الدرس في المجالس العلمية في الدروس المنهجية 1، 1- مقدمات مهمة : أهمية المبحث - مشروعية النقد - التصريح بالمخالف . 2- مسائل في الحزبية : معناها - أقسامها - صورها - حكمها - الانتساب للسلفية . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المتحدث بالثناء على الله ويعلن عن موضوع اللقاء وهو مناقشة المسائل المنهجية المتعلقة بدعوة أهل السنة والمخالفين لها. يشير إلى أهمية معرفة الطريقة الدعوية والتحذير من الفرق الضالة.
يتناول تعريف الحزبية وأركانها بناءً على أقوال العلماء المعاصرين، حيث تُعرَّف بأنها التعصب لفكرة مخالفة للكتاب والسنة مع وجود ولاء وبراء عليها. يُوضح أن الحزبية لا تتطلب تنظيمًا بل يكفي وجود فكرة مخالفة وولاء وبراء عليها.
التحزب والحزبية بدعة وضلالة ومحرمة لما فيها من مخالفة للكتاب والسنة وتعصب وعداء للمخالفين وتقسيم للأمة. التسمي بالسلفية ليس حزبية إذا كان خاليًا من التعصب والتحزب.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء، نتذاكر فيه وإياكم بما ينفعنا في ديننا ودنيانا. أما وقد علمتم حفظكم الله من خلال ما قد أعلن وقرر بأننا في هذه الليالي بإذن الله سنتطرق وإياكم إلى البحث والتباحث حول المسائل المنهجية، وهي المسائل المتعلقة بالمنهج أو ما يسمى بالمنهاج أو ما يسمى بالنهج. وهي المسائل التي من خلالها يتعرَّف المرء على دعوة أهل السنة وعلى دعوة المخالفين لها من الجانب الدعوي. وقبل الشروع إخواني في الله في صلب الموضوع، أحب أن أشير إلى مقدمات مهمة. أولاها أن نعلم أن الناس إزاء هذه الدروس وهذه المواضيع أنهم بين طرفين نقيض. فطائفة منهم لربما تطرفت في هذا الموضوع حتى أنه انشغلت به انشغالًا عظيمًا، فأصبح بعض الناس همه في يومه وليلته أن يتتبَّع أقوال المخالفين وماذا قالوا وماذا كتبوا ودوَّنوا، ثم إذ به بعد ذلك ينبري إلى النقاش والجدال والمهاترات وإلى الردود بكتابات أو عبر التواصل. وبالمقابل هناك طائفة من الناس هم نعم اشتغلوا وانشغلوا بالعلم الشرعي، حرصوا على استغلال الأوقات والأعمار بطلب العلم، وخاضوا في علوم الآلة واستقووا في هذا الباب، لكن بالمقابل ما التفتوا وما تفطنوا إلى ما يكون في الساحة الدعوية مما يقوم به أهل الخلاف من أهل التحزب ومن الفرق الضالة والمنحرفة. فالإنسان السني ينبغي أن يكون وسطًا لا إفراط ولا تفريط. فيا طالب العلم، كما أنك تقبل على العلم الشرعي، كذلك اجعل لك حظًا في معرفة ما يتعلق بالساحة الدعوية، وخاصة ما يجري حولك، بدءًا بمعرفة طريقتك ودعوتك، ما هي الركائز؟ ما هي الأولويات؟ من الرموز؟ هذا الذي ينبغي أن تكون على دراية به. كما قال سبحانه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾، أي على علم تكون على بصيرة في طريقتك وفي منهاجك الذي تسير به. وأيضًا من خلال طلبك للعلم، كن كذلك على حذر من هذه الفرق الضالة التي هي تحوم حولك، والتي تنتظر الفرصة أن تنقض عليك. كن حذرًا بأن تعرف ما يتعلق بنشأتها، بأفكارها، بآرائها، بشبهها، حتى لا تسخط في شيء من حفرها وأنت لا تعلم بهذا. وكذلك: ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾. وإن التفطن إخواني في الله ومعرفة هذه المسائل المنهجية إنما تتأتى بالرجوع إلى أقوال العلماء وإلى أقوال السلف. وأن تعرف وتتعرف إلى فتاوى العلماء الكبار الجهابذة في هذا المقام والمضمار، ما الذي قالوه؟ وبماذا أفتوا؟ ولله الحمد فلهم فتاوى مسطرة مسجلة مدونة، ينبغي أن تنظر إليها وتتعرف عليها. هذا السبيل، لا أن تركن إلى بعض التقعيدات للمتأخرين الذين يظهر في أوساطنا، والواحد منهم يريد أن يبرز نفسه أنه منظر للدعوة السلفية. فأتوا لنا بقواعد كالقواعد السرورية أو المأربية، فأتوا بقواعد لم تخدم الدعوة، بل بالعكس إنما عادت على الدعوة بالهدم، كالقواعد التي سطروها وفيها التمييع لقضية المفاصلة أو الإلغاء لمبدأ الهجر، أو كذلك ما فيه من القواعد التي فيها جواز الاستماع إلى المخالف، أو بقاعدة المنهج الأفيح، وهكذا قل: قاعدة نصحح ولا نهدم، وهكذا قس على أمثال هذه القواعد التي ما أنزل الله بها من سلطان. وأصحابها أرادوا أن يخدعوا هذه الدعوة بأن هذه من صلب وصول دعوة أهل السنة، والسنة منها براء. فهذا إخواني في الله التنبيه الأول. التنبيه الثاني في هذه المقدمة أنني في هذه الدروس إخواني في الله لربما أحتاج إلى أن أذكر أسماء أشخاص وأعيان وفرق وجماعات، فهذا أمر قد نحتاج إليه. على خلاف المعتاد، لكن أحيانًا الأمور تحتاج إلى تعيين، تحتاج إلى ذكر أسماء. واستمع إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن هذا المقام، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إذا كان أقوام ليسوا منافقين، ولكن سمعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا أقوالهم حقًا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين. قال: فلابد من بيان حال هؤلاء، أي الدعاة إلى الفتنة بحال هؤلاء أعظم من المنافق، لماذا؟ قال: فإن فيهم إيمانًا يوجب موالاتهم، وهم قد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلابد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذكرهم، وإن اقتضى إذا احتاج الأمر إلى أن نصرح، صرحنا. قال: وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم، بل لو لم يكن قد تلقوا تلك البدع من منافق، قال: حتى ولو أن هؤلاء أخذوا هذه البدع من غير منافق، قال: قد قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين، ولو لم تكن كذلك لوجب بيان حالهم، وجب. وهذا من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكرنا بما نحن فيه من هذا الواقع المرير من بعض الدعاة والجماعات. التنبيه الثالث مما أحب كذلك أن أقدم به بين يدي هذه الدروس أن الحديث إخواني في الله سأتحدث عن المسائل العصرية، مع أن هناك مسائل نعم تكون من الفرق الضالة التي ظهرت قديمًا، كالخوارج والمرجئة والرافضة والجهمية، لكني لن أتحدث عن هؤلاء وعن عما يكون من أفكارهم ومن بدعهم وعما كان من دعوتهم، نظرًا لضيق الوقت. وأيضًا لأنكم في هذه المراكز الطيبة ولله الحمد من دخل في دراسة العقيدة وفي باب الاعتقاد، ستمر عليه هذه الفرق الضالة، ولا شك ولا ريب أن الكثير منكم قد علم باعتقادات هذه الفرق. التنبيه الرابع في هذه المقدمة أن المستمع والمتابع لهذه الدروس يرى أنني لربما أتكلم بالنقد على الأفراد أو على الجماعات. وحين قد يحك في صدور البعض: ألا تذكر من محاسن هؤلاء؟ ألا تذكر من فضائل هؤلاء؟ أما عندك إلا النقد؟ النقد؟ تذكر الجانب المظلم. بين الموازنة، الموازنة تذكر حسنات وتذكر سيئات. الرد إخواني في الله أنني في هذا المقام لست في سبيل الترجمة. نعم، لو أردت أن أترجم لأحد من الناس، فأذكر ما له من خير وما عليه من شر. لكني الآن لست أترجم لأحد، وإنما أنا هنا في مقام التحذير. والتحذير لا يتناسب مع أني أأتي بفضائل ومآثر. وفي هذا المقام مقام التحذير، ولو أن الإنسان وصل إلى ما وصل إليه من الفضائل، لكن ما عنده من المساوئ تهدم هذا الخير الذي أتى به. وخاصة إذا كان هذا الخير قد فشى وطم وعم وكبر وكثر وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام وهو يبين حال الخوارج قائلًا: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم»، ما الذي يتبادر إلى الأذهان؟ قمة التعبد، نحن في صلاتنا، بل الخطاب ليس لنا، كان الخطاب لأصحاب رسول الله، النبي كان يخاطب أصحابه: أنتم أمام الخوارج، أنتم تحقرون صلاتكم عند صلاتهم. ومع ذلك مع هذه المآثر، ما الحكم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، يقتلون ما أبقيهم. مع أنه قد جاء من مآثرهم من صلاتهم، لكن هذا لا يبرر. ومن التمثيل لهم بالأعذار، الخطأ فاحش. وهنا التحذير، وعلى هذا مضى السلف، مضى السلف في أنهم قد رأوا من العباد ومن الزهاد. لكنهم لبدع هؤلاء حذروا منهم. فهذا الحسن الصالح، كان من عباد الله عابدًا زاهدًا، معروفًا بعبادته، أنه كان ربما كما ذكر في ترجمته، كان يقسم الليل مع أخيه وأمه إلى ثلاثة أقسام، كل واحد يأخذ ثلثًا. فلما مات أحد أفراد الأسرة، قام الحسن وقسم الليل إلى قسمين، قسم عنده وقسم عند الآخر. ولما مات الثاني، أخذ يقوم الليل وحده، قمة في التعبد. وقيل أنه كان لربما قرأ سورة العنكبوت أو جزءًا من القرآن في ليلة واحدة إلى الفجر، ما استطاع أن يكملها، كان يغشى عليه، يغشى عليه. مع هذا، السلف رحمهم الله في زمن هجروه، هجروه، وما بالوا به، ولا بعبادته، ولا بتعبده، لأنه كان يرى السيف، يرى السيف. عبد العزيز بن أبي رواد كذلك، انظر في ترجمته، كان من العباد من الزهاد، قال عنه ابن المبارك: كان إذا تحدث تحدرت منه الدموع، كانت الدموع تسيل على خده من شدة خوفه من الله، يتكلم ويبكي. هذا عبد العزيز بن أبي رواد، لما جئ بجنازته ووضعت، جاء سفيان الثوري من أئمة السنة، حضر الجنازة، فقطع الصفوف حتى مر على الجنازة، وما صلى عليها، فعل هذا عمدًا. قال: حتى يحذر، حتى يعلم الناس بدعة هذا الرجل، مع أنه عابد، لكن ما ينفع. يا عبد الله، لا تغتر بأفعال أو أقوال أو بعبادات، العبرة بما هو عليه، بمنهجه. وهذا الذي سنسير عليه، نتكلم عن أناس، أن ننظر إلى منهاجهم، لا ننظر إلى خصال الخير الذي أجراها الله على أيديهم. خير هو لنفسه، لكن بقي الشر. ذكر الإمام البغدادي في تاريخ بغداد عن إسماعيل بن إسحاق السراج، هذا إسماعيل رجل كان يأتي عنده الحارث المحاسبي، عابدًا زاهدًا. الإمام أحمد رحمه الله تعالى أحب أن يتأكد بنفسه من هذا الرجل، من إسماعيل، يتأكد من حارث المحاسبي، فاستدعى إسماعيل، وقال: يا إسماعيل، إن الحارث المحاسبي يمكث عندك، يأتي عندك. قال: أريد أن أسمعه، لكن من حيث لا يراني، لا يراني. فقال إسماعيل بن إسحاق: السمع وطاعة يا أبا عبد الله، شر سمع لك هذا المقام. فقام إسماعيل وذهب إلى الحارث المحاسبي، واستلطفه، واستدعاه: أهلًا بك إلى بيتي، أنت ومن معك من الحاشية، تعالوا. ودعاهم إلى طعام، ثم أتى إلى الإمام أحمد، وأخبره أن الحارث سيأتي الليلة. فالإمام أحمد سبق إلى الوصول، وصعد إلى غرفة في الأعلى، بحيث يستمع إليهم وهم لا يرونه. فاجتمع بعد ذلك الحارث مع من معه، فلما اجتمعوا، ثم أكلوا، بدأ الوعظ، فقام الحارث يتحدث بالوعظ والتذكير بالآخرة، إلى غير ذلك، بإسلوبهم. فبدأ التفاعل من أتباعه، ذاك أخذ يصيح، وذاك يبكي، وذاك يصيح، وذاك يغشى عليه، متأثرًا. يقول إسماعيل بن إسحاق صاحب البيت: فصعدت وفتحت الباب لأنظر إلى الإمام أحمد، قال: فإذا الإمام أحمد يبكي بكاءً شديدًا، متأثرًا من كلام الحارث. ثم نزلت، قال: واستمر المقام إلى الصباح، ثم انصرفوا. قال إسماعيل: فقلت للإمام أحمد رحمه الله: كيف ترى هؤلاء يا أبا عبد الله؟ الآن سمعت بنفسك، كيف ترى هؤلاء؟ فقال إمام أحمد: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء في علم الحقائق، يعني في علم حقائق الغيوب والقلوب، ما أعلمت وما سمعت كهذا الكلام. ثم قال: لكني لا أرى أن تصاحبهم. ثم قال: لا تصاحبهم. يا عبد الله، إسأل عبرة أنك تطنب في فلان أنه فصيح أو أنه بليغ أو أنه واعظ أو أنه لا عك من هذا، كيف هو على المنهج؟ كيف هو في طريقته في سيره إلى الله عز وجل؟ فهذه المقدمة وهي المقدمة الرابعة، أو الملاحظة الرابعة، هي من الملاحظات التي أختم بها هذا القسم من المقدمة التي أحببت أن أتقدم بها بين يدي هذه الدروس المنهجية. أول ما أبدأ به من المباحث إخواني في الله، وأنا أتحدث عن المسائل العصرية، ومما جوبهت بها الدعوة السلفية، ما يتعلق بمسألة الحزبية. الحزبية مبحث له مسائل وله تفريعات، سيأتي الكلام عليها في حينها بإذن الله، لكن أبدأ بأول مسألة وهي أهم المسائل: ما معنى الحزبية؟ ما معناها؟ وهذا الباب ينبغي أن ينضبط، ينبغي أنه يحكم، لأن هذا الباب رأينا عند عدم إحكامه، رأينا أن من الناس من يتحدث عنه ولا يدري ما حقيقة الحزبية. أو أنه يرمى أناس بالحزبية وهم براء من الحزبية، أو أن المتحدث الذي يرمي أناس بالحزبية هو هو بنفسه مبتلى بالحزبية، شعر بهذا أو لم يشعر. كل ذلك عندما لم ينضبط عندنا وعند غيرنا مسألة ما هي الحزبية؟ مما أذكره اختصارًا للمقام، أكتفي بتعريف لأحد العلماء من أهل العلم المعاصرين في تعريف الحزبية. وهو ما أشار إليه الإمام المجاهد ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، قال في تعريف الحزبية: هو التعصب لفكر معين يخالف الكتاب والسنة والموالات عليه والمعادات عليه، هذا هو التحزب. ذكر هذا في شريط اسمه كشف الأستار. إذا من خلال تعريف الحزبية سنعلم أنها تقوم على ركنين اثنين. ما هو الركن الأول؟ أنه عبارة عندي: فكرة مخالفة للكتاب والسنة، هذا الركن الأول. فكرة مخالفة للكتاب والسنة. الأمر الثاني: أنه يحصل عليها ولاء وبراء عليها. انتبه لهذين الركنين، وهما الأساس في الحزبية والتحزب. فكرة مخالفة للكتاب والسنة، وولاء وبراء عليها. وقد أشار شيخنا مقبل رحمه الله تعالى حين سئل في أحد فتاويه، سئل عن الحزبية، فأجاب بإجابة لطيفة يسيرة، وهي تعود وتقول إلى ما ذكرنا، قال رحمه الله تعالى: المسألة هي فكرة وولاء وبراء، فكرة وولاء وبراء. ثم وضح، قال: ولاء لمن كان معهم، وبراء لمن لم يكن معهم. انظر لكلام العلماء، انظر لكلام شيخ مقبل، ولقبله شيخ ربيع، كما أشاروا: فكرة، ولاء وبراء، فقط. الآن هل علماؤنا أوضحوا معاني الحزبية؟ أو ما أوضحوها؟ فكيف يأتي متحدث كما رأينا من بعض الأحداث، ويقول: أنا أتحد هؤلاء أدعياء السلفية أن يأتوا لي بتعريف للحزبية؟ وما استطاعوا. وإيش هذا الكلام يأتون به؟ أعماك الله؟ أم أن الله عز وجل طمس على قلبك؟ كثير منهم يتحدون بهذا التحدي، وهي فتاوى العلماء واضحة: فكرة فيها خلاف الكتاب والسنة، وولاء وبراء، اجتمع هذا مع ذاك، هنا ولد عندي حزبية. أشير إلى فائدة، وانتبه لها: ليس من شرط الحزبية والتحزب أن يكون عندي تنظيم، ليس من شرطه أن يكون عندي تنظيم. وهذه مسألة نعم أشار إليها الشيخ ربيع رحمه الله، والتنبه لذلك: أن هذا ليس شرطًا، لأن من الجماعات هم يختلفون، كما سيأتي معنا. لأن من الجماعات من يكون عندها تنظيم، عندها بيعة، عندها سرية، عندها إمارة، وبعض الجماعات الحزبية ما عندها تنظيم، لكن عندها ماذا؟ عندها ولاء وبراء مع فكرة دخيلة، هذا يكفي. يكفيني وجود الفكرة المخالفة مع هذا التعصب المقيد، يكفيني أني أرميكم بالحزبية، ولو لم يكن عندكم تنظيم. التنظيم إنما هو زيادة شر، لأنه بدعة، زيادة شر، وزيادة في التحزب، لكن ليس أصلًا. لأن بعض الناس يقول: أنه والله أنا ما عندي بيعة، ولا أنا ما عندي إمارة، يقول: ما أبالي. عندك ولا ما عندك؟ أنت عندك فكرة مخالفة، عندك ولاء وبراء، يكفيني هذا، يكفيني هذا أنك أصبت بهذا الداء، بداء الحزبية. إذن إخواني في الله، هذا هو التعريف للحزبية، وهو التعصب لفكر معين يخالف الكتاب والسنة، من هذه الفقرة سننتقل بعد ذلك إلى مسائل، من هذه المسائل: هل الحزبية تنقسم إلى حزبية محمودة أو إلى حزبية مذمومة؟ من خلال التعريف السابق، ستجد أنك أمام حكم واحد: أن الحزبية مذمومة مطلقًا. قد ذكرنا الركن الأول: أنه تقوم على فكرة مخالفة للكتاب والسنة، والفكرة المخالفة للكتاب والسنة هي ماذا؟ هي بدعة، هي بدعة من البدعة. وهل البدعة عندي تنقسم إلى بدعة حسنة وإلى بدعة سيئة؟ الجواب: لا، البدعة عندي مذمومة مطلقًا. فإذا كانت البدعة عندي مطلقة مذمومة، إذن الحزبية عندي مطلقة مذمومة. ما عندي حزبية محمودة، ولا مذمومة، كما يدعي الحزبيون في مثل هذه الأزمان، لأننا وقفنا عند الحزبيين حينما أرادوا لأنفسهم نظام التحزب، قسموا الحزبية إلى قسمين، لابد هذا عندهم، قسموا الحزبية إلى قسمين، بحجة أنهم من القسم المحمود، حتى يتسن لهم التحزب في بلاد الإسلام. ولهم في ذلكم أقيسة وأمثلة. حسبي أني أذكر مثالًا لواحد من استدلالاتهم، بعضهم وهو الهتاري، قد ألف رسالة سماها: الحزبية ما لها وما عليها. وتأمل كيف استدلاله حتى تكون على بصيرة. الحزبية ما لها وما عليها، رسالة، أول ما بدأ أراد أن يبين أن الحزبية تنقسم إلى محمودة وإلى مذمومة. بدأ في تعريف الحزبية، فماذا فعل؟ أتى إلى معنى كلمة الحزب في اللغة العربية، فأتى بالمعاجم اللغوية، في المصباح المنير، وفي معاجم مقاييس بن فارس، وذكر ما ذكره في لسان العرب، وذكر وذكر، وأملأ صفحة سودها بأقوال أئمة اللغة، وهي كلها تقول وتعود إلى أن معنى الحزب في اللغة: هم الأنصار والأصحاب، وهم الجماعة. هذا معنى الحزب في اللغة، ثم بيّن أن هذا أن الجماعة والأنصار والأصحاب أنهم على حسب إن كانوا جماعة على خير، فهذا حزب خير، وإن كان الجماعة على سوء، فهذا حزب سوء. قال: فهذا هو تعريف الحزبية. انتهينا. هل هذا صحيح؟ هل هذا صحيح؟ الجواب: لا، هذا تلاعب، هذا تلاعب في الألفاظ. لأن هل معنى الحزب في اللغة هو نفسه الحزبية في الاصطلاح؟ هو نفسه؟ لا، ليس هذا بصحيح. أضرب لك مثالًا يا عبد الله: ما لو قيل لك: عرف الطائفة، ما هي الطائفة؟ في اللغة، أي طائفة من الناس، ستذكر لي أن الطائفة من الناس هم مجموعة اشتركوا على أمر ما. طيب، هذه المجموعة التي اشتركوا على أمر ما، تمدح أم تذم؟ على حسب، إذا اجتمعوا على خير يمدحون، إذا اجتمعوا على سوء يذمون. طيب، هذا معنى الطائفة. لو سألتك: ما معنى الطائفية؟ وانتبه الآن، ما معنى الطائفية؟ الطائفية لها مصطلح آخر، الطائفية أصبح الآن يطلق على التحيز الشديد لفئة، ولا تذكر الطائفية إلا مذمومة. فيقال: فلان يدعو إلى الطائفية، وتجد في الخطابات السياسية: لا نريد طائفية. ما تذكر الطائفية إلا مذمومة. الطائفية تختلف عن الطائفة، الطائفة لغة لها معنى، الطائفية في الاصطلاح لها معنى آخر. مثال آخر: قوم، سأل: يا عبد الله عن تعريف قوم في اللغة العربية، تجد أن قومهم جماعة اشتركوا كذلك بهذا المعنى. تمركزوا في مكان واجتمعوا على أهداف، فما حكم قوم هؤلاء؟ قوم على حسب، إن كانوا على خير يمدحون، وإن كانوا على شر يذمون، هذا قوم. طب، ما تقول في القومية؟ هل تنقسم إلى محمودة ومذمومة؟ القومية هو عبارة عن رابطة مذمومة، تذم ويذمها الناس، لأنها رابطة فيها ضيق أفق. ففرق بين القوم وقومية، وبين طائفة وطائفية، وبين حزب وحزبية. فانتبه يا عبد الله من التلاعب بالألفاظ. وللأسف، هذه الرسالة قرأتها، فلما انتهى الكاتب بعد عدة صفحات، طبعًا كما قلت: ذكر معنى الحزب في اللغة، ثم قال: هذه هي الحزبية، ثم صار صفحات، ثم يقول للقارئ: وقد مر معك مر معك تعريف الحزبية لغة واصطلاحًا، أو لغة وشرعًا. طب، يشير إلى أين؟ أنت ما عرفت. ما عرفت. لكن تلاعب، تلاعب بالقراء. ثم أمثال هؤلاء يتحدون أهل السنة: أنتم ما عرفتم الحزبية، أسوأ أنتم عرفتموها. طيب، أنتم ما عرفتموها، تتحاشون من تعريفها، وتتغالطون. فافهم هذه المسألة حفظك الله: أن تعلم أن الحزبية لا تنقسم إلى محمودة ولا إلى مذمومة، بل إنها مذمومة دائمًا. المسألة الثالثة من مسائل الحزبية: صور الحزبية. الحزبية لها صور متعددة، هنا قاعدة آتي بها مفيدة جدًا، قاعدة أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى في مجموعة من كتبه، ذكرها في إعلام الموقعين ومفتاح دار السعادة، يقول رحمه الله تعالى: فالأسماء لا توجب تبديل الحقائق، الأسماء لا توجب تبديل الحقائق. ما معنى هذه القاعدة؟ أن العبرة بحقيقة الأمر، العبرة بحقيقة الشيء، دع عنك الأسماء، الأسماء قد يقع فيها تلاعب. أنا هذا الشيء مثلًا محرم، أسميه باسم أرى أن الناس نفروا من الاسم، أغيره إلى اسم ثالث، اسم رابع، لكن الشيء هو نفسه، هل هذا الشيء تغير؟ لا، حكم ثابت، حكم كان حرام، حرام، حرام، بغض النظر عن اختلاف الأسماء. فالأسماء كما قال ابن القيم: لا توجب تبديل الحقائق، فالعبرة بحقيقة الشيء. إذا علمنا ما هي أركان الحزبية، وهي عبارة عن التعصب على فكرة، خلاصتها: التعصب على فكرة، والولاء وبراء عليها، فكرة مخالفة للكتاب والسنة. فإذا رأينا هذا التعصب على فكرة موجود تحت أي اسم كان، إذن هذا الاسم يقال عنه: ستار الحزبية. فإذن الحزبية تطلق مثلا على أناس، ولو تسموا باسم جماعة، أو باسم عمل خيري، أو باسم تنظيم، أو باسم أي اسم كان. مثل موضوع الجماعات، مثلًا عندي جماعة الإخوان، عندي جماعة القطبية، عندي الجماعة السرورية، عندي جماعات التكفير والهجرة، وغيرها من هذه الجماعات. تأتي ذاك يسمي نفسه تنظيمًا، ذاك يسمي نفسه جماعة، وغير ذلك من الأسماء. هل هذه الأسماء مهما تغيرت؟ هل هذا يغير في الحقيقة؟ الجواب: ما يغير، هذا يبقى، يبقى هؤلاء نسميهم باسم جماعات حزبية، جماعات حزبية. ومن هنا انبع على مسألة كان يأتي بها شيخنا مقبل رحمه الله تعالى. أنه كان يطلق على بعض الجمعيات: حزبيات مغلفة. لماذا يسميها حزبيات مغلفة؟ سماها حزبيات مغلفة، لأن هذه الجمعية وإن كانت في الظاهر اسمًا، لكن في حقيقتها كان عليها ولاء وبراء على أفكار. وكما قلنا: الأسماء لا تغير، ولا توجب تغيير الحقائق. فكان شيخنا مقبل رحمه الله يسمي هؤلاء حزبيات مغلفة، لأن حقيقة الحزبية موجودة فيها. إذن هذه المسألة إخواني في الله، انتبهوا لها حول أن نتعرف على صور التحزب، على صور الحزبية، لأن العبرة بحقيقة الشيء. وجدنا فكرة، وجدنا تعصب تحت أي غطاء كان، لا نبالي، يسمي عملًا جماعيًا، سمي تنظيمًا، سمي جماعة، سمي جمعية، ما نبالي، الحقيقة تلعب دور هنا. آتي بمسألة وهي المسألة الرابعة: هل يفهم من هذا الكلام بأن العمل المنظم أو أن الجمعيات أو أن المؤسسات الخيرية محرم، وأنه نوع من أنواع التحزب؟ الجواب: لا، ننتبه لما قد سبق، نتحدث عن حقيقة الشيء. واستمع يا عبد الله إلى كلام شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله. قال شيخنا مقبل: فأنا أقول: ما تكلمت يومًا من الدهر في تحريم التنظيم، بل أمورنا هاهنا كيف دماج؟ بل أمورنا هاهنا بحمد الله منظمة، وبها شيء من التقصير. أما الجمعيات الخيرية فلا تنكر، لكن جمعية مثل جمعية الحكمة وجمعية الإصلاح، فجمعية تخدم الحزبية، فهي التي ننكرها، وهي مغلفة وحزبية. وقال رحمه الله تعالى أيضًا: وهناك جمعيات في أرض الحرمين، ونجد في أرض الحرمين لمساعدة المحتاجين، وبناء المساجد، وتزويج من يحتاج إلى زواج، فهذا أمر طيب، فهذا أمر طيب. راجع هذا الكلام في غارة الأشرطة صفحة ستة وثمانين. وبهذا نعلم أن أهل السنة لا يحرمون العمل الجماعي أو الجمعيات بحب ذاته، لا. وإنما الكلام على الحقيقة، إذا وجد مناط التحزب، التعصب مع الفكرة الدخيلة، هذا يرمى بالحزبية، كائنا من كان. أما إذا خلت من هذا كله، فكما سمعتم في كلام شيخنا رحمة الله تعالى عليه. وهذا مثل العمل مثل التنظيم في دور الحديث، ففي مراكز أهل السنة يوجد تنظيم، والأمور ليست فوضوية. ما عندنا فوضوية، عندنا أمور منظمة، عندنا مسؤول، بل عدة مسؤوليات، وعلى كل مسؤول وعلى كل مسؤولية هناك مسؤول، ولهذا المسؤول عنده لوائح يسير عليها، وهذه اللوائح ينبغي اتباعها، ولا يكون الخروج عليها. هذا هو التنظيم، هذا موجود، ما أحد يمنعه، هذا موجود في دور الحديث كلها قاطبة. لا أحد يقوم على الهمجية أو الفوضوية. فالشاهد إخواني في الله، فهذه المسألة الرابعة في بياني على أن ما منع منه إنما كان يدور حول معنى الحزبية. إلى هنا أقف، وبعد الأذان نواصل الحديث. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد. أما بعد، ننتقل إلى المسألة الخامسة من مسائل الحزبية، ألا وهي: ما حكمها؟ خلاصة الكلام إخواني في الله أن حكم الحزبية والتحزب لا يشك عاقل من خلال التعريف أنها بدعة، وأنها ضلالة، وأنها محرمة، وأنها لا تجوز بحال. ومما أذكره من آفات الحزبية حتى يعلم من ابتلي بها بعظيم ما وقع فيه من محاذير: أنها أولًا فيها مخالفة للكتاب والسنة، على هذه الأفكار التي أتوا بها، ما أنزل الله بها من سلطان، فحسبك أنها بدعة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بدعة ضلالة»، كل من ألفاظ العموم. ويدخل في البدع ما كان من الأقوال والأفعال والأحوال في العقائد أو في الدعوات. الأمر الثاني مما يستدل به على تحريم الحزبية: ما يكون فيه من العداء المقيت لكل من خالفهم، العداء المقيت لكل من خالفهم، ولو كان من أعبد الناس، ما يبالون بك، ولو كنت صائمًا صالحًا قائمًا تاليًا ذاكرًا لله جل في علاه. لكنك منتسب معهم، فإنك من أبعد الناس عنهم. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا». الفائدة الثالثة مما يدل على تحريم الحزبية: ما يكون فيه من التعصب الشديد لكل من كان معهم، التعصب الشديد لكل من كان معهم، من كان معهم في حزبهم في هذا التنظيم الحزبي. فهو قد بلغ القلتين، لم يحمل الخبر، ولو فعل ما فعل، ولو فعل ما فعل من الانحراف والضلال، ووقع في مساويء الأخلاق والأعمال والآداب، لكن حزبيته تشفع، كافية في أنه ماذا؟ أنهم يتعصبون له. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله»، ليس على الحزبية، ليس على الحزبية. والأمر الرابع مما فيه الرد على من أجاز الحزبية والتحزب: أن في هذا النظام الحزبي تقسيم الأمة، تقسيم الأمة إلى ولاءات وإلى حزبيات. والله عز وجل قد جعل الأمة الإسلامية حزبًا واحدًا، حزب واحد، ألا إن حزب الله هم المفلحون. فمن أجاز التحزب داخل هذا الحزب، فإنما رضي بأن ينقسم حزب الله إلى أحزاب. هذا عين المشاقة، عين المشاقة لله. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وكل ما أوجب فتنة أو فرقة فليس من الدين، فليس من الدين، سواء كان قولًا أو فعلًا. وكل ما أوجب فتنة أو فرقة، إذا رأيت أن أمرًا ما أوجب فتنة أو أوجب فرقة بين أهل الإسلام. قال عنه شيخ الإسلام: فهذا فليس من دين الله، سواء كان قولًا أو فعلًا. الأمر الخامس في أضرار الحزبية: ما يكون فيها من التقليد الأعمى، التقليد الأعمى. فالحزبي الحقيقي، الحزبي ملزم بهذا النظام الذي يلتزم به، بهذا النظام البدعي، يلتزم، يلتزم، إنما هي أوامر تنفذ. شعارهم: نفذ، ثم ناقش، هذا هو الحزبي، حتى ولو على حساب الدين، ولو على حساب الشريعة، لا تسأل، افعل، افعل، ولا تسأل، هذا هو التعصب المذموم، وهذه التربية الدنية التي يتربى بها الحزبيون داخل هذا النظام الحزبي. هذه خصال سريعة في مسألة مضار الحزبية. المسألة السادسة في هذا المقام وهي: هل التسمي بالسلفية حزبية؟ هل التسمي بالسلفية حزبية؟ لأن من الناس من يرى أن أي انتساب ينتسبه المسلم، هذا في الحقيقة تحزب، ولو حتى انتسبت إلى السلفية. حتى قال قائلهم فيما قاله قديمًا: من قال أنا سلفي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قالها: من قال أنا سلفي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وبعضهم حاول أن يبرهم بأدلة، أذكر في رسالة بعنوان الجماعات الإسلامية، قام صاحبها وحرر صفحات في بيانه ما ينبغي التسمي بالسلفية، وأن هذا التسمي يزيد في تفريق المسلمين. ثم استدل، وانتبه لاستدلاله: استدل