تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الأعلى من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح سورة الأعلى وتنزيه الله عز وجل

يتناول شرح سورة الأعلى معاني الآيات منها الأمر بتنزيه الله عز وجل وعلو الله المطلق. يبين إثبات القضاء والقدر وهداية المخلوقات وحفظ القرآن في صدر النبي.

التذكير والخشية من الله وحفظ القرآن

يشرح الآيات القرآنية التي تتحدث عن حفظ القرآن والتذكير والخشية من الله. يبين أن الله يعلم كل شيء وييسر لعباده اليسرى وأن الناس ينقسمون إلى قسمين عند التذكير.

الفلاح والنجاة من النار وفضل الآخرة على الدنيا

يشرح الآيات القرآنية التي تتحدث عن النار وعذابها ويبين أن الفلاح يكون بتزكية النفس وذكر الله والصلاة. يقارن بين الحياة الدنيا والآخرة ويشير إلى أن الآخرة خير وأبقى.

خاتمة وفضل سورة الفاتحة

يدل اهتمام النبي بالسورة على فضلها وأهميتها وينبغي للمسلم أن يعتني بها من خلال قراءتها وتدبر معانيها. يسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويصلي على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الدرس الماضي كان الانتهاء والفراغ من سورة الأعلى، وناسب هذا المقام أن نستدرك أهم ما قيل في هذه السورة من شرح موجز. فقوله سبحانه وتعالى ﴿بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى﴾ فيها الأمر بتنزيه الله عز وجل، فالتسبيح بمعنى التنزيه، أي أنك يا عبد الله نزه الله عز وجل عما لا يليق به من النقائص والمعايب ومن كل سوء. ولهذا جاءت الآيات القرآنية الكثيرة التي تنفي عن الله ما لا يليق به، فلا تأخذه سنة ولا نوم، وليست له صاحبة ولا ولد، وهكذا قس باقي ما يكون منقصة في حق الله وجب عليك أن تنزيه الله. ومن هنا كان من أعظم الذكر الذي يأتي به المسلم التسبيح أن تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، وهلما جر. فاستشعر لهذا المعنى. وأما الأعلى فهي صفة لله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى له العلو المطلق، علو الذات وعلو القهر وعلو القدر. قال ﴿الذي خلق فسوى الذي قدر فهدى﴾، قدر أي قدر ما يكون من حالها، وفي ذلك إثبات لمسألة القضاء والقدر، وأن الله عز وجل قدر الأشياء قبل فصولها وقبل وقوعها، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة في هذا المقام. والذي قدر فهدى هدى هذه المخلوقات، ليس فقط الإنسان بل كل العوالم من عالم الحيوان والنبات والأشجار والبحار والجبال، كل هذه العوالم أعطاها الله هداية هداية في تسيير أمورها ومعايشها ومسائل أكلها ومطعمها وشربها إلى آخر ذلكم. فالله عز وجل خلق فسوى وقدر فهدى، أعطى لهذه المخلوقات الهداية التي تتحقق بها الكفاية. قال ﴿والذي أخرج المرعى﴾، والله عز وجل من عظيم صفته سبحانه وتعالى أنه أنزل الغيث من السماء، والذي بدوره أخرج المرعى، وهذه النباتات والأشجار، وهكذا الأعشاب، وهكذا سائر النباتات والكلأ، كل ذلك بأمر من الله عز وجل أنبت الله ذلك كله، وإنما كان ذلك من غيث السماء. ثم قال سبحانه ﴿فجعله غثاء أحوى﴾، أي أن هذه النباتات التي اخضرت وتكاثرت وزينت بها الأرض، فإنها يأتي عليها فترة من الزمان تعود وتكون أدراج الرياح، تكون هباء، تكون غثاء أحوى، الغثاء هو الهاء الحاف والجاف الهشيم، والأحوى المسود إذا يبس. وهذا هو حال المرعى إذا جاءته الأزمان وطالت به الأعمار، فإنه يعود إلى ما كان أسودا يابسا. قال ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، بعدما ذكر ربنا عز وجل غيث المطر بما يكون من إنبات الزرع، ذكر هنا عز وجل غيث القلوب وما يكون من إنزال القرآن، فأخبر ربنا عز وجل عن مسألة تتعلق بنبيه عليه الصلاة والسلام، بأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن وجمعه إلى صدره. سنقرئك أي سنقرئك القرآن كاملا مكملا، تجده محفوظا ماذا في صدرك. ثم قال تعالى ﴿فلا تنسى﴾، والعلماء عند قوله تعالى ﴿فلا تنسى﴾ على أحد معنيين: فلا تنسى إخبار، أو لا تنسى طلب. فعلى قول من قال فلا تنسى إخبار، أي أن الله سيجمع لك القرآن في صدرك فلن يقع منك نسيانا فلن تنسى، فلا تنسى أي فلن تنسى. وإما أن المقصود به خطاب طلبي، بمعنى أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ القرآن في صدرك فلا تنساه، فلا تنساه أي كن حريصا على أنك تستحفظ ما فيه. قال ﴿إلا ما شاء الله﴾، أي إلا ما شاء الله، فإن هذا ليس بمقدورك. واختلف العلماء من مقصود بهذا الاستثناء بعد إقراء القرآن لرسول الله، قيل أن المقصود ما يكون من النسيان الجبلي، فإن الإنسان مهما كان هو عرضه للنسيان. قال فالنبي قد يقع منه النسيان لبعض آي القرآن، لكن لكنه يذكر، لكنه يذكر عليه الصلاة والسلام. هذا قول، والقول الثاني ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى: إلا ما شاء الله، أي إلا ما كان من نسخه، أي أنت ستحفظ القرآن ويكون محفوظا عندك كما هو، إلا ما استثناءه ربنا عز وجل بأنه ينسخه، هذا ليس يدخل عليك في مقام الحفظ، هذا سيذهب الذي نسخه الله عز وجل، إما نسخ تلاوة أو ذكر المؤلف نسخ التلاوة والحكم. قال ﴿إنه يعلم الجهر وما يخفى﴾، وهذه من صفات الرب عز وجل العلم العلم الكامل الشامل الذي لم يسبق بجهل ولا يلحق بنسيان جل في علاه. فعلم الله جل وعلا شامل، فهو شمل الجهر وجمل ما خفي، فالجهر هو الإظهار، الجهر هو الإظهار، وما خفي هو الستر، فكل ما خفي وكل ما ستر فالله يعلمه. وهذا عام عام في الأقوال والأحوال والأعمال، فالأقوال والأعمال والأحوال سواء كانت ظاهرة أو كانت مستورة فالله سبحانه وتعالى قد علم بها جل في علاه. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، حتى الذي في صدرك الذي ما يعلم به أحد من خلق الله فالله جل وعلا يعلمه، ويعلم ما تختلج به نفسك، ويعلم خائنة الأعين جل في علاه. قال ﴿ونيسرك لليسرى﴾، وهنا بشارة ثانية لنبينا عليه الصلاة والسلام بعد البشارة الأولى، البشارة الأولى بحفظ القرآن إليه، والبشارة الثانية أن الله سيجعله على هذه الملة الحنيفية السمحة السهلة السلسة، وهي اليسرى، وهي اليسرى فهي ميسرة مقارنة بسائر الملل والأديان والنحل، فإن الله عز وجل جعل فيها من اليسر ما لم يجعلها في غيرها من الشرائع. فلله الحمد. قال ﴿فذكر﴾، فذكر فيه بيان لعظيم مسألة التذكير، لعظيم مسألة التذكير، فالإنسان مهما كان صلاحه ومهما كان التقوى فهو عرضة للغفلة، عرضة للسهو، عرضة للنسيان، فإن الإنسان بين الفين والأخرى يحتاج إلى التذكير. ولهذا أمر ربنا عز وجل بالتذكير، فقال سبحانه ﴿فذكر﴾، ﴿إن نفعت الذكرى﴾، اختلف العلماء في هذا القيد هل هذا القيد له مفهوم أو لا مفهوم له، بمعنى هل هذه الآية ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ لها مفهوم، مفهومها أي أنك ذكر ذكر لمن سينتفع من الذكرى، ومن تراه أنه لا ينتفع من الذكرى هذا ليس عليك. هذا ظاهر الآية، فيقال هنا أن هذا الشرط له مفهوم. ومن أهل العلم من يرى أن هذه الآية ليس لها مفهوم، بمعنى أن هذه الآية بمعنى فذكر إن نفعت الذكرى، أي ذكر سواء الذكرى نفعت أو لم تنفع، أنت ذكر ذكر سواء نفعت الذكرى أو لم تنفع. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف. ثم قال سبحانه ﴿سيذكر من يخشى﴾، وأنك إن قمت بالتذكير وكلنا يحتاج إلى التذكير، ليس فقط في نطاق المساجد بل حتى في نطاق البيوت وفي نطاق الأسر والأفراد، وفي نطاق الأعمال وعلى مستوى الراعي والرعية، الكل يحتاج إلى التذكير. وحين في مقام التذكير الناس ينقسمون إلى أحد طرفين، قيض إلى أحد قسمين، إما أن أناسا ينتفعون من هذه الذكرى، فقال ربنا سيذكر من يخشى، من كان عنده خوف من الله عز وجل، هذه الذكرى ستنفعه، ولا زالت ولا زال المسلم الخائف من الله ينتفع من الذكرى كلما ذكر بربه يتذكر، يزيد في إيمانه، يزيد في بره وأعماله. والقسم الثاني قال سبحانه ﴿ويتجنبها الأشقى﴾، أي يتجنب المنفعة بالتذكير، قال ﴿الذي يصل النار الكبرى﴾، وهذا مصيره يصل النار الكبرى، أي نار الجحيم، وسميت كبرى مقارنة بنار الدنيا، فهي نار صغرى. قال ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾، أي هذا الذي يصل لنار جهنم، هل يظن أن الأمر قد انتهى يدخل في النار ويحرق فتلتهمه النار ويكون رمادا وجثة هامدة، يكون قد انتهى بهذا الإحراق؟ الجواب لا، لا يموت فيها ولا يحيا، بل سيبقى يعذب، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، نسأل الله السلام والعافية، يبقى في حياة أبدية سرمدية في نار جهنم، فهو لا يموت وأيضا لا يحيا حياة يرتع فيها، ما هناك راحة في جهنم، كلما خبت زدناهم سعيرا، دائما في إحراق في إحراق، لابثين فيها أحقابا، أزمانا طويلة طويلة، يعيشون مقابل ما كان من كفرهم وشركهم بربهم. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصل﴾، أي نال الفلاح وهو الفوز، وأعظم فوز أنك تجنب هذه النار، هذا أعظم فوز أنك تجنب نار، جنب هذه النار تلضى، النار التي يصلاها الأشقى، والذي لا يموت فيها ولا يحيا. إذا أردت أن تبتعي وتفوز بأن تنجو منها، هذه الصفات ما هي صفاته؟ قد أفلح من تزكى، يتزكى في هذه الدنيا، يتزكى يتطهر، يطهر معتقده من الدخول في الشركيات، يتطهر في أعماله بأن تكون لله عز وجل، يتطهر في أخلاقه وآدابه، فيترفع عن سفاسف الأمور وعن الأخلاق الهابطة والآداب الردية، وهكذا قل، يتطهر يتزكى في أقواله، فيختار ما طاب من الأقوال والعبارات والجمل إلى آخر حياته، فهو حريص على أن يتطهر أي يتزكى في أخلاقه وأعماله. وذكر اسم ربه، وهذا كذلك يشمل ذكر اللسان وذكر الأحوال، ويكون ذاكرا لله بأي ذكر، سواء كان بالقرآن أو بالتسبيح أو بالتحميد أو بالتهليل أو بالتكبير. قال ﴿فصل﴾، وأيضا كان مصلية، وهي أعظم عبادة بعد توحيد الله، الصلاة أعظم عبادة يحرص عليها المسلم. ثم قال سبحانه ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، تؤثرون ويؤثرون على قراءتين صحيحتين، بل تؤثرون الحياة الدنيا، والحياة الدنيا هي أعظم أعظم سبب في صرف الناس عن طاعة الله والإنشغال عما يرضي الرب عز وجل، والآخرة خير وأبقى، والمقصود بالآخرة أي الجنة. إذا كانت النار نار الجهنم نار هي نار الكبرى، فإن الجنة هي خير وأبقى، أمن هنا يا عبد الله قس وزن نفسك، وقارن بين هاتين الدارين، إما أنك تقارن دارا تقارنها بالجنة، الدار الأولى نار تلضى تعيش فيها أبد الآبدين، وإما أنك تعيش في نعيم مقيم خالدا مخلدا فيها أبد الآبدين، فالأمر متروك لك، وكل ذلك مرهون بأعمالك، فمن عمل صالحا يدخله ربنا جل وعلا جنات الخلد، وهي جنات المأوى. ثم قال سبحانه ﴿والآخرة خير وأبقى﴾، خيرية فيما فيها، وأبقى في المدة الزمنية. إن هذا أي ما مضى معنا وقلنا على القول الصحيح مع الخلاف الحاصل بين أهل العلم في هذا المشار إليه، هل مشار به السورة أو القرآن؟ الصحيح الآيات التي سبقت، وهي التي سمعتموها: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، هذه الآيات ما شأنها؟ ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾، أي هذه الكلمات وهذه الآيات الجليلات قد سطرت في الصحف القديمة في الصحف الأولى. ما هي هذه الصحف؟ أشار ربنا عز وجل إلى كتابين عظيمين أنزلهم الله إلى أشرف الأنبياء والرسل بعد نبينا، التي أنزلها الله على إبراهيم وموسى، وهي صحف إبراهيم وموسى. وأشرنا إلى ما مضى إلى صحف إبراهيم، والخلاف حاصل في صحف موسى، هل صحف موسى هي التوراة أم قدر زائد على قولين اثنين؟ فالله أعلم بالصواب. فهذه إخواني في الله خلاصة ما يذكر من هذه السورة العظيمة، والتي اجتملت على معاني كثيرة، ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحرص على القراءة على قراءة هذه السورة، وخاصة في المحافل والمناسبات، فقد كان يقرأها في الأعياد، وكان يقرأها في الجمع، وكان أيضا يقرأها في صلاة الوتر، وأيضا كان أحيانا يقرأ بها في صلاة الظهر وفي صلاة العصر. فكونه عليه الصلاة والسلام يعتني بهذه السورة بمثل هذه العناية دل على أن لها فضل وأن لها معنى ينبغي للمسلم أن يعتني بها بما سمعت من قراءة لآياتها والتدبر لألفاظها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.