الدرس في تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يفسر المقطع الآيات من سورة الأعلى، حيث يشير إلى أن قوله تعالى ﴿ونيسرك لليسرى﴾ هو بشارة للتيسير في الإسلام. يتناول أهمية التذكير بالقرآن والخلاف حول شرط نفعه.
يصف المقطع صفات الكفار وأهل النار الذين لا ينتفعون بالمواعظ، مقابل صفات المؤمنين الذين يتزكون ويفلحون، مبيناً الفرق بينهم في التعامل مع المواعظ.
يفسر المقطع قوله تعالى ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾، حيث يناقش معاني التزكية والصلاة وارتباطهما بالفلاح، مع آراء العلماء حول دلالة الآية.
يشير المقطع إلى نزول الآيات في مكة وتطبيق الأحكام في العهد المدني، مع ذكر مسائل وأحكام تتعلق بالآيات كما ذكر البغوي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في سورة الأعلى، ومع تفسير الجلالين، وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله عند قول الله جل في علا ﴿ونيسرك لليسرى﴾، قال: للشريعة السهلة، وهي الإسلام. وهذه الآية ﴿ونيسرك لليسرى﴾ هي البشارة الثانية التي بشر بها نبينا صلى الله عليه وسلم. البشارة الأولى قد مضت معنا في قول الله ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، أي أن الله عز وجل سيحفظ لك القرآن في صدرك، فلن تنسى منه شيئا. وهذه البشارة الثانية، يقول سبحانه وتعالى ﴿ونيسرك لليسرى﴾، قال: للشريعة السهلة، للشريعة السهلة. وهذه بشارة بشريعة الإسلام، إذ أن الإسلام يقوم على اليسر والتيسير. وهذه البشارة وإن كانت لنبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الأمة تدخل فيها، إذ أن هذه الشريعة قائمة على اليسر، وقائمة على السهولة، كما قال سبحانه ﴿وأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾. ففي هذه الآية إشارة إلى عظيم هذه المنة التي من الله بها على نبيه عليه الصلاة والسلام، وأن الأمة من بعده تبع. ثم قال سبحانه ﴿فذكر﴾، قال: عظ بالقرآن. وفي هذه الآية إشارة إلى أهمية التذكير، وأن المسلم يحتاج إلى أن يذكر بين الفينة والأخرى، إذ أن الإنسان في هذه الدنيا يعتريه الغفلة، وتعتريه النسيان والسهو، وهكذا يعتريه ما يبعده عن ربه. فهكذا، فالإنسان يحتاج إلى أن يذكر بين الفينة والأخرى حتى يكون قريبا من ربه، كهذه المجالس كمجالس العلم ومجالس الذكر، الذي فيها أن الإنسان كلما دنا منها تذكر أمر ربه عز وجل، بخلاف الذي يبتعد عن مجالس الذكر، فإن الغفلة تستحكم فيه. فأمر ربنا عز وجل بالذكر، قال سبحانه ﴿فذكر﴾، قال: عظ بالقرآن، ﴿إن نفعت الذكرى﴾، أي: من تذكره المذكور فيمن سيذكر، يعني وإن لم تنفع. وهذه مسألة وقع فيها الخلاف بين أهل العلم في قوله سبحانه وتعالى ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾، هذا الشرط ﴿إن نفعت الذكرى﴾، هل له مفهوم أو لا مفهوم له؟ فمن أهل العلم من يرى أن هذا القيد لا مفهوم له، بمعنى أنك يا عبد الله ذكر، سواء نفعت الذكرى أو لم تنفع الذكرى، أن تقم بالتذكير. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف، وهكذا جماعة من أهل العلم، بل حتى أن من أهل العلم من يرى أن هذه الآية فيها تقدير، فيها تقدير، وتقدير الآية: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع﴾، وهذا مقدر. واستشهدوا بآيات على هذا المنوال، كقوله سبحانه وتعالى ﴿وسرابيل تقيكم الحر﴾، سرابيل بمعنى ثياب، ﴿وسرابيل تقيكم الحر﴾، قال: والمعنى والبرد أيضا، والبرد أيضا، لكن البرد لم يذكر في الآية، لكنه يفهم من المعنى، أي أن الله من علينا بثياب تقينا الحر وتقينا البرد. قال: وهكذا الآية ﴿فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع﴾، ذكر. هذا قول جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم من يرى أن هذا القيد له مفهوم، ومفهومه أن الذكرى إنما ينبغي أن تعطى لمن ينتفع منها، فمن لم ينتفع بالذكرى فلا تحتاج أن تتعب نفسك معه. وهذا الذي أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، يرى أن هذا العلم، وأن التذكير إنما يعطى لمن ينتفع منه، فمن لم ينتفع بهذه الذكرى فلا تعطه إياها، واستدل بالأثر المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه حين قال: «ما أنت محدث قوما حديثا لا تدركه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، فيرى ابن كثير رحمه الله أن هذه الذكرى ينبغي أن تعطى لمن ينتفع منها. وهنا مسألة أخرى، وهي: أما إذا كانت الذكرى تزيد في الشر أو تنقص من الخير، فلا تذكر. وهذا لربما يقع، وله صور، ولست في مقام بسط هذه الصور، لكن ضابطها أنك إن وجدت أن ذكراك وتذكيرك لشخص ما يزيد في شره، فلا تذكر، اتركه على حالته، اتركه على حالته، فبعض الشر أهون من بعض. فقال ﴿فذكر﴾، قال: عظ بالقرآن، ﴿إن نفعت الذكرى﴾، ثم قال سبحانه ﴿سيذكر﴾، أي: بها من يخشى، يخاف الله تعالى. قال: كآيتي ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾، أي أن الذكرى ينتفع منها من كان يخاف ربه، من كان عنده خوف، من كانت عنده خشية من الله سبحانه وتعالى، سينتفع من هذه الذكرى. فقال: وهذه كآية ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾، قال: ﴿ويتجنبها﴾، أي: الذكرى، أي: يتركها جانبا، لا يلتفت إليها الأشقى، بمعنى الشقي، أي: الكافر. فالمسلم ينتفع من الذكرى، حين أن يذكر، بخلاف الكافر، وهو الشقي، فمهما تلوت عليه كتاب الله، وأسررت إليه مواعظ الله، فإنه لا يتعظ بها أبدا. وفي هذه الآية تحذير، تحذير لك يا عبد الله أن لا تتشبه بحال الكافرين، سواء عليك أو عط أو لم تكن من الواعظين، هذا حال الكافر، فلا يصل بك الأمر يا عبد الله إلى هذا الحال، أنك تسمع المواعظ من الكتاب والسنة، ومن الوعد والوعيد، ومن الترغيب والترهيب، وهي لا تحرك فيك ساكنا، أصبح قلبك جلمودا لا يتأثر بمواعظ الله. وهذه بشارة شر، بشارة شر لأي مسلم، فإن المسلم ينبغي أن يملك قلبا حيا، إذا ذكر بآيات الله تذكر، فإن كان جاهلا تعلم، وإن كان ناسيا تذكر، وإن كان غافلا تنبه. أما أن الذكر تمر وتخرج ولا تؤثر عليك، فحينها يا عبد الله قد شابهت الكفار، وبئس الشبه هو. قال سبحانه ﴿الذي يصل النار الكبرى﴾، قال: هي نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا. ﴿الذي﴾، أي: هذا الكافر الشقي الذي لا يتعظ بمواعظ الله في هذه الدنيا، ما الذي أدى حين أن استكبر وأعرض عن الذكرى، وأصبح على كفره وعلى شركه حتى لقي الله بهذا؟ كان جزاؤه أن أصلاه الله عز وجل نار جهنم، والتي وصفها ربنا عز وجل بقوله ﴿الذي يصل النار الكبرى﴾. قال: هي نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا. لو قارنت بين النارين، بين نار الدنيا ونار الآخرة، لا قياس، لا قياس، لا من باب الحجم، لا حتى من باب قوة الحرارة، فقد جاء في الأحاديث الصحيحة على أن نار الدنيا هي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قال: عياذ بالله، تخيل هذه النار، هي كافية في الإحراق، لكن الله عز وجل سيجعل هذه النار تتباين في قوتها، لا في سعتها، في قوتها تزداد وتزداد. وهكذا النار تتأثر، النار عندنا في هذه الدنيا تجد أنها تزداد حرة من مكان إلى مكان، أو على حسب مواد الاشتعال. فتخيل أن نار الدنيا مهما كان معيارها ومقياسها، فإنها يوم القيامة تضعف إلى سبعين جزء، سبحان الله. إذا كان نار الدنيا تجد أن حرارتها يصلك إلى مدى كذا وكذا، فاعلم أن نار جهنم تجد مداها بمدة فقط، سعة الحرارة وما يسمى بكهربتها. فما ظنك بالذي يعيش فيها؟ نسأل الله السلامة والعافية. زد على ذلك من الفروق أن نار الدنيا كلما زادت اشتعالا فإنها تهفو وتخبو وتتضاءل وتنقص حتى تخمد، إلا نار جهنم، ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾، نسأل الله السلامة والعافية، كلما خبت زادت، زادت اشتعالا وإطراما على أهلها. قال ﴿الذي يصل النار الكبرى﴾، ولهذا وصفها ربنا بالكبرى، ضخامة في سعتها، في حجمها، في حطبها، وقودها الناس والحجارة. قال: ﴿ثم لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة هنية﴾، أي: من عاش في هذه النار لا يموت فيها، لا يتوقع أن يأتيه الفناء، فهو لا يموت، بل يعيش فيها خالدا مخلدا، حياته نارية، نارية، أكله من نار، ونومه على نار، وشرابه من نار، حياته كلها يعيش بين نيران، فلا يخرج منها، يبقى على هذه الحال أبد الآبدين. لا هو يموت فيستريح، ولا يحيى كما قال المؤلف ﴿حياة هنية﴾، وإنما يعيش معذبا، بل إنه يتمنى الموت فلا يأتيه الموت، بل يبقيه ربنا على هذه الحال، كما جاء في قوله تعالى ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾، نسأل الله السلامة والعافية من عيش وحال أهل النار. ثم قال سبحانه ﴿قد أفلح من تزكى﴾، قال: أفلح، فاز من تزكى، تطهر بالإيمان. حين أن ذكر ربنا عز وجل حال الكفار، ومن الذي أوصلهم إلى دار البوار، إلى جهنم وبئس القرار، ذكر ربنا عز وجل صفات أهل الإيمان، وأن من أعظم صفاتهم أنهم عملوا بالتزكية. قال ﴿قد أفلح من تزكى﴾، تطهر بالإيمان. وهنا ﴿من تزكى﴾ اختلف العلماء على عدة أقوال في موضوع التزكية هاهنا، قيل: تزكى، أي: تخلص من الشرك، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وقيل: تزكى، أي: تطهر من الأخلاق الرديئة والسلوكيات الذميمة، هذا معنى تزكى. وقيل: أنه تزكى بمعنى أنه عمل عملا زاكيا، عملا صالحا يقربه إلى ربه، هذا من معاني ﴿قد أفلح من تزكى﴾، تطهر بالإيمان. وذكر اسم ربه فصلى، هنا في قوله ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾، هنا يأتي معنى من معاني التزكية. قيل: أن تزكى هنا أي أخرج زكاة ماله، أخرج زكاة ماله. إلا أن بعض العلماء يبعد هذا المعنى، لأنهم يسيرون على قاعدة وهي أن الصلاة إذا قرنت بالزكاة فإن النص القرآني يبدأ بالصلاة ثم يتبعها الزكاة، هذا الترتيب: صلاة ثم زكاة. قالوا: أما ها هنا بُدئت بالتزكية ثم جئ بالصلاة بعدها، قالوا: هذا ما يأتي مع القاعدة، ما يأتي مع القاعدة، إذن التزكية هنا أمر آخر، ليست بزكاة المال، ليست بزكاة المال. ولهذا كما مر معنى تجد أن من العلماء في قوله تعالى ﴿قد أفلح من تزكى﴾ ما يأتون بأن هنا الزكاة بمعنى زكاة المال، وإنما يقصدون بالزكاة زكاة الروح وزكاة النفس وزكاة الأعمال والأخلاق والآداب، ويستبعدون زكاة المال لما سمعت، لأن الصلاة ذكرت بعد. قالوا: هكذا لا تكون القاعدة، وإنما الزكاة المال تكون بعد الصلاة لا قبل الصلاة. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله في قول ربنا ﴿وذكر اسم ربه فصل﴾، أي: هذا من صفات المفلحين الذين فازوا بالجنان أنهم ذكروا الله عز وجل. قال: ﴿وذكر اسم ربه فصل﴾، قال: هنا فصل مكبرا. مكبرا، لكن هنا التكبير يحتاج إلى دليل، والذي عليه المفسرون كما صرح بهذا الإمام الطبري رحمه الله تعالى على أن ذكر الله عز وجل يشمل كل شيء، يشمل التوحيد، يشمل الشهادتين، يشمل كل ذكر من أذكار الله. فيدخل في هذا الباب، وأنه علامة على الفلاح، أي أنك يا عبد الله تكثر من ذكر الله، وذكر اسم ربه مكبرا أو حامدا أو شاكرا أو موحدا، كل ذلك يدخل في ذكر الله. قال: ﴿فصل﴾، قال: الصلوات الخمس، وذلك من أمور الآخرة، وكفار مكة معرضون عنها. وفصل، وكذلك هذا من أجل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، الحرص على الصلاة، فمن كان مصليا فهو من أهل الفلاح، ﴿قد أفلح﴾، ما ﴿قد أفلح﴾ من ﴿قد أفلح﴾ المصلين، كما جاءت الآيات ﴿قد أفلح المؤمنون والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾. فكن يا عبد الله حافظا للصلاة. وهنا يذكر علماء مسألة، فبعض أهل العلم في هذه الآية ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ يجعل هذه الآية تتعلق بزكاة الفطر وصلاة العيد، بزكاة الفطر وصلاة العيد، نعم، هذا قول قال به جماعة من السلف، فيرون أن هذه الآية في هذا الباب. ﴿قد أفلح من تزكى﴾، أي: أخرج زكاة ماله، ﴿وذكر اسم ربه﴾، أي: التكبير، تكبير العيد، ﴿فصلى﴾، أي: صلى صلاة العيد، هذا نعم، قال به جماعة. إلا أن بعض العلماء قال: ما نخصص، ما نخصص، نقول هذه الآية نزلت في هذا، لا نجعل الآية عامة، أن من صور الفلاح تزكية النفس وذكر الله وإقامة الصلاة، ويدخل فيها ويدخل في هذا زكاة الفطر وصلاة العزية هذا قول. وهنا إشكال آخر أشار إليه الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره، وهو كيف أن هذه الآية تتحدث عن زكاة الفطر وعن صلاة العيد، وهي سورة مكية، سورة مكية، لم تفرض زكاة الفطر، ولم تعرف صلاة العيد، لأنها ما عرفت إلا في العهد المدني. فهذا الذي جعل جماعة من أهل العلم يستبعد هذا التفسير، ويرى أن الآية ما تفسر بهذا، وإنما تفسر بعمومها. لكن البغوي رحمه الله أتى بفائدة، قال: يمكن يمكن أن نقول بهذا على أن الآية تتحدث عن زكاة الفطر وعن صلاة العيد، وأنها نزلت في مكة، ولم تفرض هذه الأشياء، لكنها من الآيات التي سبقت الحوادث، من الآيات التي سبقت الحوادث. وذكر نماذج وأمثل في تفسيره رحمه الله تعالى على آيات أنزلها ربنا عز وجل، وأن أحداثها إنما جاءت فيما بعد، جاءت فيما بعد، مثل استدل بقوله تعالى ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، نزلت في مكة، وهي كانت تتحدث عما سيكون في العهد المدني. وهكذا في قوله تعالى ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾، حتى كان عمر يستشكل هذه الآية عما تتحدث، فجاء ذلك في يوم الأحزاب، وذلك في العهد المدني. فذكر البغوي رحمه الله أن الآيات قد نعم نزلت في مكة، ولم تفرض حينها هذه الأشياء، لكنها سبقت، وجاء أوانها في العهد المدني. هذا ما يذكر إخواني في الله عند هذه الآيات من مسائل وأحكام، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.