أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 127

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 127

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 127، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

صفة الموقف يوم القيامة وأحوال الظالمين

يشرح المقطع صفة الموقف يوم القيامة حيث يُحشر الأولون والآخرون في صعيد واحد، ويستعرض حال الظالمين من شدة الهول؛ فأبصارهم شاخصة لا تغمض، ورؤوسهم منكسة ذلاً وخوفاً، وقلوبهم خاوية من الفزع، مستدلاً بآيات سورة إبراهيم.

أهوال يوم القيامة في القرآن: القلوب والملائكة وطول اليوم

يستعرض المقطع آيات تصف أهوال يوم القيامة، منها ارتفاع القلوب إلى الحناجر خوفًا، وصف الملائكة والروح وقوفًا لا يتكلمون إلا بإذن الرحمن، وطول اليوم بخمسين ألف سنة، ومحاسبة الثقلين (الإنس والجن) الذين سموا بذلك لثقل الذنوب عليهم، مما يدل على عظمة الموقف ووجوب الاستعداد له.

نجاة المؤمنين بظل الله يوم القيامة وأصناف السبعة

يسرد المقطع آيات قرآنية تصف أهوال يوم القيامة كزلزلة الساعة، وذهول الناس، وشيب الولدان، ودنو الشمس وإلجام العرق للناس على قدر أعمالهم. ويبين أن المؤمنين المخلصين ينجون من هذه الشدائد، مستشهداً بحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كإمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ومتصدق بسر، وغيرهم من أصناف المؤمنين الذين يفوزون بالنعيم والسلامة.

استعداد المسلم ليوم القيامة والانتقال للسنة النبوية

يؤكد المقطع على ضرورة استعداد المسلم ليوم القيامة بالأعمال الصالحة التي تنجيه من أهواله، ويشير إلى أن المؤلف استعرض آيات قرآنية تصف صفة الموقف، على أن يتبع ذلك بيان صفة الموقف من السنة النبوية في السؤال القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وخمسة عشر: كيف صفة الموقف من الكتاب؟ هكذا يتدرج المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر ما يحدث في يوم القيامة حتى وكأنك ترى. فبعد ما انتهى من الكلام على البعث، انتقل إلى موقفٍ آخر من مواقف يوم القيامة، وهو جمع الناس في مكانٍ واحد، وهو ما يسمى بالموقف. فبعد أن يبعث الناس يُحشرون حتى يجمعون إلى هذا المكان، إلى تلك الأرض التي أراد الله عز وجل، فجميع الخلق من إنسهم وجنهم وأولهم وآخرهم يجمعون في هذا الموقف، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث الشفاعة العظمى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُجمع الأولون والآخرون على صعيدٍ واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر»، أي في أرض المحشر. ففي هذا الموقف يكون المقام عظيمًا وشديدًا، ويكون الكرب كذلك شديدًا، فتحصل أمور للناس تدل على هول هذا الموقف. فهذا معنى قوله: "كيف صفة الموقف؟"؛ أي: ما الذي يحدث فيه، وما الذي يحصل للناس في ذلك الموقف العظيم؟ قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 42-43]. فهذه الآية فيها بعض تلك الصفات، صفات الناس وأحوال الناس التي تدل على هول المقام وعلى شدة الكرب. فمن ذلك أن أهل الظلم في الدنيا يكون حالهم يوم القيامة أن أبصارهم شاخصة: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، أي ترتفع فيه عيونهم ولا تغمض من هول ما ترى، تكون هكذا شاخصة ولا تغمض من شدة الهول. وهكذا: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾، ومعنى "مهطعين": أي مسرعين، لا يرفعون رؤوسهم بل ينكسونها من الذل والمهانة والخوف. وقوله في هذه الآية: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، أي أعينهم لا ترف من هول ذلك الموقف، يعني ما تطلع وتنزل بأعلاها كما هو الحال في هذه الدنيا، وإنما تكون شاخصة وواقفة لا تترف ولا تتحرك من شدة ما يرون من عظيم هول ذلك اليوم، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾، أي قلوبهم ترتفع تصل إلى الحناجر، كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18]، أي أن أفئدتهم تكون مرتفعة إلى حناجرهم، فتكون فارغة، هذه القلوب ليس فيها شيء، فارغة، فلا يدركون ولا يفكرون في شيء، ولا يدركون شيئًا، فصارت عقولهم خرابًا. ثم ذكر الآية الأخرى التي فيها وصف ذلك الموقف: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]. أي من أهوال ذلك اليوم أن الملائكة الكرام، ومنهم جبريل عليه السلام الذي هو أفضل الملائكة عند الله عز وجل "الروح"، هؤلاء الملائكة في ذلك اليوم، وهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم المقربون إلى الله عز وجل، لا يتكلمون تعظيمًا لله وخوفًا ووجلًا منه سبحانه وتعالى، الذي في ذلك اليوم يغضب فيه غضبا لم يغضب مثله قط ولن يغضب بعده قط. فالملائكة هؤلاء لا يتكلمون، فغيرهم من باب أولى. نعم، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر: 18]، أي يوم القيامة، وسميت بالآزفة لقربها، الشيء الذي أزف أي قرب. ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ * مَّا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18-19]. وقد تقدم ذلك: أن قلوبهم تكون إلى حناجرهم، فتكون خائفة فارغة لا فكر لها ولا عقل لها، فهي عقول خاربة. ثم ذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]، أي مدة هذا اليوم العظيم من البعث إلى دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار: خمسين ألف سنة. فهو يوم عظيم حق فيه هذا الطول وهذه الفترة المديدة، وهذا يدل على عظم هذا اليوم. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: 31]، أي سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم في أعمالكم التي عملتموها في الدنيا. قال بعض أهل العلم: سُمّي الثقلان بهذا الاسم لأنهم أثقلتهم الذنوب، سُمّي الإنس والجن لأنهم هم المكلفون، بالثقلين لأن الذنوب قد أثقلتهم، فالذنوب تثقل صاحبها، فلذلك سُمّي الإنس والجن بالثقلين. فالله عز وجل سيفرغ لحسابنا، وهذا يدل على عظيم الموقف، وأن الإنسان يستعد بين يدي الله سبحانه وتعالى. قال: "وغير ذلك"، أي وغير ذلك من الآيات، وهو ذكر بعض الآيات التي جاءت في صفة الموقف، وإلا فالآيات كثيرة. منها أيضًا ما جاء في أول سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2]. فانظروا إلى هذا الوصف القرآني الذي يبين لنا عظم ذلك اليوم وما يلاقي الناس من شدائد ومحن. وكذلك من تلك الآيات قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17]، الولدان أي الأولاد الصغار تكون رؤوسهم بيضًا كرؤوس من شاب شعره من كبار السن، لهول ما يرون وما يلاقون في ذلك اليوم. فهذا أيضًا يدل على عظيم هول ذلك اليوم. والقصد من ذكر هذه الآيات أن يستعد المسلم، وأن يكون من عباد الله المؤمنين الذين ينجيهم الله من تلك الأهوال ومن تلك الشدائد. فأهل الإيمان في نعيم وفي نجاح من تلك الأهوال، ولو كانوا في الموقف. قال الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1-6]. ثم ذكر ما يلاقي أهل الجحيم الذين هم في سجين، وما يلاقي أهل النعيم الذين هم في عليين. والحافظ ابن كثير عند هذه الآية ذكر أحاديث كثيرة فيها بيان هول وعظم وكذلك عظيم ما يكون في ذلك اليوم الشديد. وأهل الإيمان يكونون في نجاح مما يكون في بعض الشدائد في ذلك اليوم. فمنها من أهوال ذلك اليوم أن الشمس تدنو من العباد قدر ميل أو ميلين، فيبلغ الناس من العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا. وهناك أصناف من المؤمنين في ظل الرحمن سبحانه وتعالى لا تنالهم هذه الشدة، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. فهؤلاء الأصناف السبعة يكونون في نعيم وفي سلامة من مثل هذه الشدائد. فإذن المسلم يستعد لذلك اليوم، ويعمل بالأعمال التي تنجيه من تلك الأهوال. فهذا شيء مما ذكره المؤلف من الآيات التي فيها بيان صفة الموقف من الكتاب. وفي السؤال الذي بعده سيبين المؤلف كذلك صفة الموقف من السنة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.