الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 100، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المؤلف الركن الخامس من أركان الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر مستعرضاً أدلته الكثيرة في القرآن الكريم. ويبين أن الله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر في مواضع عديدة دلالة على عظيم أهميته خاصة لإنكار المشركين البعث والنشور.
يستدل المقطع بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على أن لقاء الله تعالى يكون في الآخرة بعد الموت. ويؤكد أن الإيمان باليوم الآخر يشمل كل ما يقع بعد الموت من حياة برزخية وبعث وحساب وجزاء.
يشرح المقطع أن الساعة تعني ما بعد الموت ويوم الحساب مؤكداً وقوعها بلا شك بالآيات القرآنية. ويستدل بالأحاديث النبوية والدليل العقلي بأن العدالة تقتضي وجود دار جزاء تفصل بين المحسن والمسيء.
يؤكد المقطع أن اليوم الآخر ضروري لتحقيق عدل الله حيث يجازى كل عبد بعمله. وتدل عليه نصوص الكتاب والسنة والأدلة العقلية وهو ركن أساسي من أركان الإيمان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال 102: "ما دليل الإيمان باليوم الآخر من الكتاب؟". انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. وكما هو معلوم أن المؤلف يبتدئ الكلام على هذه الأركان بأدلتها من الكتاب والسنة، وفي هذا الموضع اقتصر على دليل من القرآن دون السنة المنشورة، ولعله غفل عن ذلك أو نسي ذلك، وإلا فاليوم الآخر أدلته متكاثرة من الكتاب، والحمد لله. وإلا فالإيمان باليوم الآخر أدلته متكاثرة من الكتاب والسنة، كما سيبين المؤلف من أدلة الكتاب، ونذكر ما تيسر كذلك من أدلة السنة. والإيمان باليوم الآخر من أكثر ما جاء في كتاب الله عز وجل التذكير به، والحث على الإيمان به بعد توحيد الله عز وجل. والسبب في ذلك لأن الإيمان باليوم الآخر أكثر القضايا عند المشركين إنكاراً، فكانوا ينكرون البعث والنشور وما يقع بعدهما، حتى أنهم أقسموا على ذلك أشد أعظم الأقسام. فأخبر الله عز وجل عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، مع أن هذه القضية - الإيمان باليوم الآخر - قد آمنت بها كثير من الأمم من أتباع الكتب والرسالات السابقة. ومع هذا وجدت طائفة من مشركي العرب من ينكرون الإيمان باليوم الآخر. ومما يدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر، وأنه كثير ما يذكر في كتاب الله، أن الله عز وجل كثيراً ما يقرن بينه وبين الإيمان به، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ﴿إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهكذا في أدلة كثيرة يقرن الله عز وجل بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر، وهذا يدل على أهمية هذا الركن من أركان الإيمان. قال: "الجواب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾". وجه الشاهد: أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون. وجه الشاهد من هذه الآية في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، فهذه الآية فيها إثبات لقاء الله عز وجل، وهذا اللقاء إنما يكون متى يكون؟ في الدار الآخرة. اللقاء بالله عز وجل إنما يكون في الدار الآخرة، أما في الدنيا فإن العباد لا يلقون ربهم ولا يرونه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا»، «حَتَّى تَمُوتُوا»، فلا أحد يرى الله عز وجل في الدنيا، وإنما رؤيته واللقاء به سبحانه وتعالى يكون في الآخرة. فإذا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، أي يوم القيامة، وهذا فيه الإيمان بيوم القيامة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾، أي ما يكون بعد الموت، ويبدأ الإيمان بالآخرة بعد الموت، لأن المراد بي الإيمان بالآخرة أي الأيام الأخرى غير أيام الدنيا. هذه الحياة تسمى الحياة الدنيا، وما بعد الموت يسمى الحياة الآخرة، فيشمل كل ما يقع بعد الموت من سؤال الملكين في القبر، ومن العذاب والنعيم في القبر، والحياة البرزخية في القبر، ثم ما يكون من البعث والنشور والحساب، وقطائف الصحف، والمرور على الصراط، وما يقع من أهوال ذلك اليوم. فإذن قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾، أي ما يكون بعد الموت مما أخبر الله سبحانه وتعالى به في كتابه مما يكون بعد الموت. ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، المراد بالدين هنا الجزاء، الجزاء وما يجازى به العبد يوم القيامة، وهو بمعنى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي يوم الحساب والجزاء. وهكذا ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، أي الحساب والجزاء يوم القيامة لواقع، فلا شك أن هذه الآية دلت على إثبات الإيمان باليوم الآخر في قوله: ﴿لَصَادِقٌ﴾، ﴿لَوَاقِعٌ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. الساعة يعني ما يكون يوم القيامة، ما يكون يوم القيامة، وما يكون كذلك بعد الموت، ما يكون بعد الموت، لأن من مات فقد قامت ساعته وقيامته. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. فالساعة أي ما يكون بعد الموت، وما يكون في يوم الحساب والجزاء، ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ يعني لا شك فيها، واقعة لا محالة، فهذا فيه أيضاً إثبات يوم القيامة. هذا من القرآن، ومن السنة جاءت أيضاً أحاديث كثيرة، منها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل، حديث ذكر مراتب الدين، ومنها ذكر أركان الإيمان، فذكر من أركان الإيمان الإيمان باليوم الآخر. وهكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»، «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»، وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، «إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». فقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة مشهورة. وأيضاً الإيمان باليوم الآخر دلت عليه الأدلة العقلية، لأنه لا يمكن أن يكون هذا الكون وما فيه من غاية الإبداع، وما يكون فيه من الحكمة، هل كل ذلك ينتهي من غير جزاء ولا حساب؟ هل يعقل أن المجرم والطائع بعد الموت يكون مصيرهما واحد؟ قال الله عز وجل: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. تفكروا وتمعنوا: أهل الكافر الذي يشرك بالله، والذي لا يحلل حلالاً ولا يحرم حراماً، والذي يفسد في الأرض، كذاك الموحد الطائع؟ لا يستويان مثلاً، فإذا لابد هناك من دار آخرة فيها جزاء، وفيها محاسبة على كل ما يعمل الإنسان في هذه الحياة الدنيا. قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وهذا من تمام عدله سبحانه وتعالى، فإذا لابد أن يكون هناك يوم يجازى كل عبد بما عمل في هذه الحياة الدنيا. فإذا اليوم الآخر دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكذلك دلت عليه الأدلة العقلية. فهذا ما يذكره أهل العلم في الاستدلال على هذا الركن العظيم من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله أعلم. ترجمه نانسي قنقر.