الدرس في قصة إسماعيل عليه السلام 3، إسماعيل - عليه السلام - صفاته وبناؤه للكعبة ووفاته . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شارك إسماعيل عليه السلام أباه إبراهيم في بناء الكعبة، وكان معروفًا بصفات حميدة مثل الصدق في الوعد وأمر أهله بالصلاة والزكاة. كان إسماعيل نبيًا رسولًا ودعا القبائل العربية إلى التوحيد.
كان إسماعيل عليه السلام مرضيًا عند ربه، صابرًا، حليمًا، وقد فضله الله وجعله قدوة للناس. بعثه الله لدعوة القبائل العربية إلى شريعة الله.
توفي إسماعيل عليه السلام وعمره 136 سنة، واختلف في مكان دفنه. كما تم توضيح أن "حجر إسماعيل" ليس له علاقة بإسماعيل عليه السلام تاريخيًا، بل هو جزء من بناء الكعبة.
تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى احتمال الانتقال لنبي آخر في الدرس القادم، وختم بالصلاة على النبي محمد. يشير إلى نهاية الحديث عن إسماعيل عليه السلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه السلسلة المباركة في ذكر قصص الأنبياء والرسل، وكنا ولازلنا في قصة نبي الله إسماعيل عليه السلام، وأشرنا إلى أهم أحداث مراحل حياته، بدءًا من مولده، ثم من نشأته، وما كان من أهم الحوادث التي جاء ذكرها في القرآن والسنة، من مسألة الذبح، وهكذا من مسألة التطليق أو تزويج من الزوجة الأولى ومن الزوجة الثانية، وهكذا ذكرنا الكثير من الأمور. ومما يذكر كذلكم في حوادث إسماعيل عليه السلام ما كان من بناء الكعبة، وهذا الحدث نعم قد مضى معنا حين أن تكلمنا حول إبراهيم عليه السلام، لكن كذلك هذا الحدث العظيم فإن لإسماعيل عليه السلام تعلق، وجاء ذلكم في صحيح البخاري أن إبراهيم عليه السلام كان من زياراته التي كان يتخللها بين الفينة والأخرى لزيارة إسماعيل في مكة، أنه جاءه يومًا من الأيام، فالتقي الأب مع الابن. فجاء في الحديث فصنع كل واحد منهم كما يصنع الوالد مع الولد والولد مع الوالد مع طول الفراق، ثم قال إبراهيم عليه السلام لابنه: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال إسماعيل: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال إسماعيل: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها مساحة فيها ارتفاع مقارنة بما حولها من المنطقة. أي أن هذا هو مكان البيت الذي سيكون هو بيت الله جل في علاه، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، أي الأساس بدأ في صنع الأساس الذي من خلاله سيرفع قوام هذا البيت المعظم. فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاءوا بهذا الحجر وهو المعروف بعد ذلك بمقام إبراهيم الذي قام عليه إبراهيم عليه السلام. فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، كان يأتي بالحجارة يجمع ثم مع تطاول البنيان أخذ يناول أباه الحجارة وإبراهيم عليه السلام يستكمل البناء. قال: وهما يقولان ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فجعل يبنيان حتى دورا البيت، فكان هذا من شأنهما. فالشاهد من هذا الحادثة أن هذه من الحوادث العظيمة أن تعلم يا عبد الله إذا مررت ببيت الله حاجًا أو معتمرًا أن تعلم أن إسماعيل عليه السلام له لمسات في هذا البيت المعظم. أيضًا مما أذكره من المباحث المهمة أن نشير إلى بعض الصفات العظيمة التي اتصف بها إسماعيل وجاء ذكرها في القرآن في بيان عظيم هذه الخصال التي جبل الله عز وجل عليها هذا النبي الكريم. فمن صفاته العظيمة عليه السلام أنه كان صادق الوعد، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. صفة عظيمة، وقد قال العلماء في شرح هذه الآية وهذه الصفة أن إسماعيل كان صادق الوعد في الوعد الذي يبرمه، يبرمه سواء كان وعدًا مع ربه أو وعدًا مع أحد من خلق الله، إذا قطع وعدًا نفذ. وهذا واضح من خلال ما مضى معنا في قضية الذبح حين وعد أباه أنه سيمكنه من ذبحه. فلما أسلم أو جعل رقبته لأبيه يفعل ما يشاء وفى بوعده، وهكذا حين مضى في قصة بناء الكعبة قريبًا عينما قال: أتعينني؟ قال: أعينك، ووفى عليه السلام بوعده لأبيه فقام وبنى معه البيت حتى فرغ منه. فكان من عظيم صفاته أنه كان صادق الوعد. وأيضًا من صفات إسماعيل عليه السلام أنه كان يدعو أهله خاصة بالخير، يخصهم بالنصيحة ويخصهم ويخاطبهم بنصحه، كما قال سبحانه وتعالى واصفًا إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. يأمر أهله، فقال العلماء في شرح هذه الآية: على أن إسماعيل عليه السلام لم يكمل أو يتكمل في نفسه بصفاته العظيمة وإنما أيضًا كمل غيره، كمل أهله وحرص على أنهم من أهل الدين ومن أهل الشريعة. فكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة. وثالثًا مما جاء في وصف إسماعيل عليه السلام أنه مرضي عند ربه، كما قال سبحانه وتعالى واصفًا إياه: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وهذه منزل علية، ما ينالها إلا الخلص من عباد الله، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، لما كان إسماعيل عليه السلام مسارعًا إلى مرضاة ربه مجتهدًا على هذا المقام كان الجزاء أن الله عز وجل رضي عنه وجعله من عباده المقربين. وأيضًا الصفة الرابعة من صفات إسماعيل عليه السلام أنه كان صابرًا، كان محتسبًا، وقد جاء هذا الوصف في كثير من الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. أي كل هؤلاء الذين ذكروا وعلى رأسهم إسماعيل كانوا من عباد الله الصابرين. وهذه شهادة من الله عز وجل في بيان مدى صبر إسماعيل. وقد جاهدنا وسمعنا في قصة ذبحه عندما طلب منه أبوه هذا المطلب الشديد: ﴿إِنِّي أَذْبَحُكَ﴾. فصبر واحتسب وضحى بنفسه قربانًا لله جل في علاه. وكانت هذه الصفة من الصفات العظيمة لنبي الله إسماعيل. وخامسًا كذلك مما يذكر من صفات إسماعيل أنه كان حليمًا، كما قال سبحانه في بشارة إبراهيم عليه السلام: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾. وهو إسماعيل، فبشر إبراهيم بأن الله سيرزقه بغلام، وأن هذا الغلام من صفاته العظيمة الذي سينشأ عليها الحلم. والحلم يأتي بمعاني عظيمة منها معاني التثبت والتأني والتؤدة وأنه يعالج الأمور بحكمة وروية، هذا هي من صفات الحلماء، وعلى رأس الحلماء إسماعيل عليه السلام. وأيضًا الصفة السادسة من صفات إسماعيل عليه السلام أن الله عز وجل حباه بالنبوة والرسالة، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. جمع الله عز وجل لهذا النبي الجليل جمع له بين النبوة والرسالة. وهنا تأتي مسألة: إلى من بعث إسماعيل عليه السلام؟ قال العلماء: بعث إلى القبائل العربية الذي أرسل إليهم كقبيلة جرهم والعماليق وغيرهم. وقالوا كذلك: وأرسل إلى أهل اليمن، فهم بعوث إلى هذه الناحية، أرسل إلى هذه الناحية. وبماذا بعثه الله؟ بعثه الله عز وجل بالوحدانية والطاعة لله جل وعلا وامتثال شريعة رب العباد. إذن هل كان إسماعيل يهوديًا أو كان نصرانيًا كما يدعي اليهود والنصارى؟ لا، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا بنص القرآن. بل إن الله عز وجل برأ إسماعيل عن هؤلاء وعن هؤلاء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾. الجواب: لا ليس لهؤلاء ولا إلى هؤلاء، وإنما إسماعيل أتى بالديانة التي أتى بها إبراهيم وهي الحنيفية السمحة. وأيضًا سابعًا وهي من آخر ما أذكره من صفات إسماعيل عليه السلام أن الله عز وجل فضله على غيره، وهذه كذلك منزلة شريفة منيفة، أن الله عز وجل جعله قدوة وأسوة، وفيه من معالم التفضيل ما فاق به على غيره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. هؤلاء الذين أشارت لهم الآية القرآنية من صفتهم العظيمة أن الله فضلهم على جميع الخلائق. ولما تحدث المفسرون عن مسألة تفضيل إسماعيل ما هو أوجه التفضيل؟ ذكروا عدة أمور، ومما أشار إليه العلماء من أسرار تفضيل إسماعيل عليه السلام على غيره، قال العلماء: أنه كان أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب وهو الشعب العربي. هو أبو العرب وأبو الشعب العرب كما وصفه العلماء بهذا، قال: هو أبو الشعوب، وهو والد سيد ولد آدم محمد عليه الصلاة والسلام، فهو جده الأعلى. لأن إسماعيل عليه السلام لم يأت من ذريته وممن تناسل من صلبه عبر الأجيال سوى نبي واحد وهو نبينا عليه الصلاة والسلام. فنبينا قد خرج من إسماعيل من إبراهيم عليه السلام. وهنا تأتي فائدة، بما أننا نتحدث عن العرب، ذكر العلماء فائدة مفادها على أن العرب كل عربي مرجعه في أصله ونسبه يعود إلى أحد أصلين: إما إلى عدنان وإما إلى قحطان. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: ولا يخلو أحد من العرب من أن ينتمي إلى أحدهما ولابد، إما إلى هذا عدنان أو إلى هذا قحطان. واتفق العلماء أهل الأنساب على أن عدنان هو من صلب إسماعيل، وهذا بالاتفاق. أما قحطان، فقد وقع الخلاف بين أهل العلم: هل قحطان هم من ذرية إسماعيل من العرب المستعربة أم أنهم من بقية العرب العاربة؟ ولسنا في مقام بسط هذا المبحث. إخواني في الله، نختم به ما يتعلق بسيرة إسماعيل عليه السلام وما يتعلق بوفاته. متى أو في أي عمر توفي إسماعيل عليه السلام؟ أكثر الروايات وأكثر الكتب المطولة من كتب التاريخ والسير تتحدث على أن الله عز وجل توفى إسماعيل وهو عن عمر مئة وستة وثلاثين سنة. توفاه الله وعمره بهذا السن، كما قلنا هذا المشهور، أشار إلى ذلك ابن كثير وأصحاب الكتب وابن هشام وابن إسحاق. وكل واحد تكلم ما يخرج عن هذا الرقم أن عمره كان مئة وستة وثلاثين سنة. وذكر العلماء مسألة أدق وهو أين دفن؟ قالوا: إن إسماعيل دفن بالحجر، وهو معروف الآن بحجر إسماعيل. من ذهب إلى مكة وطاف بالبيت يرى البيت الكعبة ثم يرى سور جدار هذا الآن مشهور بحجر إسماعيل. قيل: أنه توفي ودفن في هذا المكان. هنا وقفة لهذه المسألة، واختم به المجلس. هذه المسألة إخواني في الله ينبغي أنا إنما ذكرتها للشهرة، وأذكرها هنا من باب التصحيح. هذه المسألة والتي صحح قد تناقلها بعض العلماء أنها لا يستطيع صحيحة. فإن إسماعيل عليه السلام لا يعرف أين دفن، فما عندنا روايات صحيحة تدل على محل ومكان دفنه هو. نعم دفن في مكة لأنه بكى في مكة، لكن أين تحديدًا الله أعلم. ومن زعم أنه دفن في هذا المكان فهذا يحتاج إلى دليل، بل هذا أبطل ما يكون. كيف أن الله عز وجل يجعل قبلة المسلمين ويجعل قبلة الموحدين إلى قبر آدمي قبر مدفون في هذا المكان؟ هذا لا يمكن. وهذا وأن دعوة الأنبياء والرسل من أبعد الدعوات من إدخال الناس فيما فيه مزاحمة لوحدانية الله وعبودية الله جل وعلا. إذن هذا لا يجوز. الأمر الثاني من باب إضاح هذا الخطأ أن هذه النسبة كذلك النسبة وهي اللفظة التي يقول فيها القائل بأنه حجر إسماعيل يقال: أن هذه اللفظة هي في الحقيقة غلط. لأن ما هو هذا الحجر؟ ما قصته؟ حجر إسماعيل أو حجر بمعنى العام؟ هذا الحجر إنما جاء في زمن قريش، وذلك عندما أرادت قريش أن تهدم الكعبة وأن تبنيها من جديد، وجدت أن الأموال التي بين أيديها لا تنهض إلى بناء الكعبة من أساسها إلى آخرها، ما يستطيعون النفق قليلًا. ولهذا آثروا على أنه يبنون شيء من الكعبة بمقابل يتركون جزءًا من الكعبة. فوصل بهم الأمر إلى أنهم يتركوا الجهة الشمالية من الكعبة. لماذا الجهة الشمالية؟ قالوا: ليس فيها الحجر الأسود، الجهة التي فيها الحجر الأسود يبقى كما هو، وإنما البخص يكون من الجهة الأخرى وهي الجهة الشمالية. ولهذا بدأوا فأخرجوا ما يقارب ستة أذرع ونصف هذا أخرجوا من الكعبة وبنوا الكعبة إلى هذا الجزء الباقي. وأما هذا المكان الساقط من الكعبة وضعوا فيه هذا السور إشارة منهم إلى أن حدود الكعبة تصل إلى هذا المكان. فسمي حجرًا، أي هذا حجز، إشارة لك يا أيها الزائر يا معتمر يا حاج أن هذا من حدود الكعبة. ولهذا جرت الناس على هذا سنوات إلى هذه، قد يقول قائل: لماذا ما غير؟ لماذا ما وسع؟ وقد وسع الله على بلاد الحرمين. قل: هذه لأمر يقول ذكره، ولست في مقام ذكر تاريخ الكعبة، لكن نفهم هذا الحجر ما قصته؟ إذن الحجر متى ظهر؟ ظهر في زمن قريش، وأين إسماعيل؟ إسماعيل بينه وبين هذه الحادثة مئات السنين، فكيف بعد ذلك يضاف ويقال: حجر إسماعيل؟ ومن هنا قال الشيخ نوع سيمين رحمه الله قائلًا في بيان: «لكنه أي هذا المقام يسمى الحجر والحضيض، ولا يضاف إلى إسماعيل مطلقًا»، أي ما يجوز أن نقول هذا حجر إسماعيل، لأن إسماعيل ما له علاقة. زد على ذلك أن هذا يوهم الناس أن إسماعيل دفن في هذا المكان، وهو لم يدفن في هذا المكان. هذا خلاصة ما أذكره حفظكم الله حول أهم ما يذكر في حياة إسماعيل عليه السلام. وإن شاء الله في درس غد إذا أطال الله في الأعمار ننتقل إلى نبي ورسول آخر. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.