كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 4

الدرس في كتاب الزكاة وأسرارها وما يتعلق بها 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

آداب القابض للزكاة وشروط استحقاقها

يبيّن المقطع أن الزكاة لا تُعطى إلا للأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة، ويذكر آداب الآخذ بأن يفهم أن الزكاة رزق من الله ليُفرغ همّه لطاعة الله. كما يجب شكر المعطي والدعاء له بمقدار السبب دون غلو، وعدم احتقار العطاء وإن قل أو كان فيه عيب بل يستره ويعظمه.

آداب تلقي الزكاة وأحكام المال المشتبه

يؤكد المقطع أن النعمة تُنسب لله وحده لا للواسطة، ويبين أحكام أخذ المال فيحرم أخذ المال الحرام الصريح حتى مع شدة الحاجة. أما المال المشتبه فيترك ورعاً إلا في حال الضرورة القصوى، وإذا تبين لاحقاً أنه حرام وجب رده لصاحبه أو التصدق به.

ضوابط استحقاق الزكاة وحد الكفاية المانع

يبين المقطع أن الفقير يأخذ من الزكاة قدر حاجته فقط ولا يزيد، ويجب رد الفائض، ويحدد ضابط الغنى المانع من الزكاة بامتلاك كفاية سنوية دائمة من راتب أو تجارة أو صناعة. فمن ملك كفاية سنته لم يجز له الأخذ، ومن لم تكفه سنته جاز له الأخذ ولو ملك مسكناً أو مركبة، كما أفتى بذلك الشيخان ابن باز وابن عثيمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وبعد ذكره للوظائف التي ينبغي أن يراعيها مريد الآخرة في زكاته، قال: فصل في آداب القابض، يعني من يستحق هذه الزكاة وتلك الصدقة، فله آداب ينبغي أن يتحلى بها. قال: لابد أن يكون آخذ الزكاة من الأصناف الثمانية، وعليه في ذلك وظائف. وهذا تنبيه من المؤلف مهم: ليس كل أحد يُعطى الزكاة والصدقة، فالله عز وجل بيّن لنا الأصناف الذين يستحقون هذه الزكوات كما في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. فذكر ربنا عز وجل ثمانية أصناف يستحقون هذه الزكاة، فمن كان من هذه الأصناف الثمانية حل له أن يقبل الصدقة، ومن لم يكن من هذه الأصناف الثمانية لا يحل له أن يأخذ الصدقة أو الزكاة. قال: وعليه في ذلك وظائف، يعني آداب يتحلى بها. الأولى: أن يفهم أن الله تعالى أوجب صرف الزكاة إليه ليكفيه ما أهمه، ويجعل همومه همًا واحدًا في طلب رضى الله عز وجل. يعني يعلم هذا الآخذ أن هذه الزكاة رزق، أن هذه الزكاة رزق ساقه الله إليه ليقوم بشؤون دنياه، ولا يهتم بأمر رزقه. فالمسلم يجعل الهم همًا واحدًا وهو طاعة الله، وهو التقرب إلى الله عز وجل، وهو رضى الله سبحانه وتعالى. فينبغي لآخذ الزكاة أن يراعي هذا الأدب، وأن يستعين بهذا المال على طاعة الله، أن يستعين بهذا المال على طاعة الله سبحانه وتعالى. ولذلك أردف المؤلف رحمه الله الوظيفة الثانية، قال: الثانية أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه، وليكن ذلك بمقدار شكر السبب. فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله، كما ورد في الحديث، والحديث ثابت رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فإن علمت المعطي لك هذه الزكاة، تدعو له وتثني عليه لأنه صنع إليك معروفاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له»، وفي رواية: «فقولوا له: جزاك الله خيراً، جزاك الله خيراً». وقوله: وليكن ذلك بمقدار شكر السبب، يعني لا يكون هذا الثناء وهذا الدعاء متعلقاً بهذا السبب دون مسبب هذا السبب وهو الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل هو الذي أمر هذا المعطي أن يخرج زكاة ماله، والله عز وجل هو الذي ساق لك هذا المعطي أن يعطيك ماله أو أن يعطيك زكاة ماله. فالسبب الحقيقي والمعطي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، فلا تتعلق بالسبب، وإنما تشكر ذلك المعطي بمقدار شكر السبب، وبمقدار الشرع، لا تتجاوز في ذلك. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»، فشكر من صنع إليك معروفاً من شكر الله سبحانه وتعالى. قال: ومن تمام الشكر ألا يحتقر العطاء وإن قل، ولا يبديه ويغطي ما فيه من عيب، فهو محسن، هذا المعطي محسن إليك. فإن كان هذا العطاء قليلاً لا تحتقر هذا القليل، أو كان هذا العطاء كذلك فيه شيء من العيب، فلا تظهر هذا العيب، وإنما تغطيه وتستره. فهذا أيضاً من الآداب التي ينبغي أن يراعيها القابض. قال: وكما أن وظيفة المعطي الاستصغار كما تقدم، المعطي مهما أعطى ولو كانت أموال كثيرة، تقدم معنا أنه لا يستعظمها وإنما يستصغرها. فهذا المعطي قال: فوظيفة المعطى الاستعظام، يعني أن يعظم الشيء ولو كان قليلاً، هذا وظيفة المعطى القابض. قال: وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل، يعني لا تنسب هذه النعمة إلى ذلك المزكي، فإن المنعم هو الله عز وجل كما تقدم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. فهذا معنى قوله: وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل. ثم قال: فأما من لا يرى الواسطة واسطة فهو جاهل. ومعنى كلامه هذا: يعني من لم يبالي بالمعطي المزكي، أن بعض الناس ربما يقول: هذا حق الله، ولا يعني يرى أن للمعطي عليه منه، وأن المعطي خصه دون غيره بهذه الزكاة، فهذا جهل. فهذا معنى قوله: فأما من لا يرى الواسطة واسطة فهو جاهل. قال: وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلاً. وما معنى المنكر أن يرى الواسطة أصلاً؟ يعني يتعلق بهذا السبب، يتعلق بهذا السبب، ولا ينسب هذه النعمة إلى الله عز وجل، ولا يشكر الله عز وجل، إذ دفع بناصية هذا المزكي حتى دفع إليه المال. هذا هو مراد المؤلف والله تعالى أعلم. قال: الوظيفة الثالثة: أن ينظر فيما يعطاه، فإن لم يكن من حل لم يأخذه أصلاً. يعني إن كنت تعلم أن المعطي هذا ماله حرام، كأن يكون من كسب محرم، من مخدرات أو من خبائث، أو كذلك من نصب واحتيال، أو من ربا، أو نحو ذلك، فلا يحل للقابض أن يأخذه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وقوله: لم يأخذه أصلاً، يعني لم يأخذه لا القليل ولا الكثير. قال: لأن إخراج مال الغير ليس بزكاة، يعني المال الذي هو محرم ليس مال المزكي أصلاً، إنما أخذه على الغير، أخذه على الغير بباطل، فهذا ليس فيه زكاة أصلاً. قال: وإن كان من شبهة تورع عنه إلا أن يضيق عليه الأمر. ومعنى من شبهة: يعني ليس محرماً واضحاً، كأن يكون هذا المزكي له كسب حلال وله كسب حرام، فاختلط ماله من الحلال والحرام. هذا فيه شبهة، ما تدري هذا المال الذي أعطاك أهو من الحلال أو من الحرام؟ ففيه شيء من الشبهة، فالأفضل والأكمل أن تتورع عن أخذ هذا المال، أن تتورع عن أخذ هذا المال. واستثنى هنا المؤلف حاله، قال: إلا أن يضيق عليه الأمر. يعني كأن يكون في حاجة ماسة، يعني ما يجد صدقة، يأتي هذا المال مرة، يعني يعيش في ضائقة شديدة وفي فقر مدقع، فهو بحاجة ماسة إلى هذا المال. وهذا المال ليس حراماً خالصاً، إنما هو فيه نوع شبهة. فإذا كان الحال كذلك، فقال العلماء: لا بأس. أما إذا كان المال واضحاً أنه يعني محرم، مثل ما مرت فترة أو ناس أخذوا أموال من البنوك ثم جاءوا وزعوها على الناس، طيب هذه أموال خالصة محرمة واضحة لأنها جاءت من مال الغير، ليس من مالهم. فهذا ليس فيه شبهة، لأن بعض الناس يقول: يا أخي فلان أعطوا من هذا المال وهو بحاجة، مر عنده فقر مدقع. يقال: نعم، ولو كان عنده فقر شديد، طالما أن المال حرام خالص لا يجوز له أن يترخص في أخذه، لا يجوز له أن يترخص بأخذه. لكن إذا كان المال فيه شبهة، يعني اختلط الحلال بالحرام، وما يدري هل هذا المال من الحلال أو من الحرام، فهنا الورع أن يتركه. لكن إذا كان يضيق عليه الأمر وهو بحاجة ماسة إلى هذا المال، فهنا يجوز له أن يأخذ. فنفرق بين المسألتين، بارك الله فيكم. قال: فمن كان أكثر كسبه حراماً فأخرج الزكاة، ولم يعرف لما أخرجه مالك معين، أو لم يعرف لما أخرجه مالك معين، كانت الفتوى فيه أن يتصدق به. ويريد بهذا: إذا ما علمت أن هذا المال محرم، وإنما فيه شبهة، ثم تبين لك أنه من المال المحرم، فهنا لا تنتفع بهذا المال. إن عرفت هذا المتصدق رددت إليه المال، وإلا تصدقت به وأخرجته وأخرجته. قال: فيجوز لهذا الفقير أن يأخذ قدر حاجته عند ضيق الأمر، عند ضيق الأمر عليه وعجزه عن الصافي. يعني إذا ما استطاع أن يميز، فهنا يجوز له كما تقدم أن يأخذ، والورع أن يترك. قال: الرابعة: أن يتوقى مواقع الشبه في قدر ما يأخذ، فيأخذ القدر المباح له ولا يأخذ أكثر من حاجته. فإن كان غارماً لم يزد على مقدار الدين. ويريد بهذا: لو أنك مثلاً غارم عليك دين، هذا الدين مثلاً مئة ألف، هذا الدين مئة ألف، فجاء عندك شخص وقال: سمعت أن عليك دين، فخذ هذا مئة وعشرين أو مئة وخمسين، سدد بها دينك. فأخذت هذا المئة وعشرين أو مئة وخمسين، سددت مئة، بقيت عشرين أو خمسين، فهذا لا يجوز لك أن تأخذها، لأنه أعطاك لغرض معين وهو سداد الدين. طيب قد يقول: أنا كذلك فقير أو مسكين، فيقال له: استأذن من صاحب المال، قل: لو أنت أعطيتني من أجل الدين، والدين هو مئة، الآن زادت خمسين، هل يعني تأذن أن أستخدم هذا المال لأنني بحاجة إليه؟ فإن أذن لك أخذت هذا المال، وإلا فلا يجوز لك أن تأخذه. تأخذ من الزكاة بقدر حاجتك، بقدر حاجتك. وسيبين المؤلف ضابط الحاجة. قال: أو غازياً لم يأخذ إلا بمقدار ما يحتاج إليه، يعني في سبيل الله ما يحتاج إليه في جهاده. فإذا فضل مال من هذا المال الذي يخصص للغزو رد الباقي. قال: وإن أخذ بالمسكنة، يعني لأنه مسكين، أخذ قدر حاجته دون ما يستغني عنه. وكل ذلك موكول إلى اجتهاده، والورع ترك ما يريب، يعني ما يشك فيه الإنسان، ما يشك فيه الإنسان. فلو كنت مسكيناً تحتاج في السنة مليون ريال، هذا يكفيك في سنتك، فجاءتك الزكاة مليون وخمسمائة أو مليونين، فالواجب عليك أن تتخلص من الفائض، لأنك لا تحتاجه ولا تستحقه، لأنك قد استغنيت عن حاجتك. قال: واختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، يعني ما هو ضابط المسكين الذي يستحق إعطاء الزكاة، ويصح أن نقول في حقه أنه مستغن عن الزكاة، ما هو ضابط ذلك؟ قال: اختلف العلماء في قدر الغنى المانع من الزكاة، والصحيح فيه أن يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة أو صناعة أو أجر عقار أو غير ذلك. وإن كان له بعض الكفاية أخذ ما يتممها، وإن لم يكن له ذلك أخذ ما يكفيه. قال: وليكن ما يأخذه بقدر ما يكفي سنته، ولا يزيد على ذلك. وإنما اعتبر بالسنة لأنها إذا ذهبت جاء وقت الأخذ، وإذا أخذ الأكثر منها ضيق على الفقراء. هذا هو الضابط، ضابط المسكين: من لا تحوزه حاجة في سنته، لا تحوزه حاجة في سنته، يعني تمر عليه السنة ولا تأتيه ضائقة أو يحتاج إلى أن يأخذ مال دين أو أن يسأل غيره، فعنده من الوظيفة، من الراتب ما يكفيه، أو عنده من الصناعة والتجارة ما تكفيه، أو عنده من الحرفة ما تكفيه في سنته، فهذا لا يجوز له أن يأخذ الصدقة أو الزكاة لأنه مستغن في سنته، مستغن في سنته. وأما من لم يكن مستغناً في سنته، تأتيه ضائقات وتأتيه أزمات في سنته، فهنا يجوز له أن يأخذ. ولذلك أفتى العلماء كالشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز أن الموظف إذا كان راتبه لا يكفيه وهو مدين عند بعض المحلات أو نحو ذلك، فيجوز أن يعطى من الزكاة، وإن كان موظفاً، وإن كان يملك بيتاً أو يملك مواصلات خاصة به أو نحو ذلك. فقد قال الله عز وجل في القرآن: ﴿ وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمُسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ﴾، فهم مساكين، ومع هذا يملكون هذه السفينة، يملكون هذه السفينة. فالمسكين أحسن حالاً من الفقير، فالمسكين ربما يملك دراجة، يملك سيارة، يملك بيتاً، ولكن لا يكفيه راتبه أو حرفته أو مهنته أو تجارته في سنته، فهنا يجوز أن يعطى. ومن كان ذا كفاية فلا يجوز له أن يعطى، ولا يجوز له أن يأخذ. هذا هو الضابط الذي ذكره المؤلف وهو الصحيح، وعليه كثير من العلماء، منهم الشيخ العثيمين وكذلك الشيخ ابن باز وغيرهما من كبار العلماء. طيب نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.