل على أنه صادق في التوبة. بمعنى أن يتحسر على ما سبق منه. ولذلك الصحابة، لما يأتي أحدهم ذائبا إلى الله عز وجل، فيأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "يا رسول الله، احترقت"، بما في قلبه من الندم، بالاحتراق. ويأتي آخر ويقول: "يا رسول الله، هلكت". هذا هو معنى الندم: أن تشعر بألم المعصية، أن تشعر بالانكسار، وبكذلك التحسر بسبب هذه المعصية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث يحسن على قول العلامة الألباني-: «الندم توبة». الندم توبة. فهي دليل على صدق التائب، فهي دليل على صدق التائب. هذا هو الشرط الثاني. الشرط الثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا. يعزم عزما أكيدا أن لا يرجع إلى هذه المعصية في المستقبل، وإلى هذا العمل في المستقبل. لأن بعض الناس يقول لك: "أنا تائب"، ما هي إلا لحظة ويرجع إلى الذنب. هذا لم يعزم، ما كان عنده عزم. الذي عنده عزم، فانه يترك هذه المعصية ولا يأتيها، إلا إذا سولت له نفسه بعد فترة. فالإنسان قد يعني يكرر المعصية، لكن عند توبته منها يعزم عزما أكيدا أنه لا يرجع إليها. وأما الرجوع إليها في المستقبل البعيد، فهذا من طبيعة البشر، هذا من طبيعة البشر. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم». وجاء أيضا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أنكم لا تذنبون، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم». وهكذا في أحاديث أخرى تدل على أن الإنسان لا يسلم من الخطأ، ولكن الشأن كل الشأن أن يرجع إلى الله، وأن يتوب، وأن لا يصر على المعصية. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾. فهذا هو معنى العزم: أن لا تعود في المستقبل إلى هذا العمل، إلى هذا العمل. هذا هو الشرط الثالث. وهذا فيما يكون بين الإنسان وبين ربه سبحانه وتعالى. أما إذا كان هذا الذنب له تعلق بآدمي، بمعنى بحق من حقوق الناس، كأخذ مال، أو ضرب جسد، أو نيل من عرض، كل هذا فيه حقوق للناس. فهنا يضاف شرط رابع مع الشروط الثلاث المتقدمة. ما هو هذا الشرط الرابع؟ أن يرد هذه المظالم، أن يبرأ من حق صاحبها. قال: "فان كانت مالا أو نحوه رده إليه". إنسان اغتصب أرضا لإنسان، قال: "هلا، أنا تائب". يقال له: "أنت تائب، يجب عليك أن ترد هذه الأرض إلى صاحبها، ولا تصح التوبة إلا بذلك". قال: "إنسان، أنا أخذت على فلان مئة ألف، وأنا تائب". يقال له: "ارجع"، أو "رد له هذا المال"، رد له هذا المال. هذا أيضا من التوبة النصوح. هذا في الأموال. قال: "وان كان حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه". قذفت إنسانا بما ليس فيه، ثم قلت: "أنا اعترف أنني قذفت فلانا، أنا أتوب إلى الله". فيقال له: إذا تأتي إلى هذا المقذوف، فيأخذ حقه بالشرع، يأخذ حقه بالشرع. "مكنه منه": أي أن ترضى، أو أن تصر أن يحد حد القذف، فينبغي أن يحد هذا القاذف. فبهذا تكون توبته. وان عفى عنه قبل أن يعني يطلع هذا الأمر إلى القاضي، فله أن يعفو عنه. أو كذلك ضربه، ضربه حتى كسر يده، أو حتى أدما وجهه، فهذا فيه القصاص، فيه القصاص. فان أراد أن يتوب، لابد أن يقتص منه، أو أن يعفو عنه، أو أن يعفو عنه؛ لأن هذا فيه حق من حقوق الخلق، فلا تتم التوبة إلا بعد التصحيح. والتصحيح يكون إما بإرجاع الحق، أو بالعفو، أو بالعفو: أن يعفو صاحب الحق ويتنازل عن حقه. قال: "وان كانت غيبة استحله منها". اغتبت إنسانا، ثم تريد أن تتوب. فان كان هناك يوجد مصلحة في طلب العفو ممن اغتبته، ولا يزداد الأمر تعقيدا وسوءا، فهنا يجب عليك أن تستسمح منه، وأن تستحله، وأن تستحله. وان وجدت هناك مفسدة، من أنه لربما تزداد الخصومة، ويزداد الشر بينك وبينه، فهنا تكثر من الثناء عليه، ومن ذكره بالجميل، ومن الدعاء له، ولعل الله عز وجل أن يعفو عنك. وهذا يدل على عظم الظلم، وعلى عظم كذلك أخذ حقوق الناس، كان في المال، أو في العرض، أو في غيرها. قال: "فان تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي". أيش معنى هذا الكلام؟ يعني: ما يشترط في التوبة أن تتوب من جميع الذنوب. فلو أن إنسانا مثلا يتعامل بالربا، وإنسانا مثلا يشرب الخمر، طيب، وإنسانا مثلا يشرب الخمر مثلا ويغش، طيب. هذه كلها معاصي رجل واحد. فهو تاب مثلا من الربا، واستمر في فعل شرب الخمر، وفي فعل الغش. فهل تقبل توبته في تركه للربا؟ الجواب: نعم، تصح توبته في تركه للربا. فهذا معنى قوله: "فان تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب". ولو كانت هذه المعاصي من جنس واحد. أيش معنى "من جنس واحد"؟ مثلا: إنسان يزني، وينظر إلى النساء بشهوة، ثم تاب من الزنا، وبقي الذنب الآخر وهو نظره إلى النساء، أو إلى المقاطع الإباحية، أو نحو ذلك. لكن فعل الزنا تاب منه. هل يقبل؟ الصحيح: نعم، أنه يقبل منه تركه للزنا، ويبقى عليه إثم نظره للنساء. فهذا معنى قوله ذلك. قال: "وقد تظافرت الدلائل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة". وقد ذكر هذه الآيات. وللحديث بقية إن شاء الله، من فوائد الشيخ ابن عثيمين، نؤجل ذلك إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.