الدرس في باب التوبة من رياض الصالحين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع الشروط الثلاثة التي ذكرها الإمام النووي للتوبة من الذنوب بين العبد وربه، ويضيف شرطاً رابعاً للذنوب المتعلقة بحقوق العباد، كما يبين الشيخ ابن عثيمين شرط الإخلاص بأن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى.
يؤكد المقطع أن التوبة الصحيحة تتطلب إخلاص النية لله لا للناس، مستشهداً بمن ترك القات لأجل الزواج فعاد إليه، ثم يذكر شرطاً أضافه ابن عثيمين وهو أن تكون التوبة في زمن تُقبل فيه قبل حضور الموت مستدلاً بآية النساء وقصة فرعون.
يبيّن المقطع أن توبة فرعون عند الغرق لم تُقبل لأنها جاءت عند حلول الأجل، ويؤكد وجوب المبادرة بالتوبة قبل الموت أو طلوع الشمس من مغربها، ثم يلخص شروط التوبة الخمسة بين العبد وربه ويضيف شرطاً سادساً وهو رد الحقوق لأصحابها.
يختتم الشيخ الدرس الحالي معلناً أن الدرس القادم سيشرع في ذكر أول حديث من باب التوبة في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي، ويشير إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تقدم في الدرس الماضي قراءة المقدمة التي ذكرها الإمام النووي عند باب التوبة، فبيّن أن شروط التوبة ثلاثة إذا كان الذنب بين العبد وربه، وهي: أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. وإذا كانت بين العبد وبين الخلق يضاف شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها. والشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله أضاف شرطين من شروط التوبة كذلك: أضاف شرط الإخلاص، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله، يتوب من أجل الله عز وجل، لا يقصد بهذه التوبة مراءاة الناس ولا التقرب إليهم، ولا قصد غرض من أغراض الدنيا، كامرأة ينكحها أو دنيا يصيبها. فمثلاً: إنسان يريد أن يتزوج لكنه لا يصلي، معصية عظيمة، خطب عند البيت الأول، سمعوا أنه لا يصلي، قالوا: لا، هذا لا يصلي، كيف نزوجه ابنتنا؟ فلما علم بذلك دخل المسجد وصلى. لماذا دخل المسجد وصلى؟ من أجل أن يقبل. لا، دخل المسجد توبة خالصة لله عز وجل. ولذلك هذا النوع مما يدل على عدم إخلاصه: أنه إذا نال بغيته ومراده يترك هذه الصلاة ويرجع إلى المعصية، كما قال القائل: "صلى وصام لأمر كان يطلبه، لما انتهى الأمر لا صلى ولا صام". أو إنسان يمضغ القات، معصية من المعاصي، فخطب عند البيت الأول، سمعوا أنه يخزن، قالوا: لا، هذا ما نريد لابنتنا. خطب عند الثاني والثالث، الكل يرده. قال: ما معي إلا أن أترك القات حتى أقبل. فترك القات فترة، ثم خطب، قالوا: لا، هذا قد بطل، كان يخزن، خلاص الآن بطل، عاد يخزن. فترك القات من أجل أن يقبل، فهذا الغالب أنه بعد ما يتزوج يرجع إلى القاتل؛ لأنه ما تركه لله. فهذا معنى الإخلاص: أن يكون قصد الإنسان من التوبة وجه الله عز وجل، لا من أجل الناس. يصوم من أجل أن يبعد عن نفسه كلام الناس، لا. فالمعنى: أن تتوب لله عز وجل، تتوب لله سبحانه وتعالى. وكذلك مما أضافه العلامة العثيمين رحمه الله من شروط التوبة: أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، أن تكون هذه التوبة في زمن تقبل فيه التوبة؛ لأن هناك زمناً لا تقبل فيه التوبة، فلا تنفعه هذه التوبة. والزمن الذي تقبل فيه التوبة على اعتبارين: الاعتبار الأول: باعتبار كل إنسان بحسبه. ومعنى كل إنسان بحسبه: أي لا تكون التوبة قبل حلول الأجل... قبل حلول الأجل، يعني أن تكون التوبة قبل حلول الأجل. أما إذا حضر الأجل، يعني الموت، ثم أراد أن يتوب، فهذا لا تنفعه التوبة، لا تنفعه التوبة، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. هذا ما تنفع. متعرفون قصة فرعون؟ فلما أدركه الغرق قال: آمنت، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. آلآن؟ وقد عصيت قبل؟ فلم تنفعه هذه التوبة لأنها كانت عند الموت وعند الغرق، فلم تنفعه هذه التوبة. ففي هذا يا عباد الله: أننا طالما أننا في زمن الإمكان وفي زمن التوبة، أن نسارع وأن نبادر إليها قبل حلول الأجل، قبل أن لا تنفع هذه التوبة. هذا باعتبار الشخص نفسه، باعتبار كل إنسان بحسبه. وهناك اعتبار آخر أيضاً في زمن قبول التوبة، وهو باعتبار العموم. والمراد بالعموم: أي قبل طلوع الشمس من مغربها، فهذا عام لكل أحد. فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت الشمس من مغربها، وذلك في آخر الزمان، وهو من علامات القيامة الكبرى، فلم تنفع أحداً توبة. قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، في إيمانها خيراً. فهذه لا شك أنها شروط معتبرة عند أهل العلم. فتلخص لنا من ذلك: أن شروط التوبة إذا كان الذنب بين العبد وربه خمسة: أن يقلع عن المعصية، وأن يندم على فعلها، وأن يعزم أن لا يعود إليها أبداً، وأن يخلص لله عز وجل فيها، وأن تكون في زمن التوبة. وإذا كان الذنب بين العبد وبين الخلق فيزاد شرط سادس، وهو أن يبرأ من حق صاحبها، أن يرد الحقوق إلى أهلها. هذا خلاصة ما ذكره أهل العلم، وبه نكتفي. وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في ذكر أول حديث ذكره الإمام النووي في باب التوبة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.