‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 3

‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 3

الدرس في ‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 3، المؤاخذات على جماعة الإخوان : عدم الاهتمام بالعقيدة , التزهيد في العلم الشرعي , الاهمال للسنة , معارضة الولاة , تقطيع أواصر الأخوة . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

انتقاد جماعة الإخوان لعدم الاهتمام بالعقيدة

يتناول انتقاد جماعة الإخوان المسلمين لعدم اهتمامهم بقضايا العقيدة والتوحيد، ويشير إلى خلل في عقيدة الولاء والبراء لديهم. كما يبين أن الجماعة تهتم بالتكتل على حساب العقيدة الصحيحة.

نقد منهج الإخوان والقطبيين في العقيدة

ينتقد منهج الإخوان المسلمين والقطبيين في العقيدة، ويشير إلى افتقارهم لفهم صحيح للعقيدة والتوحيد. كما يتطرق إلى أقوال قادة الإخوان التي تظهر خللاً في عقيدتهم.

تأثير فكرة فقه الواقع على العلم الشرعي

يناقش فكرة فقه الواقع التي أدت إلى تقليل أهمية العلم الشرعي والطعن بعلماء الأمة. كما يشير إلى أن هذه الفكرة أصبحت تزاحم العلم الشرعي وتقلل من شأن العلماء.

  • 27 جمادى الآخرة 1447هـ - 17/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في المجلس السابق، إخواني في الله، أتممنا الحديث عن أهم سلبيات وأخطاء الجماعات، ثم بعد ذلكم، بعد هذا الشمول والعموم، دخلنا في التخصيص، وهو الحديث عن جماعة الإخوان، وذلك لعدة اعتبارات، باعتبار أنها الأكثر والأشهر، والثاني ما كان على حد زعمها الانتساب للسنة، والثالث أن جل الجماعات التي ظهرت فيما بعد إنما تفرعت عنها، لذا كان من المناسب الكلام على الأصل، لأن بالكلام على الأصل سنعرف ما يتعلق بكل فرقة وما تمسكت به. وأشرنا من خلال الكلام على هذه الجماعة إلى الاختلاف الذي صار وحصل فيها، وأن الإخوان قسموا إلى قسمين، عُبر عن الأول منهما بالجناح البنائي والآخر بالجناح القطبي، وذكرنا الخلاف بين هذا وبين ذاك، وأشرنا إلى بعض الجماعات التي تفرعت، سواء كان من الجناح البنائي أو ممن خرج وتفرع من الجناح القطبي. بعد هذه المقدمة، إخواني في الله، سنشير في هذه المجالس المتبقية إلى أهم ركائز دعوة الإخوان، وسأشير في بحثي على هذه الجماعة، وهي الجماعة الأم، وكذلك من كان تحت عبايتها، سواء كان من الجناح البنائي أو من الجناح القطبي، ننظر إلى ركائز دعوتهم والتي خالفوا فيها منهج أهل السنة والجماعة. أول ما أبدأ به في بيان هذه الجماعة أولاً، أن هذه الجماعة ليس عندهم اهتمام بقضايا العقيدة والتوحيد، ليس عندهم عناية واهتمام بمسائل العقيدة والتوحيد. يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: "حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله، وليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك". وقال: "وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة فهذا واضح ملموس من شأن جماعة الإخوان". ولربما خجلوا في عدم طرق هذا الموضوع على الناس والعامة؛ ما قد سمع من بعضهم أن هذه الدعوة - أي الدعوة إلى العقيدة والتوحيد - تنفر الناس وتقسم الخلق وتبعد هذه الحشود والجماهير. وقد أشرنا أن جماعة الإخوان تهتم بالتكتل والتجميع، فيرون أن الصدع بدعوة التوحيد ستنفر الناس وتقسمهم، فهم آثروا أن تبقى هذه الحشود عندهم، ولا أن يتطرقوا في مسائل العقيدة والتوحيد. وهل هذا صحيح؟ وهل هذا باطل؟ هذا باطل. ولو كانت القضايا العقدية بطريقة التوحيد الواضح تنفر أو تبعد الناس، ولو أن هذا لم يأت في صحيح البخاري في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم أن محمدًا فرق بين الناس، وفي لفظ أن محمدًا فرق بين الناس، وهو فرق، وفرق يفرق بين الناس، يفرق بين الحق والباطل. والأصل في هذه الدعوة الواضحة البينة أن من أخذها كان من أمره إلا عودي، إلا عودي، سيضع لك الأعداء والخصوم إذا صرحت يا عبد الله بهذا الدين الذي أمرك الله عز وجل أن تأمر به الناس. ومما أذكره من مسائل عدم اهتمام هذه الجماعة بمسألة العقيدة والتوحيد أولاً، ما يظهر في مساجدهم وفي دعوتهم وفي منهاج جماعتهم عدم التدريس لهذه العلوم، علم العقيدة والتوحيد، ما يلغي ما يدرس، ولا تكرس له الجهود، ما تجد عندهم هذا. فهم إن تحدثوا عن العقيدة فالحديث عن توحيد الصانع، كما يسمى توحيد الصانع، أي بمعنى توحيد ربوبية، هذا إن تحدثوا عن التوحيد، ويكون جل اهتمامهم بالأدلة الشرعية والعقلية والنقلية على إثبات وجود الله والرد على الملاحدة وعلى الفرق اللادينية، تجد هذا. أما التعريج على توحيد الألوهية أو الأسماء والصفات فهذا يبتعدون عنه. انظر مثلاً إلى كلية الإيمان، صرح من صروحهم العلمية كما يقال في هذه البلاد اليمنية، تأمل يا عبد الله في منهجهم في باب العقيدة والتوحيد، هل فيها شيء من توحيد الألوهية أو الأسماء والصفات؟ لا. وكذلك مما يبين إهمالهم في هذا الباب أنهم يهتمون بمسألة التجميع لكل طائفة ولأي نحلة، فتجد أن في جماعة الإخوان يدخل الأشعري ويدخل الجهمي ويدخل المؤول والمفوض والمعطل والقداري، كل شخص يدخلونه في هذا، بل حتى الرافضة، الرافضة الشيعة أدخلوهم. وقد قام حسن البنا في زمنه بإنشاء دار تسمى بدار التقريب، وكان القصد من هذه الدار التقريب بين السنة والشيعة، بإتيان بمذهب يكون وسط بين السنة والشيعة، وتبنى هذه الفكرة من الرافضة تقي القمي، واستطاع أن يدور ويلف ويأخذ ويدخل الكثير من أتباع جماعة الإخوان إلى هذه الدار، ويتتبنى مسألة التقريب. طبعًا، ومن المستفيد من هذه الشيعة الرافضة؟ استفادوا منها أيما استفادة، تغلغلوا داخل المجتمع المسلم من خلال مسألة التقريب، هم يتنازلون عن شيء، اللهم تقية فقط، وإلا هم على عقيدتهم، لكن المسلم المغفل يتنازل، يتنازل. وقد تنبه العلماء في تلك الفترة بهذا الخطر، كما فعل محب الدين الخطيب رحمه الله، وقد حضر ونظر إلى هذا التقريب، وحذر، وحذر جماعة الإخوان من مغبة هذا الفعل، وهذا التنازل عن أصل من أصول الدين، فحذر، ونزل مقالات في جريدة الفتح حينها. وبعد ذلك، بعض جماعة الإخوان، كمصطفى السباعي، شعر بخطورة هذا التقارب، كما في مقدمة كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي". علم بعد ذلك بمغبة هذا التقريب، وخداع الشاهد أن جماعة الإخوان مما يظهر من الخلل العقدي أنهم لا يفرقون في باب التمحيص والتمييز بين السنة وبين أعدائها من الخلافيين من أهل البدع والأهواء من الفرق الضالة. وأيضًا، كذلك مما يذكر من الخلل العقدي، عذب الولاء والبراء، هذه العقيدة الواضحة البينة التي جاء فيها القرآن واضحًا، بين المعالم، تجد أن جماعة الإخوان عندهم خلل عجيب وعظيم في هذا الباب، حيث أنك تجد أن لربما مدوا أيديهم إلى اليهود والنصارى. وها هي الاجتماعات التي تخرج علينا تارة بتقريب الأديان، وتارة بالحوار بين الأديان، هم الذين يدعون إليها، يدعون إليها، ويخلطون ويرغبون بالاجتماع باليهود والنصارى أو بالنصارى تحت مضلة الإسلام، دون الاهتمام بالعقيدة والتوحيد. وعبارات الكبراء منهم واضحة في هذا. الغزالي يعبر، يقول: "إننا لنستريح من صميم قلوبنا إلى قيام اتحاد بين الصليب والهلال". الصليب شعار النصارى، والهلال شعار أهل الإسلام. وهذا الترابي في الفتوى المعروف عنه، حين قال: "إننا لا نقاتل اليهود من أجل العقيدة، وإنما من أجل الأرض، الاحتلال فقط، هذا الذي بيننا وبينهم، كعقيدة لا نقاتلهم على عقيدة، وإنما نقاتلهم على أنهم احتلوا الأرض، المسألة دنيوية بحتة، ليست عقدية". وهذا الترابي، وهو من أشدهم قفزًا في هذا المقام، فتح باب الردة، فتح باب الردة، ويجوز للمسلم أن يتنقل بين الأديان، لك أن تتنقل بين الأديان، أنت اليوم مسلم، تجرب اليهودية، جرب، ثاني يوم كن يهوديًا، وادخل اعتنق مذهب اليهودية، قد فترة من الزمن، أردت أن تجرب النصرانية، لا، بس أخرج وادخل في النصرانية، وقد فترة زمنية، وانظر ما في دينها، فإذا مللت وضجرت وأردت أن ترجع، فعليك أخي إلى الإسلام. بهذه الصور، بهذه الاستهانة، يكون العقيدة، بهذا الترف، بأنك تدخل وتخرج من غير معرفة مغبة ما تفعله من عظيم الردة. وأيضًا، مما يظهر من الخلل العقدي عند هؤلاء الإخوان، وخاصة عندما دخلوا إلى المحك السياسي، تجد تلكم العبارات التي لو قالها بعض ممن لا ينتمي إلى الجماعات الإسلامية، لو رمي بالكفر، وهم يتفوهون بها. تجد في عباراتهم، بعدما يصلون إلى السلطة، ويصلون إلى مفاصل الدولة، يأتون بموضوع الدستور، واحترام الدستور، وتقديس القانون، ولابد احترام إرادة الشعب، كلام عجيب، يأتون به. يقول مثال على هذا الكلام ما جاء عصام العريان، أحد قادة جماعة الإخوان، يقول: "لماذا نؤكد ونصر على أن الإسلاميين معادون للدمقراطية؟ إن هذا افتراء عظيم، فنحن أول من ينادي بالديمقراطية، ويطبقها، ويذود عنها حتى الموت". ذكر هذا في لواء الإسلام. بالله عليك، لهذه العبارة، أتى بها رجل من العلمانيين، لكان هذا كافيًا في كفره عند بعض الجماعات. فما ظنك بهذا الرجل، وهم مفكرو جماعة الإخوان؟ راشد الغنوشي، وهو زعيم حزب النهضة التونسي، يقول: "يجب أن نحترم إرادة الجماهير". وتأمل، أنا ما أتحدث عن رجل علماني، أنا أتحدث عن رجل ينتسب إلى جماعة الإخوان، المنهج الإسلامي، الدعوة الإسلامية. قال: "لما يجب أن نحترم إرادة الجماهير؟ إذا اختارت منهجًا غير منهجنا، منهج الإخوان، إذا اختارت منهجًا غير منهجنا، فإذا اختار مجتمعنا في يوم من الأيام أن يكون ملحدًا أو شيوعيًا، فماذا نملك له؟ نحترم هكذا، هكذا تحترم الإرادة الشعب، لو اختار الذي يريد". إخواني في الله، تتفوه مثل هذه الكلمات، لكنها من أناس ما علموا، وما عرفوا العقيدة والتوحيد. إخواني في الله، إن هذه المآسي والمخازي تأتي من هذه الجماعة لأشياء كثيرة، وعلى رأسها أن تعلم أن رؤوس هذه الجماعة هم لم يتمرسوا على العقيدة الصحيحة. هذه البلية، هذه البلية، إذا كان رؤوس الجماعة هم ليسوا على العقيدة الصحيحة، ليسوا على العقيدة النقية، ليس على الطريقة المستقيمة السلفية، بل فيهم دخل، فيهم خلل، فإذا كان الرأس بهذه الصورة، كما وصفت لك، فما ظنك بمندون؟ فما ظنك بالأتباع؟ الأمر أشد وأنكى. انظر مثلاً لمؤسس الجماعة، حسن البنا رحمه الله، في كتابه "المذكرات"، وهو يتحدث عن شيء من أعمالهم، ومما كان يقوم به بنفسه، فقال في مذكرة الدعوة والداعية: "كنا في كثير من أيام الجمع التي يتصادف أننا نقضيها في دمنهور، نقترح رحلة لزيارة أحد الأولياء الأقربين". وهذا هو المرشد بنفسه يذهب إلى أضرحة الأولياء، ويقول عمر التلمساني، وهو مرشد عام للإخوان المسلمين، يقول عمر التلمساني: "فلا داعي إذا للتشدد والنكير على من يعتقد في كرامة الأولياء". لماذا التشديد على هؤلاء في الذي يعتقد في كرامة الأولياء، واللجوء إليهم في قبورهم الطاهرة، والدعاء فيها عند الشدائد؟ هذه الأفعال شرك، ويأتيك هذا المرشد العام، يقول لك: "لماذا التشديد والنكير على هؤلاء؟" يعني أمر عادي. إذا كان هذا هو رأس الجماعة بهذه الصورة من الغفلة عن معرفة أبجديات العقيدة الإسلامية، فما ظنك بمن تحته؟ ولهذا تجد أن هذه الجماعة في باب العقيدة والتوحيد لا شيء. ولهذا يظهر فيها الضلالات، ويظهر فيها الانحرافات والانزلاقات العقدية. هذا فيما يتعلق لو أردنا نتحدث عن الحركة البنائية. لكن تعال ننظر إلى الحركة القطبية، القطبيون، لا بأس، أرفع طبقة، حرصوا وأخذوا يدرسون الأسماء والصفات، ويدرسون شيء من توحيد الألوهية، في بيان الشركيات ونحوها. لكن إذا دخلوا في هذا الباب، فإنما هذا الباب يوصلهم إلى غاية هم يريدونها، إلى ما يسمى بتوحيد الحاكمية. فهم يعظمون هذا الباب أيما تعظيم، بل جعلوا الاهتمام بهذا الباب بما يسمى بتوحيد الحاكمية، وأنه علم العلوم العقيدة. جعلوا أن هذا الباب ذريعة لأن يتضاحكوا على أهل السنة، على أمثالنا، نحن عندما نتحدث عن الأسماء والصفات، نتحدث عن الألوهية، وعن ما يتعلق بالخلاف، عن المخالفات العقدية، يضحكون علينا. فأخذوا يلمزون، ويقولون: "هؤلاء هؤلاء اهتموا بشرك القبور، وتركوا شرك القصور". هذا من تعبيرهم. تعبير آخر يقولون: "أن هؤلاء اشتغلوا بالشرك البدائي، وتركوا الشرك الحضاري". يعني شرك الحاكمية. وآخر يقول: "هؤلاء إنما ضيعوا أوقاتهم في شرك الأموات، ولم يهتموا بشرك الأحياء". بمعنى الحاكمية. تجد هكذا يأتون إلى هذا المحك، ثم يضربون أهل السنة بهذا التوبيخ، بهذا التعيير. حتى بلغ بهم الأمر والغلو في باب تعظيم توحيد الحاكمية أنهم فسروا "لا إله إلا الله" بأنها "لا حاكم إلا الله". وقد مر معنى قول بعضهم أن أفضل من فسر "لا إله إلا الله" سيد قطب، هذا هو التفسير، القضية التشريع، والحاكمية هي التي يدور عليها أصول الدين. ومن باب الفائدة، حتى لا أقفز على هذه الفقرة، أحب أن أذكر ردودًا سريعة على من أتى بهذا التوحيد، وأراد أن يحشره حشرًا في كتب عقيدة أهل السنة، وأراد أن يجعل هذا المصطلح لابد موجود، أنه توحيد، وأنه يعلم، وأنه يدرس. لا يا عبد الله، هذا ليس بصحيح، بل هذا باطل من القول. الرد عليه من عدة وجوه، أو وجه الأول: أن منهاج الدعوة ثابت لا يتغير، فالدعوة إلى الله عبادة من العبادات، فينبغي على من سار على منهاج الدعوة أن يلتزم بما فيها، ولا يبتدع. وإن الدعوة إلى الحاكمية أو توحيد الحاكمية هذه بدعة. بل ذكر القرضاوي بنفسه أن أول من أتى بمسألة الحاكمية أبو الأعلى المودودي، حينما جعلها نظام من الأنظمة في السياسة الإسلامية، ثم أخذها من المودودي سيد قطب، وأخذها وجعلها على مفهوم الجاهلية، وأيضًا جعلها على تقسيم المجتمعات إلى إسلامية وغير إسلامية، هم تطور، فهي جعل من هؤلاء غير مسبوقة، فهي بدعة. فإذا بك تجعلها علم شرعي، وتأمر الناس أن يتعلموا هذه المصطلحات المبتكرة. الأمر الثاني: أن الله عز وجل بيّن من خلال قصص الأنبياء والرسل أن كل واحد منهم سار على النهج الذي أمره الله عز وجل به، كلهم على وتيرة واحدة: "يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره". وقد أمرنا ربنا عز وجل أن نقتفي آثارهم: "أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده". أمر من الله. فبلين جئت بهذا، هل هذا جاء به نوح؟ ولا جاء به إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ وأنبياء الله، ما أحد جاء بهذا. "أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده". ثلاثة، كذلك مما يرد به على أنه لا يجوز الخروج عن منهج الله الذي وضعه الله لعباده، لا يجوز. الله سبحانه وتعالى جعل لنا منهجًا من لدن نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو نحن نسير عليه، نسير كما سار عليه نبينا، لا نغير ولا نبدل، كما قال سبحانه وتعالى: "لأنذركم به ومن بلغ". أنذركم بهذا الدين الذي أتى به نبينا الكريم، هذا الدين نذير لكم ولمن بلغ، من سيأتي، هؤلاء نحن نحن نسير على ما سار عليه السلف الصالح، ليس لنا الخروج. رابعًا مما يضاف إلى هذا: أن هذا الشرك البدائي على حد زعمهم، سموا بدائي، سموا بشرك القبور، سموا بشرك الأموات. يا جماعة، انظروا، أليس هذا الشرك الذي أنتم تتكلمون عليه بأطراف أصابعكم، أليس هو الأخطر والأكثر؟ أنتم أين تعيشون؟ أين؟ بالأمس، مولد البدوي الذي أقيم في مصر، عدد الزوار بالملايين، عدد زوار البدوي بالملايين. ومن نظر إلى بعض المقاطع، اقشعر بدنه، والله اقشعر بدنه، القبل هنا، ومقام البدوي هنا، والناس سجود هكذا. هذا هو الشرك البدائي عندكم، وتتكلمون عن هذا. السنة الفين وخمس وعشرين، تحدث عن بلادنا اليمنية، وضعه، اذهب إلى الزيارات والمزارات، لا زال الشرك يضرب بأقصى قوته، بالنذور والقرابين التي تذبح وتقرب إلى غير الله عز وجل. تسميه شرك بدائي، هذا يعني قصد دثر، أين تعيش؟ أين تعيش؟ الأمر الخامس في الرد على من زعم بتوحيد الحاكمية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته كان يدعو، وأيضًا كان في وقته النصارى بجواره، النصارى بجواره. وكان من شعار النصارى: "ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، فصل الدين عن الدولة، ما هناك حكم لله، فصل الدين عن الدولة، ما لله لله وما لقيصر لقيصر، الحكم لقيصر، ما هناك حكم لله. ماذا فعل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ هل طرق باب الحاكمية كما زعمتم؟ لا، سار على ما سار عليه الأنبياء من قبل. قل: "يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله". العبودية لله جل وعلا هي الدعوة الشاملة. أتى بهذا المفهوم، لم يأتي بهذا عليه الصلاة والسلام. كذلكم سادسًا في الرد على هذه الفرقة وهذه المسألة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه الحاكمية في عدة مناسبات. ومنها عندما جاء عروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ندوب عن الكفار، قال: "يا ابن أخي اسمع مني، أعرض عليك أمور مساومة لرسول الله". كان من أحد هذه المساومات: "قالوا يا محمد إن كنت تريد بالذي جئت به ملكًا سودناك علينا". أبشر، تريد إيش؟ ملك، تريد سلطان، تريد إمرة، أن تكون أميرًا علينا؟ "إن كنت تريد بالذي جئت به ملكًا ملكناك علينا". لو كان أحد من هؤلاء الحزبيين عرضت عليه هذه المسألة، وخفز وانتهزها، لكن ماذا فعل نبينا عليه الصلاة والسلام؟ ما أخذ، رفضها؛ لأن الأمر هو توحيد الله جل في علا. وأخيرًا، إخواني في الله، أختم الرد على هذه الفكرة على أن الدعوة إلى توحيد الحاكمية هي في الحقيقة دعوة إلى توحيد الربوبية. يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وقد سئل عمن أضاف توحيدًا رابعًا، وهو توحيد الحاكمية. فقال رحمه الله: "إنه ضال وجاهل من أتى بهذا التوحيد". قال: "إنه ضال وجاهل، ثم قال: فهذا قول محدث مبتدع منكر". تأمل إلى كلام العلماء الذين يعرفون الدسائس. قال: "هذا قول محدث مبتدع منكر، ينكر على صاحبه". قال: "ويقال له: إن أردت الحكم فالحكم لله وحده، أي الحاكمية". قال: "فإن أردت الحكم فالحكم لله وحده، وهو داخل في توحيد الربوبية، وهو داخل في توحيد الربوبية". فهذه بدعة وضلالة. وراجع لهذا المقال "لقاءات الباب المفتوح". واعذروني أطلت النفس في هذه المسألة والفقرة؛ لأنه ينبغي أن تتبصر يا عبد الله فيها؛ لأن الآن السرورية والقطبية يدورون، بل أقاموا دعوتهم على هذه المسألة بالذات. ثانيًا مما ينكر على جماعة الإخوان أنهم زهدوا عن العلم الشرعي، زهدوا عن العلم الشرعي. وأقصد بالعلم علم الكتاب والسنة، فهم لا يطلبون العلم، ولا يحثون عليه، بل هم بالعكس، بالعكس، هم ينفرون عن العلم الشرعي، ويتهكمون بمن ينشغل به. ويقولون: "هؤلاء اشتغلوا بالكتب الصفراء". وآخر يقول: "الناس صعدوا إلى القمر، وهؤلاء لا زالوا على حدثنا وأخبرنا". وآخر يقول: "بأن هؤلاء اشتغلوا بعلم الحيض والنفاس". وهذه شنشنة قد لمز بها المبتدع أهل السنة. كما ذكر عن الزهري أن مبتدعة زمانه كان يقولون: "الزهري لا يفقه إلا ما تحت سراويل امرأته". يعني قضايا الحيض والنفاس. وهكذا هم في هذا الأزمان، إذا أرادوا أن يتهكموا على أهل السنة، قالوا: "هؤلاء اشتغلوا بعلم الحيض والنفاس". ومما أذكر في هذا المقام مثلاً ما ذكره عبد الرحمن عبد الخالق، له رسالة أسماها "القطوع الرئيسية لبعث الأمة الإسلامية"، أخذ يشير إلى هذه المسألة، وهو التزهيد في العلم الشرعي. فكان من مقترحاته: أن مادة الحيض والنفاس، وهي في باب الضرورة، أن هذا ما يدرس في الجامعات الإسلامية للذكور، لا، وإنما هذه المادة تجعل للطالبات. وأما الذكور، ما في داعي أن نشغلهم بالحيض والنفاس. وكذلك اقترح على أن مادة الطهارة، وآداب قضاء الحاجة، وتطهير النجاسات، والباب برمته، هذا اقترح أنه يقلص قدر الإمكان، ما في داعي التوسيع، توسع كتب أو مجلدات أو مذكرات في هذا الباب في الطهارة. قال: "لا ما في داعي". واقترح أن هذا يكل إلى الأمهات، إلى الأمهات يعلمنا قضاء الحاجة. ثم أتى بالذي يريده، ما المقترح؟ اقترح على طلاب كليات الجامعات أن يدرسوا هذه الكتب، أشار مثلاً إلى كتاب "التنصير والاستعمار"، وإلى كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون". واقترح كتاب "اليهودية العالمية"، واختار كتاب "الاتجاهات الوطنية". سبحان الله، هذه اقتراحاته. أما العلم الشرعي، حيض ونفاس وطهارة ونجاسة، هذه قلصوا، قللوها، ابعدوها عن طلاب العلم. لكن هكذا تربية الإخوان، ومن خرج عنهم، ومن تأثر بهم، يدورون على هذه المسألة، وهذا الجهل. إخواني في الله، عندما ابتعدت جماعة الإخوان عن مسألة العلم الشرعي، وظهرت ثمرة ذلك على قاداتهم وعلى كبرائهم وعلى زعمائهم، فتجد أنهم من أجهل الناس بالدين، من أجهل الناس بدين الله. فذاك إن سألت عن حده، مفكر، وآخر داعية، وذاك مرشد، لم يتحنكوا بالعلم الشرعي. ثم بعد ذلك أرادوا أن يقودوا الأمم والجماعات والتيارات، وهم بهذه الضحالة من العلم الشرعي. وهذا لا يتأتى؛ لأن من شرط الزعامة والقيادة للأمة أن يكون القائد متضلعًا بالعلم الشرعي. فعندما جاءت في قصة طالوت، حين قال بنو إسرائيل: "أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال". قال: "إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم". بسطة في العلم، لابد الذي يقود الجماعات والتيارات يكون متضلعًا بالعلم الشرعي. يعرف دين الله، الشرائع والأحكام، والكتاب والسنة. أما أمثال هؤلاء الذي عنده جهل عظيم بالدين، بل ويحارب العلم، يزهد في العلم الشرعي. في مناقشة لشيخ الألباني مثلاً، الشيخ الألباني رحمه الله تعالى ناقش بعض أو أحد قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية. فكان الشيخ يسأل، وهذا كان مندوب عن الجبهة. سأله الشيخ رحمه الله تعالى عن عدد الجماعة، فهذا الشيخ قال: "يا شيخ بالملايين". صحيح، وما بالغ، الجبهة كانت بالملايين، لها انتشار عظيم جدًا. قال: "يا شيخ بالملايين". فقال له الشيخ رحمه الله تعالى: "فكم عدد العلماء؟" سكت المتكلم. أخذ الشيخ الألباني يقرب المسافة، قال: "آلاف؟" سكت. قال: "مئات؟" سكت. قال: "عشرات؟" فما وجد بدًا هذا المتكلم إلا أن قال: "يا شيخ قلة، عند الجماعة". فقال الشيخ رحمه الله: "قال هؤلاء لا يستطيعون على قيادة هذه الجموع". ثم ختم الحوار بقوله: "أنتم تعيشون في أوهام". من كان يظن مثل هذه الكلمة أنها تظهر في تلك الحقبة؟ كانوا بالملايين، الآن أين جبهة الإنقاذ؟ طارت، اختفت، ليس لها نظر، ليس لها وجود. كما قال الشيخ: "كلمة لربما تقشعر منها الأبدان، والله أنتم تعيشون في أوهام". لكنها نظرة ثاقبة من عالم من حرير. ما في عندكم جموع، لا رأس، ما في علماء. قال: "أن هؤلاء القلة لا يستطيعون على قيادة الجماعة". لكن بالمقابل، عندما فرطت جماعة الإخوان، ومن كان في فلكهم، العلم الشرعي، أتوا لنا ببديل، وما هو البديل؟ أتوا لنا بعلم وهو علم "فقه الواقع". وهذا العلم بمعناه العام: أن الإنسان يكون لديه دراية بواقعه. وأن هذا علم، وأخذوا يدفعون الناس، والطلاب إلى الإنكباب على ماذا؟ على الجرائد، على المجلات، على الإذاعات، على القنوات، على القصاصات. وأخذوا يقبلون على هذا الباب على أنه عبادة من العبادات، تحت ما يسمى بعلم "فقه الواقع". ثم لا ينقضي عجبك، ثم ماذا بعد هذا؟ أنا قرأت جريدة كاملة، وماذا بعد هذا؟ الله أعلم. ماذا يستفاد من هذا؟ فأخذوا يزجون بشباب الأمة إلى ما يسمى بعدما أغلقوا ونفروا عن العلم الشرعي، فتحوا ما يسمى بعلم "فقه الواقع". لهذا تجد من هؤلاء أنهم، بل هذا قد وجدنا، والله، كنا نذهب في بعض البلدان، عندما نأتي نصلي الجمعة، تجد من بجوارك عنده جريدة، يفتح هذا، أخل الناس، يقولون: "سورة الكهف"، على رأي من يقول بها، وهذا يفتح لك جريدة داخل المسجد، شيء هوس. وبعدك يتدرع أن هذا علم، أن تعبد الله بقراءة الجريدة. وتخيل أن ينتشر هذا الفكر أمام أوساط الشباب. هذا بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، معايب هذا العلم المحدث المبتكر المبتدع، علم "فقه الواقع"، له سلبيات. لكن نظرًا لضيق الوقت، أحب أن أشير إلى سلبية من سلبياته: أن هذا العلم أصبح يزاحم علم الشرع، حتى وجد عند جماعة الإخوان، ومن كان من هذه الجماعات، القطبية والسرورية، يرى أن العلماء ينقسمون إلى قسمين: إلى علماء شرع، وإلى علماء فقه واقع. مثل ما عند الصوفية أن هناك علم الشريعة، وعلم الحقيقة. هناك علم الواقع، وعلم الشرع. فالعلماء مثل كبار العلماء، هؤلاء يمكن السؤال حول المسألة التعبدية في الطهارة، في الصلاة، في الصيام، التعبدية، عند علماء الشرع. أما قضايا النوازل، النوازل العصرية، لا ما ترجع للعلماء، وإنما ترجع لفلان وفلان من الحركيين، من الحركيين. بل أصبح هؤلاء الحركيون يتبجحون بهذا من غير خجل، ويرون أنهم أرفع طبقًا من العلماء. مثال هذا سفر الحوالي، ولا مرة ما يتبجح بهذا. يقول سفر الحوالي: "أقول المسؤولية الأساس علينا نحن طلبة العلم". سبحان الله، طالب علم، وتكون مسؤولية عليك، عجيب. قال: "أقول المسؤولية الأساس علينا نحن طلبة العلم بالدرجة الأولى". لماذا نتكلم عن مسائل العصرية هذه العصرية؟ نحن الأهل لها، لا يرجع فيها العلماء. فقال: "بالدرجة الأولى". وبعض هؤلاء العلماء قد بدأ يسلم بالأمر، بعض العلماء قد رفع يده، يسلم أن قضايا النوازل والقضايا العصرية تقعد إلينا نحن، ومن هم طالب علم. يعني قضايا الأمة تسحب من يد العلماء، بحجة كما يقول بعض هؤلاء: "أخذ يسلم عن خاص يعرف مقدار نفسه، ونحن أدرى بالواقع منه". أخذ يسلم. وفي له مقطع آخر، وقد سئل سأله بعض السائلين عما يكون من سكوت العلماء عن فضح الأحزاب العلمانية. سكت فترة عن الأحزاب العلمانية، وكحزب البعث، ولما وقعت أزمة الخليج تكلموا. الخبث واضح بالسؤال، الخبث واضح بالسؤال، يعني أيش؟ العلماء، طبعًا، كما قلنا، هذا كله في أزمة الخليج، وقد أشرت إلى أن مذهب السرورية ظهر بشدة في أزمة الخليج. أي كيف يعني هؤلاء العلماء ما تكلموا عن حزب البعث، ولا غيره، لما وقعت أزمة الخليج، الآن بدأوا يتكلمون. يعني افهم المقصود. الجواب الآن، عند السفر الحوالي، قال: "لا نضع اللوم على جهة معينة". قال: "تعيش ظروف معينة، وتحتم عليها المجاملات". الكلام يعود إلى من؟ إلى العلماء، طبعًا. ما نضع اللوم إلا ننشد على هؤلاء. ومن هؤلاء، طبعًا، يعيشون ظروف معينة، وتحتم عليهم مجاملات في الدين، في الدين مجاملات. قال: "تعيش ظروفًا معينة، وتحتم عليهم المجاملات، ولأوضاع صعبة". نحن هذه نحن دائمًا نستخدمها، نحن. قال: "نحن الذين في بحبوحة أن نقول الحق، في بيوتنا، وفي مساجدنا". وعندهم تقصير في معرفة الواقع. "نحن، ونحن، عندنا نتكلم الحق، بخلاف أولئك، قد كمت الأفواه، ما يستطيعون أن ينطقوا كما ننطق نحن". نتكلم بالحق في مساجدنا. أضف إلى ذلك، هذه الشماعة، قال: "وعندهم تقصير في معرفة الواقع". الشاهد أن من دسائس هذه الفكرة التي طرأت عند الجماعة: أنهم من خلالها تطرقوا إلى الطعن بعلماء الأمة. مسألة أن طالب العلم يحتاج إلى معرفة واقع، هذا لابد منه، صحيح. قد ذكرنا هذا في بداية دروسنا المنهجية: أن الإنسان يكون على اطلاع بمعرفة المخالفين، سواء كانوا من أهل الضلال أو من الكفار، اليهود والنصارى، والردة والمر