الدرس في كتاب النكاح 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور مفهوم النشوز لغةً واصطلاحاً كعصيان الزوجة لزوجها في الواجبات، مبيناً خلاف الفقهاء في دخول ترك الفرائض والخدمة فيه. كما يستعرض الحقوق المتبادلة بين الزوجين وحكم امتناع الزوجة عن الطاعة لنقص النفقة.
يفصل المقطع المرحلة الأولى من علاج النشوز وهي الوعظ مع ترجيح البدء به عند الخوف من النشوز لا عند تحققه. ثم ينتقل لبيان المرحلة الثانية وهي الهجر في المضاجع بأنواعه من ترك الجماع ومفارقة الفراش مع مراعاة التيسير.
يبين هذا المحور تفصيل أحكام الهجر التأديبي ومدته مع رجحان الاقتصار على ثلاثة أيام، ثم ينتقل لشروط الضرب غير المبرح كونه نافعاً غير مضر بقصد التأديب لا التنكيل مستدلاً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يستعرض المقطع آية التحكيم وبعث الحكمين من أهلي الزوجين للإصلاح عند خوف الشقاق بينهما. ويختتم الدرس بالإشارة إلى انتهاء كتاب النكاح وذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: فصل: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها. والنشوز من باب اللغة يطلق على المكان المرتفع من الأرض، يعني نشزت، كأن المرأة ارتفعت عليه واستعصت. وأما اصطلاحًا، فما ذكره المؤلف هنا: النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها. "معصيته معصيتها" هذا صواب: معصيتها إياه فيما يجب عليها. وهنا كأن المؤلف قصر النشوز على الزوجة، مع أن الله عز وجل قد ذكر النشوز أيضًا عن الزوج، ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ﴾، ولهذا عرفه بعضهم بقوله: امتناع الزوجين أو أحدهما عن أداء الحق الواجب عليه بلا عذر. قال رحمه الله: فإذا ظهر منها أماراته. أمارات النشوز: يذكر بعض الفقهاء أن النشوز يحصل بأحد أمرين: إما بامتناعها عن الاستمتاع، أو أنها نشوز عن الطاعة، أي لا تستمع له وتخرج بدون إذنه، أو تمتنع عن الذهاب معه. المهم أنه في الطاعة: ما تسمع كلامه، أو تمتنع أن يطأها، فهذا هو المقصود بالحق الواجب. إلا أن المالكية في كتبهم يذكرون أن من أمارات النشوز ترك الفرائض، إذا كان يترك الفرائض يجعلونه من النشوز. وأكثرهم لا يذكر عدم الخدمة ولا يعتبرونه من النشوز. عدم الخدمة: الصحيح كما ذكرنا أنه من الواجبات لكن بما يتعارف عليه، لأن الله عز وجل أمر الزوجة والزوج بالمعاشرة بالمعروف، ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. قال: بأن لا تجيبه إلى الاستمتاع مطلقًا، أو تجيبه متبرمة. معلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الرجل إذا دعا امرأته إلى فراشه فلم تستجب له، لعنتها الملائكة حتى تصبح. وجاء في حديث آخر: «بَاتَ عَلَيْهَا الرَّبُّ غَاضِبًا». فهذه إذا لم تستجب للاستمتاع. بعض النساء الآن تقول: طيب، كيف إذا كان الزوج يمتنع؟ فهل هو داخل في اللعنة؟ الأصل أن دخوله في اللعنة لم يأتِ، لكن هو داخل في قوله جل وعلا: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، فهذا حق يجب عليه أن يؤديه إلا بعذر. إذا كان عنده عذر في تركه فلا شيء، أما إذا لم يكن عذر فهو حق لها يجب أن يؤديه. فعاشروهن بالمعروف: أي معاشرتها بما تؤدى به حقوقها. أما دخوله في اللعن أو ليس دخوله في اللعن، فهذا لم يأتِ فيه شيء، لأن القوامة للرجل، وكذلك النفقة عليه وغير ذلك، فهي تجب عليها. إذا أخلى بالنفقة، قال العلماء: يجوز لها أن تمتنع عن حقه إذا امتنع عن نفقتها، لأنه الآن لم يؤدِ حقها الواجب، فممكن أنها تمتنع عن أن يستمتع بها وهي معذورة. طيب، قال رحمه الله: قال: بأن لا تجيبه للاستمتاع مطلقًا، أو تجيبه متبرمة. عندكم بعدها: أو متكررة، أو متكررة. طيب، معنى تجيبه متبرمة أو متكررة: التبرم هو التثاقل في الاستجابة، معنى: هي ما تريد أن تستجيب لكنها تأتي بالغصب كما يقولون، أو متكررة: معنى أنها تكره أن تأتي وتستجيب له. فلهذا الآن فهمنا من كلام المؤلف أن الامتناع يعتبر نشوزًا، وكذلك التبرم والتكره يعتبر أيضًا نشوزًا. التبرم والتكره أيضًا يعتبر نشوزًا: إذا تبرمت وتكرهت، جاءت وهي كارهة وغاضبة، فهو أيضًا يعتبر من النشوز. وبعدها: وعظها. معنى: الآن بعدما تنجز، الآن يأتي إلى العلاج. كيف يعالج هذا النشوز؟ فأولًا ذكر الله عز وجل الوعظ: ﴿ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾. فالآن الوعظ معناه: كأنه يستخدم العلاج الأول، يعتبر أنها يعظها بأشياء: إما يعظها بتقوى الله عز وجل في ذلك، لأن هذه مخالفة للزوج، مخالفة لأمر الله أولًا، مخالف أمر الله في إطاعة الزوج، ويخوفها بالله، ويبين لها أن حملها هذا من الآثام، والتي يجب عليها أن تتوب منها، ويبين لها مثلًا عظم هذه المعصية، خوفها بالله جل وعلا، وأيضًا يذكر لها ما يترتب على هذا النشوز، وغير ذلك. والعاصل أن هذه الأشياء بالترتيب على ما ذكرها الله، فلا ينتقل إلى الثاني إلا بعد أن يجرب الأول. لا ينتقل إلى الهجر إلا بعد أن يجرب الوعظ. لكن اختلفوا، مع شبه اتفاق من العلماء أنه يرتب هذه الأشياء، لكن اختلفوا: متى يبدأ؟ متى يبدأ هذه المراحل؟ فعند الحنابلة، الصحيح في مذهب الحنابلة أو المذهب عندهم وهو مذهب الشافعي أيضًا: يبدأ بالوعظ من حين ظهور الأمارات، من حين ظهور الأمارات، ولو لم يظهر النشوز فعليًا. إذا رعاها متغيرة، تغيرت في تصرفاتها، لا تستجيب له، أو تستجيب له لكن يجد شيء من التغيير، هناك أمارات وعلامات تدل على أن المرأة فيها نشوز. وأما مذهب الحنفية والمالكية فيقولون: لا يبدأ بالوعظ إلا إذا ظهر النشوز فعليًا. ولا شك أن الآية تدل على القول الأول: الله عز وجل قال: ﴿ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾، تدل على أنه إن خاف النشوز، وجدت علامات عن النشوز، فيبدأ بالوعظ. وليس معنى الوعظ أنه يعظ مرة أو مرتين، يقول: خلاص لقد وعظت. لا، يكرر هذه الأشياء كلما رآها أو رأى فيها علامات النشوز، وعظها وذكرها بالله: اتق الله، أنه نحن مثلًا نريد هذا الزواج يكون على رضا الله، وغيرها من الوعظ التي تذكرها بيوم الآخر، وكذا، وأن الزوج والزوجة إذا تراضيا وكذا يكون لهما أجر عند الله عز وجل. قال: فإن أصرت، هجرها. أصرت على النشوز وأظهرت النشوز، فهنا ينتقل إلى المرحلة الثانية. إذا أصرت على النشوز، وعظها قبل لما رأى علامات، ثم وعظها لما نشزت، فأصرت على النشوز، هنا يستخدم الأمر الثاني، معنى ينتقل للمرحلة الثانية وهي الهجر. يهجرها، قال: فإن أصرت فاهجروهن في المضاجع. ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام. هنا قسم الشيخ الهجر إلى قسمين: القسم الأول الهجر في المضجع، والقسم الثاني الهجر في الكلام. القسم أولًا في المضجع، ثم في الكلام. فأما الأول وهو الهجر في المضجع: أن كثيرًا من العلماء يقولون: الهجر في المضجع هو ترك الجماع، لا يجامعها، معنى: ينام معها ممكن لكن لا يجامعها. ومنهم من قال: أن الهجر هو أن يوليها ظهره، ينام معها لكن يوليها ظهره. ومن أهل العلم من قال: أن الهجر أن يترك المكان كله، معنى: لا ينام عندها، ينام بعيدًا عنها، ولو كان في الغرفة. والصحيح، الذي رجحه بعض العلماء المعاصرين كالشيخ ابن عثيمين وغيره، أن هذا كله يستعمل، هذا كله الهجر يستعمل في هذا الأمر، معنى: يرى أي شيء المناسب، هل أنه يكتفي فقط بعدم جماعها، أو أنه يكتفي فقط بأنه يوليها ظهره، أو أنه يقوم من عندها. وهذا يدل على فصاحة القرآن وبلاغته، لم يذكر شيء محدد، وإنما قال: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾. فالنساء تختلف: بعض النساء إذا لم يجامعها تقول لك: فكة، هي ما تريد أصلًا، فهذا ما سيكون لها هجر. بعض النساء قد تتأثر بسبب أنه موليها ظهرها، تريد تتكلم معه، تريد كذا، يعطيها ظهرها. وبعض النساء مثلًا تحتاج إلى أن ينام في مكان آخر، ولو يخرج من الغرفة، معناه أنه يشعرها أنها ثقيلة عليه، وهو لا يريد ذلك، لكن يريد أن يجعلها تعلم أنه غاضب عليها. قال: في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام. هذا في الكلام: إذا كان في الكلام يهجرها ثلاثة أيام ولا يزيد. وقال كثير من العلماء: أنه لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِمُرْءٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ». وهناك قول آخر من أقوال العلماء: أنه يجوز له أن يهجر ما شاء إلى أن تتأدب، لأن هذا هجر تأديب، وليس كالهجر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل لم يخصص أيامًا، لكن أخذوا التخصيص من هذا الحديث. لكن هذا الهجر الذي نُهي عنه، أصلًا هذا الهجر الذي نُهي عنه، أما هذا فهو هجر مأمور به، فهو مأمور به. لكن هل يقال أنه مطلقًا لا؟ هل يقال أنه مطلقًا وإنما يستعمله فترة من الزمن؟ ولو اقتصر على الثلاث الأيام أفضل، من باب الخروج من الخلاف، وأيضًا أن هذا محتمل في الآيات. طالب: أين صرت؟ ضربها. ضرب غير مبرح. أنا هنا ينتقل إلى المرحلة الثالثة وهي الضرب. لكن الضرب يشترط له شروط: أولًا، الشرط الأول: أنه يعلم أن هذا الضرب سينفع، ما سيضر. لأن عوايد الناس تختلف، وعوايد النساء تختلف. فبعض النساء تتحمل ضربًا أكثر، بعض النساء مثلًا تجد زوجها دائمًا يضربها على شيء أو حتى على أشياء تافهة وهي تتحمل الضرب.حيانا يأتي مثلًا وهو سكران ويضربها، أو مخدر أو كذا، فبعض النساء تتحمل ذلك، وبعض النساء ما تتحمل، ولو كلمة. أحيانًا بعضهم ما يتحمل حتى الكلام، ما يتحمل الكلام، فكيف لو ضربها؟ لو ضربها معناها تعمل مشكلة كبيرة، وما سيكون هذا حل، بل سيكون نشوز أكثر. ستكبر القضية، ستكبر القضية. مثل ما واحد كان يريد يعالج هذا النشوز، فالمهم كان يتنازع مع زوجته ويتكلم بكلمة، قام واخد سكين بحلقها، ففكت بعدين، نست كل التنازع الذي بينها، مع أنه تزوج عليها وكذا، هذا كله نسته، ما ذكرت الله، فقالت: ما سأرجع إليه وأنا مسكني بحلقي، وكذا، خلاص ما سأرجع إليه. وجعلت المشكلة الآن هذا الاعتداء. فلهذا تختلف النساء، فلهذا إذا رأى أن الضرب لا جدوى فيه، بل يزيد المشكلة، فلا يضرب. وأيضًا الشرط الثاني: ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، أن يضربها، أو الله عز وجل أقصد، النبي صلى الله عليه وسلم أن يضربها ضربًا غير مبرح. لا يكسر العظم، ولا ينثر اللحم. حتى لو ظن أنها سترتدع إذا ضربها ضربًا شديدًا أنها سترتدع، لا يجوز له ذلك، لأن هذا مخالف للعشرة بالمعروف. ولو كان هذا ضرب رحمة كان أولى وأفضل، أن يضربها ضرب رحمة. المراد أنه ما يأخذ عود ويقوم يضرب بها مثل أطفال، معنى: إما يلكمها لكم، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة لما لكمها لكمة في صدرها، قالت: حتى وجعتني. لما خرجت، لما قال: قال لها: «أَتَظُنِّينَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ». لما خرج إلى البقيع، فخرجت، فخرجت خلفه في الليل، فلما رجع رجعت، فجرى، فجرت، ثم لما سألها: ما مالكِ حفزة؟ معنى: كأنها لما جرت كانت تلهث. قال: «لَعَلَّكِ سُوَادُ الَّذِي رَأَيْتِ هَمَامِي». قالت: نعم. فلكمها لكمة، فقالت: «أَتَظُنِّينَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ». فهذا من باب هذا الباب، معناها باب الضرب، لكن برحمة. تكون في هذا الضرب رحمة، حتى يضربها مثلًا وهو يضحك، حتى لا تحس بهذا الضرب، يعطيها لكم، يعطيها كذا، أو أنه يضربها معنا وهو غاضب، لكنه ضرب ليس بذاك الضرب الشديد. فلهذا لا بد أن يكون هذا الضرب ضربًا غير مبرح. ﴿ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ﴾، كما في حديث عوف وغيره. فهذه الطرق التي يستخدمها معها. فإن أصرت على النشوز، يحاول أنه يصلح بينها وبينها، يرى إيش السبب الذي جعلها تفعل هذا الأمر. فإن لم تفئ، معناها: لما أصرت على النشوز، وخشيوا الفرقة، يدخلون من يحكم بينهم: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾. إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما. إن الله كان عليمًا خبيرًا. انتهينا من كتاب النكاح. ترجمة نانسي قنقر.