كتاب النكاح 36

كتاب النكاح 36

الدرس في كتاب النكاح 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم خلع غير أهلية التصرف وصيغة الطلاق الرجعي

يناقش المقطع عدم صحة خلع الصغيرة والمجنونة والسفيهة والأمة إلا بإذن الولي أو السيد، ويبين أن الإذن يصحح التصرف قياساً على سائر العقود. كما ينتقد القول بوقوع الطلاق رجعياً بلفظ الزوج مستدلاً بقاعدة ابن تيمية أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، وأن التلفظ بالطلاق رداً على طلب غير أهل للخلع لا يترتب عليه طلاق ولا خلع.

الفرق بين الخلع والطلاق وحكم النية فيهما

يستعرض المقطع خلاف العلماء في وقوع الطلاق عند نية الخلع، ويرجح عدم وقوعه إذا انصرفت النية للخلع فقط. ويوضح أن الخلع بلفظ الطلاق الصريح أو كنايته مع قصد الخلع يعد طلاقاً بائناً بينونة صغرى، أما بلفظ الخلع أو الفسخ دون نية الطلاق فهو فسخ لا ينقص من عدد الطلقات.

أحكام الخلع وفرقه عن الطلاق في العدد والرجعة

يبيّن المقطع أن الخلع فسخ للعقد لا طلاق، فلا يُحتسب من عدد الطلقات الثلاث ولا تثبت به الرجعة للمرأة في العدة. ويشترط لصحته العوض المتفق عليه، وأن شرط الرجعة فيه باطل بطلاناً لا يؤثر في صحة الخلع.

أحكام المهر والخلع عند العجز عن الأداء

إذا عجز الزوج عن دفع المهر أو الزوجة عن افتداء نفسها به، جاز لهما التراضي على بديل يكون عوضاً للخلع. وما صح كمهر صح كعوض للخلع، ويكره أخذ أكثر مما أعطى الزوج مراعاة للعدل والإحسان.

  • 28 جمادى الآخرة 1447هـ - 18/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلاة السلام، وصلاة السلام ما بعد. قال رحمه الله تعالى: «قال: خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة والأمة بغير إذن سيدها لم يصح. وقع الطلاق رجعيًا إن كان بلفظه أو نيته». أنا الآن أقول: إذا خالعت الصغيرة، قالت: «ما أريد هذا الزوج، أريد أعطيه حق»، المهم: فهل هذا يكون خلعًا بدون إذن سيدها، أو بدون إذن وليها؟ كذلك المجنونة، هذا لم يصح إذا لم يأذن السيد. بل بعض العلماء يقول -وهو قول الشافعي-: «ولو أذن السيد، ولو أذن الولي في الصغيرة والمجنونة والسفيهة». لكن هذا ليس صحيحًا؛ فإن أذن لها السيد، أذن للأمة، فإذنه يكون صحيحًا. وكذلك إذا خالعت الصغيرة يكون بإذن وليها، فهو يكفي في هذا الباب؛ مادام أن تصرفها في جميع المعاملات والعقود يصح بإذن الولي، فهذا أيضًا من هذا الباب. فالصغيرة والصغير يصحان عند جمهور العلماء، يصح معنى عقودهم بإذن وليهم. أنا مثلًا: صغير الآن يريد أن يبيع ويشتري، يكون بإذن وليه، يضعه في الدكان، يضعه في كذا، فهذا أيضًا كذلك هذا الباب. فإن كان بإذن سيده أو بإذن وليه فلا بأس بذلك، فهذا يقع. وأما إذا كان بغير إذنه لم يصح. وقوله: «وقع الطلاق رجعيًا إن كان بلفظه أو نيته»، فهم يقولون: إنه يقع الطلاق لكن طلاقًا رجعيًا. وهذا أنكره جماعة من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، قالوا: هذا ليس صحيحًا. وهناك قاعدة بيّنها شيخ الإسلام: أن العبرة بالمعاني لا بالمباني، أو العبرة بالمعاني لا بالألفاظ. فأخذ اللفظ على أنه طلاق ليس صحيحًا، بل أنه إما أن يكون خلعًا، وإما أن لا يصح. أن يكون خلعًا لا يصح؛ لأن هذا الصبي لا يعلم هذه الألفاظ حتى يقال مثلًا: إنه يحاسب على ألفاظه. كذلك المجنون، كذلك العمى -غالبًا- هؤلاء ما يعرفون الألفاظ. ممكن يقول مثلًا: «طلاق»، معنى «طلقني»، أو «خلعني ورضي بالطلاق»، فهذا يدل على أن هذا الصبي لا يدرك مثل هذه الأمور، أو هذه البنت الصبية الصغيرة لا تدرك مثل هذه الأمور. لهذا لا يكون طلاقًا رجعيًا، حتى لو كان سواء كان بلفظه أو بنيته. معنى: لو قال الزوج: «خلاص طلقتك»، فهذا لا يقع؛ لأنه ليس معنى... معنى هذه المرأة البنت لا تدرك هذا. لكنهم أخذوا بقولهم: هذا الزوج الآن، إن كان هذا الزوج فعل ذلك بلفظ الطلاق، قال: «خلاص طلقتك»، فهل يكون خلعًا؟ قالوا: لا، ما يكون خلعًا؛ لأن المرأة... لأن هذه الصبية معنى ليس لها تصرف في الاجتداء. لكن هذا الذي قابل الزوج هو زوج عاقل، معنى طلق بإذنه وكذلك بمعرفته. فالآن يقولون: إنه ما يكون الخلع، لكن يكون طلاقًا؛ لأنه هو الذي تلفظ بالطلاق، سواء كان صريحًا أو كناية. لكن الإشكال هنا: أن هذا رد لكلام هذه الزوجة، رد لكلام هذه الزوجة. فإن كان قصد الخلع، فالخلع لا يقع من قصد الخلع، الخلع لا يقع. وإن جاء بها على أنه طلاع، اعتبروا عليه الطلاق، اعتبروا عليه الطلاق. وإن كان جاء بهذه الصيغة على أنه يريد الخلع، وأنه يريد أن يأخذ الافتداء ويطلقها، فهذا لا يقع، لا يقع الطلاق. لكن هل يقع... أقصد: لا يقع الخلع، لكن هل يقع الطلاق؟ في خلاف بين العلماء. وكأن شيخ الإسلام يرى أنه لا يقع أيضًا حتى الطلاق؛ لأن نيته ليس الطلاق، وإنما نيته خلع، يعني: يريد أن يفتدي، يريد أن يأخذ المال الذي تفتدي به هذه الزوجة. أنا قد تكون مثلًا بنت صغيرة معنا، مثلًا عشر سنوات، في دع عشر سنوات، تقول: «خلاص خد مالك طلقني»، فالرجل يطمع في المال فيأخذه. فقالوا هنا: ما يقع هذا الخلع. وإن كان أراد بالطلاق الخلع، فالخلع لا يقع. وهل يقع طلاقًا؟ الصحيح أنه لا يقع طلاقًا؛ لأنه أراد الخلع ولم يرد الطلاق. لكن لأن جمهور العلماء كالأشاعرة وغيرهم يرون أن الخلع يعتبر من الطلاق، لهذا يقولون: إنه يقع طلاقًا. فصحيح أنه لا يقع، ما دام أن نيته أراد الخلع ولم يرد الطلاق. قال: «فصل: والخلع بلفظ صريح الطلاق أو كنايته وقصده طلاق بائن». وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينو طلاقًا كان فسخًا لا ينقص عدد الطلاق. الآن يقول: الخلع بلفظ صريح الطلاق أو كنايته وقصده... وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا كنايات الطلاق وقصد الطلاق. قال: «طلاق بائن». الخلع يعتبر طلاقًا بائنًا، لكن بينونة صغرى، بينونة صغرى، كما قد ذكرنا في التفسير، وليست بينونة كبرى؛ لأنه لا يدل دليل على أنه بينونة كبرى، وإنما تكون بلفظ معناها بينونة صغرى، سواء كان بلفظ صريح الطلاق أو كنايته، لكن يقصد الخلع، يقصد الخلع. ولأن الله عز وجل لما ذكر: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. هنا الله عز وجل ذكر أولًا أنه لا يجوز أن يأخذ الرجل من هذا المهر، لا يجوز أن يأخذ من هذا المهر، ثم أجاز إذا كانت هي التي افتدت به، أجاز إذا كانت هي التي افتدت به. فإذا افتدت به، فقالت له مثلًا: «أعطيك مهرك وتطلق»، فطلق بلفظ صريح، قال: «أنت طالق»، هل هذا يكون طلاقًا أو خلعًا؟ يكون خلعًا، يكون خلعًا. وخلع هذا يعتبر كالطلاق البائن، كالطلاق البائن. معناه: أنه لا يتزوجها، ولا ترجع إليه، لا ترجع إليه. إن أرادها، وإن أراد أن يتزوجها، يتزوجها كأنها أجنبية، كأنها أجنبية. ومن قال: إنها ترجع إليه، فقد أخطأ؛ لأن هناك من العلماء من قال: إنه يجوز له الرجوع، وهذا مذهب الشافعي، يجوز له أن يرجع، أن يرجعها؛ لأنه يعتبرونه طلاقًا. الشافعي ومالك يعتبرون... يعتبرون الخلع طلاقًا، ولهذا يقولون: يجوز بلفظ الطلاق، ويعتبر من ضمن الطلاق، وتعتد ثلاث حيض، نسائيات. قال: «وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينو طلاقًا كان فسخًا لا ينقص عدد الطلاق». أنا إذا تلفظ قال: «خالعتك»، أو «فسخت هذا العقد»، أو يقول: «أقبل فداء»، فداء، فهو ناوٍ الخلع ولم ينو طلاقًا. يقول: كان فسخًا لا ينقص عدد الطلاق. أنا يعتبر فسخًا ولا يعتبر طلاقًا، يعتبر فسخًا ولا يعتبر طلاقًا؛ لأنه أراد الفداء. فإن كان طلق مثلًا، قال: «أنا ما أريد هذا الفداء الذي تذكرينه، بل أنت طالق»، هنا عرف أن هذا طلاق، عرف أن هذا طلاق وليس فسخًا. فإن كان فسخًا أو كان خلعًا، فهنا قال: لا ينقص عدد الطلاق. أنا لا معنى... مثلًا لو طلق، طلق هذا الخلع لا يزيد، مثلًا قال: «ثاني، طلق ثاني»، لا، هذا فسخ. حتى لو فسخ عدة مرات، مثلًا: طلقها، خالعها، ثم رجع إليها بعقد جديد ومهر جديد، ثم قالت: «خلاص ما أريد»، خالعها، وأكثر مرة يخالعها، هذا يقول الإمام أحمد في رواية عنه، وهو مذهب شيخ الإسلام وغيره: أن هذا ما يؤثر على عدد الطلاق. وهذا أيضًا مشهور مذهب أحمد، أن هذا لا يؤثر على عدد الطلاق. معنى: ما يدخل في عدد الطلاق. الطلاق: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، لكن الخلع لا يدخل. وقالوا: لأن الله عز وجل ذكره بعد التطليقتين، ذكر الخلع، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. هنا هذه الثالثة. فلو كانت الخلع ثالثة، نجعلها هي الثالثة، وهذه ستكون رابعة، وهذا ممتنع. لهذا قال العلماء: إن الخلع ليس طلاقًا، ولا يدخل في عدد الطلاق. وهذا لا شك هو المذهب الصحيح. قال: «وَلَا يَقَعْ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ خُلْعٍ طَلَاقٍ وَلَوْ وَاجَهَا بِهِ». أنه إذا... إذا اختلعت وهي في العدة، لا يصح طلاق. لماذا؟ لأنه قد انتهى عقده. كيف يطلق امرأة أجنبية؟ معنى المختلعة: امرأة أجنبية، ليست في عقده. بخلاف المطلقة: مطلقة لا زالت، إذا كانت لا زالت في العدة فله الرجعة. أما المختلعة: ليست له رجعة. وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح: أنه ليست له رجعة. كيف تفتدي بمالها، تعطيه مهرها، ثم بعد ذلك يرجع؟ هناك من العلماء من قال: يجوز، وهو مذهب الشافعي، قال: يجوز، لكن العوض يرجع. معنى: يجوز أن يرجعها في العدة؛ لأن عندهم عدتها كعدة المطلقة، فيقولون: يجوز له أن يرجعها، لكن العوض يرجع. معنى: يرجعها، لكن العوض يرجعها أيضًا، يرجعها، ليس بعقد جديد، وإنما تكون لا زالت في عصمته. وهذا بعيد جدًا من الأدلة. قال: «ولا يصح شرط الرجعة فيه». أنا لا يصح في الخلع شرط الرجعة، بل يعتبر شرطًا باطلًا. أنا لو قال مثلًا: قالت له: «خلاص خذ مهرك الذي أعطيتني إياه وطلقني»، فيقول: «خلاص أنا موافق، لكن بشرط أني متى أريد أرجعك أرجعك». هذا شرط يعتبر باطلًا، يعتبر باطلًا؛ لأنه اشترط شرطًا ليس صحيحًا، مخالف للعقد. لأن العقد ينتهي بالخلع، ليس بينه وبينها شيء بالخلع، كيف يرجعها أو يشترط عليها الرجعة؟ قال: «وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح». وهذا مذهب جمهور العلم: أنه إذا خلعها بدون عوض، فالخلع لا بد أن يكون بعوض، والعوض هذا بحسب ما يتفقان عليه، بحسب ما دفع. مثلًا: لو كان المهر منفعة، فهل تعيد المنفعة؟ المنفعة ما ستعاد، خاصة مثلًا إذا كانت ما تعرف هذه المنفعة التي مثلًا تزوجها بتعليم القرآن، أنه يعلمها، كيف يكون؟ لكن لا بد يكون هناك شيء تفتدي به. إذا لم يستطع أن يدفع هذا المهر الذي أعطاها إياه، أو هي التي تفتدي به لم تستطع، فإنه يعطيها شيء يتفقان عليه. وهنا قالوا: ما صح مهر، صح الخلع به. ويكره بأكثر مما أعطاها. طيب، هذا إن شاء الله نتركه في الصلاح. شكرًا.