شرح كتاب عقيدة الرازيين 5

شرح كتاب عقيدة الرازيين 5

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإيمان عند أهل السنة والرد على الفرق المخالفة

يستعرض المقطع تعريف الإيمان بأنه قول وعمل يزيد وينقص عند أهل السنة، ويرد على أقوال الجهمية والأشاعرة والكرامية والمرجئة والخوارج والمعتزلة بالأدلة النقلية. كما يبين الفرق بين منهج السلف ومناهج المتكلمين في باب الإيمان.

صفة الكلام لله تعالى وإثبات أن القرآن غير مخلوق

يقرر أهل السنة أن كلام الله صفة ذاتية فعلية ثابتة بالكتاب والسنة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. يستدل المقطع بآيات التفريق بين الخلق والأمر وإجماع السلف على تكفير من قال بخلقه.

مواقف الفرق الكلامية من القرآن والصفات الإلهية

يستعرض المقطع أقوال الجهمية والمعتزلة في نفي الصفات وزعمهم أن القرآن مخلوق، وينقل عن الأشاعرة والماتريدية قولهم إن القرآن عبارة عن كلام الله النفسي لا كلامه الحقيقي. يبين تناقض هذه الفرق في إثبات صفة الكلام دون السمع والبصر ورد السلف عليهم.

تحذير من القول بخلق القرآن وختم الدرس

يؤكد المتحدث عدم القول بخلق القرآن صوناً لثقة الناس بدينهم، وينتقد هذا الرأي واصفاً إياه بالكلام المتهافت المنسوب للجهمية. يختم الدرس بالإعلان عن استكماله في وقت لاحق.

  • 13 جمادى الآخرة 1447هـ - 03/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى قول الإمامين: البخاري، وبزار، دركنا العلماء في جميع الأمصار: أجازاً، وعراقاً، ومصراً، وشاماً، ويمناً. فكان من مذاهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. فدل على أنه قول، فاعلم أنه لا إله إلا الله، واستغفر لذنبك هو عمل، وللمؤمنين والمؤمنات. وأيضاً دلت دلالة على أن الأعمال من الإيمان، فما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية. قال: أو قول الله عز وجل: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، قال: لولا صلاتكم وإيمانكم. وأيضاً قول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس. فقال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، قال: صلاتكم. وقد ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عدة أبواب في كتاب الإيمان، بيّن أن الأعمال من الإيمان، فبوّب: الصلاة من الإيمان، الصيام من الإيمان، والحج من الإيمان، وغير ذلك، ليبين أن الأعمال من الإيمان. وإخراج الأعمال من الإيمان هو قول محدث مخالف للنصوص. وأما كذلك، فذكرنا مسألة الإيمان يزيد وينقص، وهو عند أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص. وأيضاً مسألة تتبعها، وهي أن الإيمان يتجزأ ويتفاوت، بخلاف قول أهل البدع أن الإيمان لا يتفاوت ولا يتجزأ. وأما كذلك، فذكرنا إشارة إلى أقوال أهل الفرق في مسألة الإيمان. فالجهمية يقولون: إن الإيمان هو معرفة القلب. وهذا قول باطل، فالله عز وجل قد ذكر عن فرعون وأصحابه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤]. فذكر أنها استيقنت أنفسها هذه الكلمة، لكن أنكروها وكفروا بها من باب العلو والاستكبار. فهذا يبطل قولهم، فعلى قولهم -كما قال العلماء- على قولهم أن فرعون مؤمن وأصحابه. ولهذا بعض الباطنية من الإسماعيلية الجهمية التزموا بهذا، كابن عربي وغيره. فابن عربي يجعل فرعون موحداً، سبحان الله! الله عز وجل ذكر كفره وذكر عناده، وهذا يجعلهم موحداً. بل أنه عرف الحقيقة لما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. انظروا إلى انتكاس الفطر! وهذا قول الجهمية. وأما الأشاعرة فيقولون: إن الإيمان هو التصديق. ويرد عليهم أن قولهم هذا يدل على أن أبا طالب مسلم ومؤمن. لماذا؟ لأنه صدق بقلبه، لكنه لم يدعن... صدق بقلبه لكنه لم يدعن، فمات مشركاً. فما بين ذلك الأحاديث... من هذه الأحاديث: حديث المسيب بن حزن، لما حضرت الوفاة أبا طالب، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا عم، قل لا إله إلا الله. وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميان، فقالا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال في آخر قوله: هو على ملة عبد المطلب، أي على الشرك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنهَ عن ذلك». فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]. فهذه أيضاً أنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وأما كذلك، فما جاء في الصحيحين أن العباس بن عبد المطلب قال للنبي عليه الصلاة والسلام: عمك أبا طالب كان يحنوك ويحميك، فهل تنفعه يوم القيامة؟ قال: «نعم، يكون في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». طيب، قال: فهذا في إيمان هؤلاء، أو تعريف الإيمان عندهم التصديق لغة وشرعاً. وأما كذلك، فالكرامية يقولون: إن الإيمان قول باللسان. الكرامية يقولون: إن الإيمان قول باللسان. وأما مرجئة الفقهاء فهم يقولون: إن الإيمان قول، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان. وهؤلاء أكثر المرجئة على هذا، على أن العمل لا دخل له في مسمى الإيمان، مع أن الآيات دلت على أنه من الإيمان. وأما الخوارج والمعتزلة، فأخرجوا الشخص بمخالفته في العمل، بالمعصية والكبيرة. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. هذه المسألة: مسألة الكلام، كلام الله عز وجل. وقبل ذلك: القرآن أنه كلام الله. فكلام الله عز وجل صفة ذاتية فعلية. صفة ذاتية فعلية: ذاتية بالنسبة إلى أن الله عز وجل يتصف، وأن يتصف بصفة الكلام. صفة ذاتية: أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته، فهذا يعتبر صفة ذاتية. وهذه الصفة الذاتية لا تنفك عن ذات الله جل وعلا، فهي متعلقة بالذات. وأما الكلام لله عز وجل صفة فعلية: متى شاء تكلم، يكلم أهل الجنة، وقال لأهل النار لما قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦-١٠٧]، فيقول الله عز وجل لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] إلى آخر الآيات. فهذا كلام الله عز وجل لأهل النار، وكلام معناه كلام توبيخ لهم. ولهذا أشكل على بعضهم هذا الكلام: كيف الله عز وجل يقول على الكفار أنه لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؟ فقال العلماء: قوله لا يكلمهم، أي كلام رحمة وكلام شفقة، لكن يكلمهم كلام توبيخ وشدة: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. فكلام الله عز وجل صفة ذاتية فعلية. وهناك عبارة يطلقها بعض أهل السنة، قد يجدها الإنسان في بعض كتب أهل السنة، واستجازوها لعدم معنى ما يكون فيه شيء من سوى الاعتقاد. يقولون: إن صفة الكلام قديم النوع، أو كلام الله قديم النوع حادث الأحاد. ومعنى قديم النوع: أي أن نوع الكلام صفة ذاتية في الله، صفة ذاتية في الله جل وعلا، أبدية أزلية لا تنفك عن ذات الله سبحانه وتعالى. وأما قولهم: حادث الأحاد، أي آحاد الكلام يحدث بعد إذ لم يكن، معنا كما ذكرنا: الله عز وجل يكلم أهل الجنة، يكلم أهل النار، يكلم موسى، وكلم نبينا عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك. فالله عز وجل متكلم، متصف بصفة الكلام، ويتكلم متى شاء. فهذا الذي دل عليه الأدلة. وأهل البدع خالفوا في هذا: إما أنهم نفوا صفة الكلام الذاتية، وهم السالمية وغيرهم من البدع، أو أنهم ينفون الصفة الفعلية، وهو قول الأشاعرة والكلابية والماتريدية، ينفون صفة الكلام الفعلية. وأما المعتزلة والجهمية، فهم ينفون الصفة نفسها، معنا لا يثبتون صفة ذاتية ولا يثبتون صفة فعلية. فهذا قول هؤلاء أهل البدع. وقول أهل السنة: كما قلنا، أنهم يثبتون صفة الكلام لله عز وجل على أنه صفة ذاتية فعلية. وقد أثبت الله عز وجل أنه متكلم سبحانه وتعالى، بل بكلمات عظيمة كثيرة: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، ما نفدت كلمات الله جل وعلا. فلهذا، فكلام الله عز وجل من صفاته، من صفات ذاته سبحانه وتعالى. وأما المسألة الأخرى التي ذكرها المؤلف هنا، وهي مسألة القرآن، وهذا حصل فيها خلاف شديد بين الفرق، فرق أهل الإسلام. وهنا ذكر مسألتين: مسألة القرآن أنه كلام الله غير مخلوق، وقوله أيضاً: بجميع جهاته، هذا يدل على مسألة أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى. أما قوله: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهذا الذي دلت عليه الأدلة. من هذه الأدلة: قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، حتى يسمع كلام الله. القرآن كلام الله، معنى المراد به القرآن، يسمع القرآن. قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، لأنه إذا آمن صار مؤمناً. وأما كذلك مما يدل على أن القرآن كلام الله، أن الله عز وجل قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. فقال: من أمرنا، ولم يكن من خلقنا. والله عز وجل قد غاير بين الخلق والأمر، فقال جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. الله عز وجل غاير بين الخلق وبين الأمر، فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئاً: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. والقرآن من أمر الله، من كلامه، وليس من خلقه، وليس من خلقه. وبهذه الحجة استدل بها الإمام أحمد على الجهمية، قال: أن الله عز وجل قال في القرآن: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾، ولم يقل من خلقنا. فوضعوا شبهة، فقالوا: كيف عيسى بن غريب؟ أيضاً قال الله عز وجل: ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [النساء: ١٧١]، هل عيسى أيضاً يعتبر من كلام الله؟ لا، هذا يعتبر جهلاً. الله عز وجل لما قال: ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾، أي كلمة الله عز وجل. عيسى خلقه الله بكلمته، قال له: كن فيكون. فهذه الكلمة هي من أمر الله. فعيسى مخلوق، لكنه خلقه الله عز وجل بكلمة. ﴿إِنْ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. فلهذا، فالأمر الذي خلق به عيسى هو: كن، كلمة الله. وكلمة الله من صفاته، ليست مخلوقة، وإنما من أمره. فلهذا فلا إشكال في هذا. فالقرآن كلام الله عز وجل. وأما قد جاء عن السلف أنهم قالوا: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وأول من ذكرت عنه هذه الكلمة هو... كما قلنا هناك صحابي، لكن أقصد هو عمر بن دينار. عمر بن دينار، وهو من التابعين، ذكر عنه أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. وجاء في بعض معنى كلام السلف: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقوله: منه بدأ، أي هو الذي تكلم به، فهو ينسب إليه، فيقال: كلام الله، لأنه تكلم به جل وعلا. منه بدأ، وإليه يعود، أيضاً يعود نسبته. وإليه يعود، أي تعود نسبة هذا الكلام، هذا قول الله، أو قال... قال بعضهم فسره: إليه يعود، أي أنه يرفع إليه. حديث بهريرة وأبي سعيد، أو حذيفة وأبي سعيد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليسري على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى منه آية في الأرض». يسرى على كتاب الله في ليلة، ليلة واحدة، يقبض كل القرآن ويرتفع، فلا يوجد في الصدور، ولا يوجد في المصاحف، ولا يوجد في أي مكان، يرفع هذا القرآن. فلهذا قال بعضهم يفسره: معناه هذا، قصد به السلف: هذا، وإليه يعود. والأول هو أصرح معناه: إليه يعود، أي أن نسبة الكلام تعود إليه جل وعلا. فهذه المسألة، مسألة القرآن، كما قلنا دلت الأدلة كما قد ذكرنا، وجاء عن السلف أنهم قالوا: القرآن كلام الله. جاء ذلك عن أئمة السلف جميعهم: مالك، سفيان الثوري، ابن المبارك، الأوزاعي، الليث، الشافعي، أحمد، أبو حنيفة، وغيرهم من أئمة الإسلام. لم يخالف في هذا إلا أهل البدع، لم يخالف إلا أهل البدع من المعتزلة، الذين أول من قال بهذه المقالة: أن القرآن مخلوق، أن القرآن مخلوق. ولهذا نكت عليهم الإمام أحمد، وتبعه من غيره، أنه قال: قال لهم: أفكر في هذا القرآن، إذا مات أين ندفنه؟ فأنكر عليه الخليفة المأمون، قال: كيف يموت؟ أو أقصد الواقف، قال: كيف يموت؟ قال: أنتم تقولون أنه مخلوق، وكل مخلوق يموت. أنا لو كان القرآن مخلوق فهو سيموت أيضاً. فقال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤]، كأنه رجع، تذكر أن هذا الكلام صحيح. ثم قام يشغب عليه ابن أبي دؤاد، وقال: اجلده يا... يا أمير... وكذا. فليس لهم حجة في أن القرآن مخلوق أبداً. بل كان السلف رحمهم الله يقولون: أن من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر. ولهذا لما ناظر الشافعي حفص الفرد، وقال بأن القرآن مخلوق، وكذلك لما ناظر بشر المريسي، فلما ذكر له أن القرآن مخلوق، قال: هذا كفر، هذا كفر. ولهذا لم يناظره بعد ذلك. كان الشافعي حاول أن يناظر بشر. ومن الطريف أن الشافعي جاء إلى بيت بشر، فلم يجده، وجد أمه، وقال لها: أين بشر؟ قالت: وما تسأل عن هذا الزنديق؟ أن أمه تقول أنه زنديق. قالت: وما تسأل عن هذا الزنديق؟ أش تريد من هذا الزنديق؟ لأنه كان يأتي بهذه العبارات، كانت أمه تخالف في هذا. وهذا من عدم التوفيق لهذا الرجل. ولهذا لما ناظره الشافعي رحمه الله، علم أنه زنديق، تأكد له أنه رجل زنديق. وكان سفيان بن عيينة يقول: هذه الدويبة، احتقاراً له، إهانة له. هذا مثل الدويبة التي تمشي، هي صغيرة. معنى أنه لا يعظم مثل هذا الرجل، الذي لم يدخل للتعظيم قلبه، لم يعظم كتاب الله، ولم يعظم الله جل وعلا. لهذا لما خلت قلوبهم من تعظيم الله وتعظيم كتابه، ذكروا أن القرآن مخلوق. وهؤلاء غالباً أنهم دسائس الجهمية، دسيسة. ولهذا ذكر الإمام البخاري رحمه الله في كتاب خلق أفعال العباد، بسناد صحيح، عن بعض السلف أنه قال: كنت عند جهم، فذكرنا قول الله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، الرحمن على العرش استوى. فقال: قال جهم: لو وجدت لو وجدت سعة أن أحك هذه الآية لحككتها. أنا سيحكها، عشان يمسحها من المصحف كله. أنا كأنه يقول: هذا دليل للمشبهة، كما يقولون. فهذا يدل على زندقته، وعلى خبثه. ولهذا تجد أنهم لا يراعون... كان جهم جاهلاً في دين الله. الجعد بن درهم كان عنده علم، وهو الذي قال بهذه المقالة، وأخذها عن رجل يقال له: طالوت. وهذا طالوت هو ابن عم... ابن عم ذلك اليهودي الذي سحر النبي عليه الصلاة والسلام، لبيد بن الأعصم. فأخذ هذه المقالة من هؤلاء الزنادقة، وأدخلها في دين الله. ولهذا قتله خالد بن عبد الله القسري، لما كان في بغداد. وأما جهم، فقتله سالم بن أحوز، لما خرج مع الحارث بن سريج على الدولة العباسيين. خرج جهم معه، فعلم سالم بن أحوز، وهو كان أميراً على البصرة للعباسيين، علم أن جهماً خرج مع الحارث بن سريج، فجهز جيشاً على أن يكفوا هذا الرجل الخارج، وقال لهم: إن أسرتم الجهم فأتوا به. فهزم جيش الحارث بن سريج، وجيء بالجهم إلى سالم بن أحوز، ويقال: سلم بن أحوز. فلما التقى به، قال: والله أنت لأحقر عندي من هذا، إلا أني سمعت مقالة عنك، عاهدت الله أني لا ألقاك إلا وأقتلك. سمعت مقالة عنك، عاهدت الله أني ما ألقاك إلا وأقتلك. فقتله. فهؤلاء كانوا زنادقة، ليسوا على علم. هذا الجهم، ذكر البخاري رحمه الله في خلق أفعال العباد، بإسناد صحيح، أن الجهم سئل عن عدة المطلقة غير المدخول بها، هل عليها عدة؟ قال: نعم، عليها عدة. أن خالف كتاب الله بجهله. الله عز وجل ذكر في سورة الأحزاب أنها ليس عليها عدة، وهذا ذكر أن عليها عدة. ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. طيب. أما كذلك هنا، مسألة الفرق الذين خالفوا في هذه المسألة، مسألة القرآن. فعم الجهمية، فصرحوا بأن القرآن مخلوق. وكذلك المعتزلة، لأنهم لا يرون صفات الله جل وعلا، ينفون صفات الله سبحانه وتعالى، وهم كذب. حتى هؤلاء المعتزلة، هم يقولون: أن الله عز وجل ليس له صفات، له أسماء لكن ليس له صفات، فهو عليم بلا علم، سميع بلا سمع. لكن ذكر لهم العلماء: صفة الوجود، هل الله عز وجل موجود؟ هي صفة أيضاً. إن قلتم أن كل صفة تكون في المخلوق فليست في الخالق، فصفة الوجود أيضاً في المخلوق، المخلوق موجود. فهل معنى ذلك أن الخالق غير موجود؟ لأنكم إذا أثبتتم صفة الوجود، فمعنى ذلك تناقضتم. فهم قالوا: لا، صفة الوجود تثبت عقلاً على أن الله عز وجل موجود، لكن وجوده ليس كوجود المخلوق. قال لهم أهل السنة: أيضاً نحن نقول هذا. نحن نقول: كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوق، وسمع الله عز وجل ليس كسمع المخلوق، فسمعه يليق بجلاله وعظمته. المخلوق صفاته كلها محدودة: كلامه محدود، سمعه محدود، بصره محدود. وأما الرب جل وعلا، فليس له حد في كلامه، ولا في سمعه، ولا في بصره، ولا في غير ذلك من الصفات. أما كذلك، قالوا: أن القرآن عبارة عن كلام الله، وخلاصة كلام الله، ليس أنه كلام الله، وإنما هو عبارة عن كلام الله. من الذي عبر بهذا الكلام؟ قالوا: جبريل. قالوا: جبريل عبر عما في نفس الله... لأشاعرة... لشك... من ذكرنا أنهم لا يثبتون الصفة الفعلية للكلام، يثبتون الصفة الذاتية: أن الله عز وجل يتصف بصفة الكلام. ليس أثبتتم صفة الكلام، ولم تثبتوا صفة السمع والبصر؟ قالوا: لا، لأن الكلام صفة تثبت بالعقل. ولهذا قال شيخ الإسلام: بأي عقل نحكم؟ هل بعقل الجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات، أم بعقل المعتزلة الذين نفوا الصفات، أم بعقل الأشاعرة الذين أثبتوا السبع الصفات؟ بمن نحتكم في العقل؟ وهذا يدل على تناقض عقولهم، وأن عقولهم فاشلة وقاصرة وباطلة، لأنها دخلت في شيء ليس لها أن تدخل فيه. الله عز وجل يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]. مدام الله عز وجل ذكر عن نفسه هذه الصفات، لماذا أنتم تنفونها؟ قالوا: ننزه الله. كيف تنزهون الله عن شيء ذكره بنفسه، ذكره عن نفسه سبحانه وتعالى؟ فالأشاعرة يقولون: كلام الله، أو القرآن عبارة عن كلام الله، معنى: عبر به جبريل. وكذلك الماتريدية، الماتريدية هؤلاء أكثرهم حنفية. هؤلاء الماتريدية يقولون: أن القرآن حكاية عن كلامه، ليس هو كلام الله، إنما حكاه جبريل. والحكاية تأتي غالباً بالمعنى. ولأنهم لا يثبتون صفة الفعل، وقالوا: أن الكلام، كلام الله، إنما هو الكلام النفسي. ليس يتكلم الله... حتى صفة الكلام التي يثبتها الأشاعرة والجهمية والمعتزلة وغيرهم، أو أقصد الأشاعرة والماتريدية، إنما يثبتون صفة... يقولون: أن كلام الله كلام نفسي، ليس صفة معنى يتكلم بها الله عز وجل بصوت وحرف. لا، يقولون: ما هو كلام نفسي؟ ومعنى كلام نفسي: أنه في نفسه. كيف يسمعه جبريل؟ وكيف سيبلغه جبريل؟ فاحتاروا هنا. قالوا: أن الله عز وجل يحكي كلامه في معنى... هذا القرآن حكاه في قلب جبريل، مثل ما فعله في التوراة والإنجيل، كل حكاية. طيب، كيف الله عز وجل يقول: يا موسى، أنا ناداه، وموسى سمع نداء الله، وكلم الله عز وجل: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]؟ قالوا: إنما خلق الله كلامه في الشجر. والجهمية يقولون: خلق الله كلامه في الهواء. أنا كل واحد يدور له مكان يضع فيه الكلام. الله عز وجل، كما قال بعض السلف رداً على هؤلاء: الله عز وجل قال: قال موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. هل الشجرة تستطيع أن تقول هذا؟ هل الشجرة تقول: إنني أنا الله؟ فلهذا هؤلاء أهل باطل، ولم يستطيعوا أن يقيموا الحجة على باطلهم. فلهذا هؤلاء الأشاعرة قالوا: عبارة عن كلام الله. والماتريدية قالوا: حكاية عن كلام الله. وأصل قول الأشاعرة: أن القرآن مخلوق، أصل قولهم. لكنهم ما يصرحون. ولهذا قال الإيجي، الإيجي في كتابه المواقف، وهذا كما يقول دستور الأشاعرة، يعتبر من دساتير الأشاعرة. فقال الإيجي: أصل قولنا أن القرآن مخلوق، أن القرآن مخلوق. لكن نحن ما نقول مخلوق، لألا ننزع ثقة الناس في القرآن، حتى لا ننزع ثقة الناس في القرآن، ما نقول أنه مخلوق. انظر إلى هذا الكلام المتهافت، وهو كلام الجهمية. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً.