قصة إسماعيل عليه السلام 2

قصة إسماعيل عليه السلام 2

الدرس في قصة إسماعيل عليه السلام 2، إسماعيل الذبيح - عليه السلام - وزواجه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أمر الله تعالى بذبح إسماعيل

يتناول هذا الفصل قصة ذبح إسماعيل عليه السلام حيث أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، وامتثل إبراهيم لأمر ربه واستسلم إسماعيل لقضاء الله. ثم فدى الله إسماعيل بكبش عظيم، ويبرز عظيم طاعة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لأمر الله تعالى.

تحديد الذبيح إسماعيل عليه السلام

يتناول هذا الفصل قصة الذبيح ويبين أن إسماعيل عليه السلام هو الذبيح وليس إسحاق، مستنداً إلى سياق القرآن الكريم وإجماع أهل الكتاب على أن إسماعيل هو الابن الأول لإبراهيم عليه السلام، مع ذكر بعض الاختلافات في ذلك.

دعوة إبراهيم لزوجة إسماعيل وبركة الطعام والشراب

يروي هذا الفصل قصة إبراهيم عليه السلام عندما زار إسماعيل عليه السلام في مكة، حيث دعا لزوجة إسماعيل بالبركة في طعامهم وشرابهم بعد أن أثنت على الله خيرا، ويشرح أهمية الشكر والحمد لله تعالى.

ختام الدرس والدعاء

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الدرس أو الموضوع المطروح، مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.

  • 19 جمادى الآخرة 1447هـ - 09/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، نستدرك إخواني في الله عن درس أمس في هذا المقام ما يتعلق باستكمال قصة إسماعيل عليه السلام. أشرنا في الدرس الأول ما يتعلق بمولد هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وها نحن في هذا الفصل نذكر شيئا من حالة شبابه عليه السلام، حيث شب وتربى وترعرع. فمن أعظم حوادث هذه الفترة لإسماعيل عليه السلام ما كان من زيارة أبيه إبراهيم. قلنا أن إبراهيم ترك أهله في مكة ثم ذهب إلى أرض الشام إلى فلسطين، إلا أنه كان بين الفينة والأخرى يتعاهدهم بالزيارة. ففي فترة شباب إسماعيل زارهم إبراهيم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾. أكثر العلماء على أن هذه المرحلة تتحدث عن عمر إسماعيل ما بين الثالثة عشرة أو أربعة عشر سنة، هو هذا السن الذي يكون فيه الغلام يسعى في مصالح أهله. لما بلغ معه السعي، في هذه الفترة جاء إبراهيم إلى ابنه، لكن جاء بأمر عظيم. ماذا هو؟ قال: «يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك». القتل يعني أني أقتلك. قد يقول قائل: أليست هذه رؤية منامية؟ نعم هي رؤية منامية، لكنها في حق الأنبياء قال عليه الصلاة والسلام: «رؤية الأنبياء حق». وفي رواية ولفظة: «رؤية الأنبياء وحي». هذا وحي الله عز وجل إذا أوحى إلى الأنبياء، أنزل مناما هذا المنام وحيا. فأوحى الله إلى إبراهيم أن يقوم بذبح ابنه، وكان هذا أمرا عظيما جدا. وإبراهيم في حالة خاصة، قد كبر سنه ورق عظمه، ولم يأتيه الابن كما مر معنا في الدرس الماضي إلا وقد بلغ من السن عتيا، وقد تعلق قلبه بابنه. ومع ذلك يأتيه الأمر الرباني: «إذبح ابنك». ومع ذلك قام إبراهيم. لما علم بأمر ربه طلب من ابنه طلبا. بإمكان إبراهيم أن يجذبه جذبا وقهرا وقسرا، لكن لا يجمع عليه أكثر من هم، فطلب به، فانظر ماذا ترى، أيش ترى يا بني بهذا الأمر؟ فكان من رد إسماعيل: «يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين». وهذا كذلك من عظيم أدب إسماعيل عليه السلام التأدب مع أبيه، وقبل هذا التأدب مع ربه، أنك امض لفعل ما أمرك الله عز وجل بفعله. فحينها قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾، قال العلماء: أي استسلما، الكل استسلم. إبراهيم أذعن لأمر ربه وعزم، حتى في الروايات أنه سمى وكبر. وبالمثل إسماعيل استسلم، وقيل أنه تشهد حتى يموت على «لا إله إلا الله». فلما أسلم وتله للجبين، قال المفسرون: أي أنه جعل جبهته وجبينه على الأرض، بمعنى أنه كقول لبعض المفسرين أراد أن يذبح من قفاه، لماذا من قفاه؟ حتى لا يريد أن ينظر إلى ابنه حين عملية الذبح، لعظيم الرحمة والرفق، حتى في الرمق الأخير ما يريد أن ينظر إلى ابنه وهو يذبح، فآثر أن يذبح من قفاه من خلف. فلما أسلم وتله للجبين، حينها وناديناه: «يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا». هذا كافي، أنت قد صدقت، لأن إبراهيم قد فعل كل شيء. بل حتى أنه مرر السكين، لا تقول أنه لا النية، لا. قد أضجع ابنه وقد أتى بالسكين، بل مرر السكين. مررها، هو قد فعل. لكن من العلماء من قال أنه لما مرر السكين، السكين لم تقطع شيئا، ما استطاع أن يخرق الجلد، من الله عز وجل. ومنهم من قال: كما في بعض الروايات الإسرائيلية أن الله جعل على عنق ابنه صفيحة، صفيحة حالت دون الذبح. فناداه الله عز وجل أن: «قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين». وكان من عظيم الجزاء أن الله عز وجل رفع عنه هذا البلاء. وهكذا المسلم إذا اتقى الله عز وجل وفعل ما ينبغي عليه أن يفعله، فالله سبحانه وتعالى يجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. وقد قال جل في علاه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فحينها لما قاله ربنا: «قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين»، ثم جاء بالجائزة العظيمة، وهو العوض عن فداء إسماعيل. قال سبحانه: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، أي جاء الله عز وجل ببديل، ببديل عن إسماعيل، فجاء بذبح، وهو أكثر الروايات على أنه كبش من الجنة، أنزله الله عز وجل. هذا إخواني في الله أهم حدث وقع لإسماعيل عليه السلام في فترة الشباب، مسألة الذبح. قبل أن أفارق هذه المسألة، أحب أن أعرج على مسألة تتفرع منها، وهو سؤال قد لا يأتي معنا في دروس قادمة إلا في هذا المقام، وهذا السؤال هو: من هو هذا الذبيح؟ أي من الذي كاد أن يذبح؟ لا شك أنكم الآن معي من أوائل القصة، وقد تعلقت الأذهان بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وهذا هو الحق، وهذا هو المراد، أننا نمشي على هذه القاعدة أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام. لكن أحب أن أشير إلى مسألة حتى لا يتفاجأ من يتفاجأ ممن يقرأ مثلا في كتب التفاسير أو يقرأ في بعض المطولات في كتب القصص والمغازي للأنبياء، أنه يجد اسم إسحاق. لأن السؤال الكامن في هذا الموضوع: من هو الذبيح؟ هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ وإن الأمر ستعلم يا عبد الله مدى قوة الخلاف، أن تعلم أن الخلاف قد حصل، لا أقول بين المفسرين ولا بين العلماء، بل وصل إلى حد السلف من التابعين، بل ومن الصحابة. ومن الصحابة من أشار إلى أن الذبيح هو إسحاق، وليس إسماعيل. نعم، هذا القول نقل هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهكذا عن أبي سعيد الخدري، وعن مسروق، وعن عكرمة، وعن مقاتل، وعن زيد بن أسلم، وجماعة من التابعين. بل الإمام المفسر الطبري رحمه الله يرى أن الذبيح إسحاق. قد يقول قائل: من أين؟ كيف إسحاق؟ من يقول بهذا؟ وأنا قد ذكرت لك نخبة من التابعين ومن أهل الصحبة ومن أئمة المفسرين. لماذا؟ ومن أين دخل عليهم الداخل؟ أولا عليك أن تعلم أن في سياق القصة التي سمعتها: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ إلى آخر القصة، القصة لو تلاحظ ليس فيها تعيين، ليس فيها تعيين لا إسماعيل ولا إسحاق. الآية بدأت: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، إذن ضع علامة استفهام: من هذا الغلام الحليم؟ هل إسماعيل، أو إسحاق؟ طيب كمل الآية بعدما انتهت هذه القصة: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. قال سبحانه وتعالى مبينا بشارة أخرى لإبراهيم بعد تمام الاختبار وانتهاء هذا البلاء، قال سبحانه وتعالى بالبشارة الثانية: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. جاءت البشارة الثانية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾. إذن متى جاء إسحاق؟ بعد انتهاء القصة. إذن دل عندي بشارتين: بشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، اجعل عليه الاستفهام. ثم بعد تمام القصة وجائزة الرب لإبراهيم بعد تمام الاختبار بكل نجاح: ﴿فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، ثم ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾. إذا متى جاء إسحاق؟ بعد عملية الذبح. إذن دل على أن الذي تعرض للذبح ليس إسحاق، وإنما هو إسماعيل. ولهذا علامة الاستفهام أزحها، وسجل: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، هو إسماعيل عليه السلام. وبهذا الترتيب يا عبد الله ستعلم صحة ما ذهب إليه عامة الصحابة والتابعين من أن الذبيحة هو إسماعيل، وليس إسحاق. وأيضا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مسألة: أن بالاتفاق عند المسلمين وعند أهل الكتاب على أن إسماعيل هو الولد الأول لإبراهيم، وهو أكبر الأولاد، هذا بالإجماع عندنا وعند اليهود وعند النصارى، لا إشكال في هذا. وأنه عند اليهود في كتبهم من الآيات المسطرة عندهم: أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه الوحيد، وفي لفظه: أن يذبح ابنه البكر. ومن كان ابنه الوحيد حينها؟ ومن كان ابنه البكر؟ هو إسماعيل، لا يشك في ذلك غبار. وهذا بصحيفة عند التوراة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى». فالصحيح على أن هذا مما يسطر عندهم، لكنهم لماذا أرادوا الفخر لأنفسهم؟ فغيروا وحرفوا وبدلوا، وأزاحوا إسماعيل وأضافوا إسحاق في كتبهم. فالشاهد إخواني في الله أن إسحاق عليه السلام ليس هو الذبيح، وإنما الذبيح إسماعيل. طيب نقف إلى مرحلة ثانية، ونقتصر فيها المقام، وهي مما يذكر كذلك في شأن إسماعيل عليه السلام: أنه لما كبر، انتهينا من مرحلة السعي، نصل إلى مرحلة الكبر. كبر، تزوج، تزوج إسماعيل عليه السلام لما بالغ وشارف على البلوغ، تزوج امرأة من جرهم، وهي القبيلة التي حلت عندهم عند أمه، واستقروا مكة في بداية أمرهم. تزوج إسماعيل عليه السلام من عندهم. من تقدير الله أن إبراهيم زار ابنه إسماعيل بعدما تزوج، إلا أن إبراهيم لم يجد إسماعيل في البيت، وجد امرأته. فسأل المرأة: أين إسماعيل؟ قالت: «ليست عندها»، خرج يطلب حوائج. وكان إبراهيم شيخا وقورا كبيرا، وهي لا تعرف أنه أبو إسماعيل. فاستضافته في البيت، ودخل وسأل: «كيف أنتم؟ كيف حالكم؟» فإذا بالمرأة تشتكي، قالت: «نحن بشر حال، وعندنا من الجهد والمشقة والضيق والحرج». أصبحت تشتكي. إبراهيم عليه السلام لم يرى أن المرأة أهل لأن تكون زوجة لابنه، والذي ستتذنزل عليه الرسالة والوحي. فلما أراد أن ينصرف، قال: «إذا جاء إسماعيل أقرئي عليه السلام واخبريه أن يغير عتبة بابه». وانصرف. هي ما فهمت المراد. فلما جاء إسماعيل، أول ما دخل شعر أن في الأمر شيئا. قال: «هل جاءكم أحد؟» قالت: «نعم جاءنا رجل من صفته أنه كبير في السن، شيخ». فقال: «سألكم؟» قالت: «نعم سأل عن عيشنا وعن ماذا نجد». قال: «هل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم قال إذا جاء إسماعيل أقرئي عليه السلام واخبريه أن يغير عتبة بابه». فقال: «هذا أبي، وهذا أبي، وإنه أمرني بفراقك، اذهبي وألحقي بأهلك». فأنت طالق. طلقها. وهذه الرسالة التي أرادها إبراهيم لابنه: أن يغير بابه عتبة بيته، أن يغير زوجته. هذا ليست أهل لأن تكون زوجة لابني، فطلقها. ثم بقي فترة إسماعيل وتزوج امرأة أخرى. ثم من تقدير الله أن إبراهيم يأتي زيارة أخرى لمكة، لأنه كما يقول: يتعاهد ذريته بالزيارة. جاء بعد فترة وزار إسماعيل، وكان من تقدير الله أن إسماعيل لم يكن في البيت، لكن المرأة موجودة. فسأل إبراهيم: أين إسماعيل؟ قد خرج يطلب لنا حاجة من الحوائج. فسألها: «كيف عيشكم؟» فقالت: «نحن بخير حال». وأثنت على الله خيرا. سبحان الله، معنا الحالة هي الحال التي عاشتها الزوجة الأولى، والتي عاشتها الزوجة الثانية، ما في تغير. لكن أين التغير؟ في نفسية العائش، في نفسية الإنسان، عندما يعرف مدى نعمة الله عليه، لا يتسخط، لا يتذمر. هي نفس الوضع، لكنها امرأة كانت عاقلة، فقالت: «نحن بخير حال». وأثنت على الله خيرا. فقال: «وما طعامكم؟» قالت: «اللحم والماء»، هذا أكثر طعام عندنا، اللحم والماء. فقال: «اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم». ولم تذكر الحب، كما قال عليه الصلاة والسلام، لأن مكة حينها كانت واد قفر، لا تصلح للزراعة، مكة صحراوية، ما تصلح للزراعة، فليس فيها نباتات. ولو أن النبات كان موجود في وقت إسماعيل، والمرأة ذكرت شيئا من النباتات، لدعى إبراهيم بالنبات ببركة النبات. لكن ما كان النبات يوجد، ما كان عندهم إلا اللحم والماء، فدعى إبراهيم: «اللهم بارك لهم في طعامهم وبارك لهم في شرابهم». ولهذا اللحم والماء لا ينقطع عن أهل مكة، بركة دعوة إبراهيم عليه السلام، ما ينقطع. أما الماء: زمزم، زمزم ما انقطع عن العالم، كل الناس في العالم يجوبون ويأتون بزمزم إلى ديارهم، ما ينقطع. وأما اللحم كذلك، لا ينقطع عن مكة، ما من زائر. وأنتم انظروا إلى زوار بيت الله من المعتمرين والحجاج، هؤلاء يأتون، هذا عليه خطأ، وهذا عليه زلل، وهذا ترك واجب، وكل هؤلاء هذا عليه دم، وهذا عليه دم. وما هو الدم؟ ذبح. وأين يكون مكمن الذبح؟ توزيعه على أهل مكة. ولهذا اللحم ما ينقطع عن أهل مكة على مدار السنة، تأتي يطرق الباب لحم، لا يطرق الباب لحم، لحم، لحم، أمم، أمم، تأتي إلى حرم الله، وهم يذبحون الذبائح، ذاك إحصار، وذاك فدية، وذاك دم، وذاك قربان. ولهذا ما ينقطع الدم وينقطع الذبح، ولا ينقطع اللحم عن أهل مكة، بركة دعوة إبراهيم: «اللهم بارك لهم في طعامهم وبارك لهم في شرابهم». ثم قال هذا إبراهيم عليه السلام لامرأته: «إذا جاء إسماعيل فأقرئي عليه السلام وأخبريه أن يثبت عتبة داره». وانصرف. جاء إسماعيل عليه السلام فدخل البيت، فشعر أن في الأمر شيئا. قال: «هل جاءكم من أحد؟» قالت: «نعم جاءنا رجل كبير شيخ»، علم أن أباه قد قدم. قال: «هل سألكم؟» قالت: «نعم سألنا عن حالنا وكذا». قال: «هل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم قال ثبت عتبة دارك أو بابك». قال: «هذا أبي إبراهيم، وأمرني أن أبقيك». فأبقاها. وهذه فيها فائدة عظيمة إخواني في الله، فيها فائدة على أن الإنسان لا يتسخط، وإنما يبقى لله حامدا، شاكرا، ذاكرا، مثنيا على الله. ولئن شكرتم لأزيدنكم. أختم هذا المجلس بفائدة فقهية تربوية. يقول قائل: إذن هل إذا جاء الأب وأطالب من ابنه أن يطلق زوجته، هل يطلقها؟ هذه القصة نعم وقعت الآن لإبراهيم وإسماعيل، ووقعت أيضا في زمن رسول الله، أن عمر طالب من ابنه عبد الله بن عمر أن يطلق امرأته، طلقها. فجاء ابن عمر إلى رسول الله، قال: «يا رسول الله إن أبي يأمرني بأن أطلق امرأتي، هل أطلقها؟» قال: «أطع أباك». فطلقها. هنا يأتي السؤال: هل معنى هذه أن السنة ماضية على أن الابن إذا طلب منه أبوه أن يفارق زوجته يفارقها؟ أم المسألة فيه تفصيل؟ الصحيح أن المسألة فيها تفصيل، والتفصيل قد أشار إليه جماعة من أهل العلم، كشيخ الإسلام وغيره. مفادها: إذا كان الأب رجلا صالحا ثقيا، مثله كمثل إبراهيم عليه السلام، أو كمثل عمر رضي الله تعالى عنه. إن كان أباه من أهل الصلاح، فأمرك يا عبد الله بطلاق زوجتك، فطلقها، أطع أباك. أما إذا رأيت أن أباك، الأباك ليس كذلك، فيه من التفريق في دين الله، ليس فيه من الصلاح، لربما يأتيه شيء من هوى النفس، أو يأتيه شيء من الحسد، أو يأتيه شيء من الحسابات الدنيوية، أو أنه إغراءات وإملاءات نسوية، هذا لا. هنا لا يطاع فيما فيه مضرة على الطرف الآخر. هذا خلاصة المبحث، وهذا الذي نذكره عن إسماعيل، وستأتي معنا كذلك حوادث أخرى متعلقة بإسماعيل عليه السلام. نرجئ الحديث عنها في مقام آخر. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.