الدرس في كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُعرّف المقطع القضاء لغةً واصطلاحًا مميزًا بين سلطة القاضي الملزمة ودور المفتي الاستشاري، ويستدل على مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع والعقل. كما يبين الترغيب في القضاء للعادل والترهيب للظالم أو الجاهل، مؤكدًا أنه فرض كفاية يشترط فيه العلم والقوة والأمانة.
يبيّن المقطع أن القضاء فرض كفاية لا يستقيم أمر الناس بدونه، ويشترط في القاضي اجتماع القوة والأمانة مع العلم بالأحكام الشرعية. كما يؤكد أن من شروط القاضي الأساسية أن يكون مسلمًا، ويفرق بين دور القاضي في التطبيق والتنفيذ ودور المفتي في الإفتاء فقط.
يستعرض المقطع شروط تولي القضاء في الإسلام وهي: الإسلام، البلوغ والعقل، الذكورة، الحرية، العدالة، البصر، والقدرة على النطق. يذكر المستندات من القرآن والسنة وإجماع العلماء، مع الإشارة إلى الخلاف في بعض الشروط كحرية العبد وبصر الأعمى ونطق الأخرس.
أشار المحاضر إلى بقاء بعض المسائل في باب القضاء وسيتم تأجيلها للدرس القادم. ثم أعلن انتهاء وقت الجلسة.
السلام عليكم. منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، كتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات، وهو آخر باب في هذا الكتاب. والقضاء لغةً: هو إحكام الشيء والفراغ منه. هذا هو القضاء؛ قضيت هذه الحاجة، أي أحكمتها، قضاءها والفراغ منها. هذا في اللغة. وأما اصطلاحًا، فالقضاء هو: تبيّن الحكم الشرعي والإلزام به، وفصل الخصومات. هذا هو تعريف القضاء اصطلاحًا: تبيّن الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات. فقوله: «تبيّن الحكم الشرعي»، هذا جنس يشمل القاضي والمفتي. المفتي أيضًا إذا سُئل يبيّن الحكم الشرعي، والقاضي إذا رفعت إليه قضية، أولًا لا بد أن يبيّن الحكم الشرعي. صح؟ فهذا جنس يشمل القاضي والمفتي. لكن قوله هنا: «والإلزام به»، هذا قيد يخرج المفتي؛ فإن المفتي لا يلزم، أو لا يُلزم بالحكم الشرعي. المفتي سيفتيك، لو قلت له مثلًا على سبيل المثال: فلان أخذ مالي وعندي شهود، فأنت تقول له: لا يجوز له ذلك، يجب عليه أن يرد مالك. صح؟ لكن هل للمفتي الحق أن يلزم الظالم برد هذه المظلمة؟ ليس له ذلك. صح؟ لكن القاضي إذا ثبتت عنده الشهود، فيلزم ذلك الظالم برد المظلمة، يلزمه إلزامًا بقوة السلطان، بقوة السلطان. فإذا قوله: «والإلزام به»، هذا قيد يخرج المفتي؛ لأن المفتي لا يُلزم بالحكم الشرعي. وقوله: «وفصل الخصومات»، وفصل الخصومات فيه بيان الغرض من القضاء، فالغرض من القضاء هو قطع الخصومة بين المتخاصمين، ورد المظالم إلى أهلها. فهذا هو القضاء شرعًا. ثم قال: «وأما الدعاوى والبينات»، هذا نأخذه إن شاء الله في موضعه. أولًا نتكلم الآن على القضاء، ثم ننتقل إلى الدعاوى، وهكذا إلى أن ننهي من هذه الأقسام الثلاثة والأربعة. والقضاء مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والعقل كذلك. أما الكتاب: فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وأما في السنة: فأحاديث كثيرة، منها حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». هذا دليل أيضًا على الحكم؛ أن قال: «إذا اجتهد الحاكم»، يعني القاضي. وأما الإجماع: فقد نقله أكثر من عالم من العلماء. وأما العقل: لأن القضاء من ضرورات الاجتماع، فبه ينتشر العدل، فلا عدل إلا بقضاء، ويعم الأمن. فلو لم يوجد القضاء، لتسلط القوي على الضعيف، والظالم على المظلوم، ولولا القضاء لعمت الفوضى، واختل الأمن، وفسد النظام. فإذن القضاء مهم جدًا في حياة الناس. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل القضاة إلى البلاد، فقد أرسل علي بن أبي طالب إلى اليمن ليقضي بين الناس، وكذلك أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن ليقضي بين الناس، وغير ذلك مما جاء في السنة. والقضاء ورد فيه ترغيب وترهيب. فالترغيب لمن هو أهل له، وعدل فيه، فهذا لا شك أن له أجرًا عظيمًا. فقد جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم ماذا؟ إمام عادل، إمام عادل. فإذا كان هذا القاضي عدلًا، حاكمًا بين الناس بالعدل، فلا شك أن هذا له أجر عظيم، بل هو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وجاء فيه أيضًا الترهيب لمن حاد عن الحق وظلم فيه، فهذا جاء في حقه الوعيد الشديد. فجاء في حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار». انظر: واحد فقط في الجنة، واثنان في النار. قال: «فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به». وهذا أيضًا فيه ترغيب في القضاء. لكن انظر إلى الآخرين: قال: «ورجل عرف الحق فحاد في الحكم فهو في النار». أيش معنى «حاد»؟ يعني ظلم، لم يحكم به هذا الحق الذي علمه، إما لرشوة، وإما لمعرفة، ونحو ذلك، فهذا والعياذ بالله في النار. قال: «ورجل قضى للناس على جهل»، يعني ما عنده علم، يقضي من رأس هكذا، بدون فقه في هذا الباب، ولا علم، ولا معرفة، ولا دراية، فهذا أيضًا والعياذ بالله في النار. رواه أبو داود، وصححه الألباني. ومما جاء أيضًا في الترهيب من القضاء ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين». يعني أن القضاء ذبح، ليش ذبح؟ لأن القاضي لا يضمن أنه لا يحيد عن الحق، فقد يقع في شيء من الظلم، فلا شك أن هذا أمر خطير. نعم. ولذلك كان كثير من السلف يتهرب من القضاء، مع ورعهم وتقواهم وعلمهم، ومع هذا كانوا يهربون من القضاء ولا يحبون ذلك. قال الشيخ رحمه الله - ابن السعدي -: «والقضاء لا بد للناس منه، فهو فرض كفاية». وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا امتنع الأكفاء كلهم عنه أثموا جميعًا. ومعنى الأكفاء: يعني الذين هم أهل للقضاء. لأن القضاء ما هو... يعني يتولاه أي أحد، القضاء لا يتولاه أي أحد، بل لا بد أن يكون القاضي أهلًا لهذا القضاء من حيث العلم، وهو القوة، تكون عنده علم حتى يستطيع أن يحكم، وتكون عنده كذلك أمانة. والقوة والأمانة لا بد منهما في أي عمل من الأعمال، ليس في القضاء فقط، بل في أي عمل، والقضاء من باب أولى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، حاكيًا عن نبيه يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. حفيظ: يعني أمين على حفظ هذه الخزائن، وهذه الأمانة، وعليم: أي عندي علم بهذه الولاية والأمر، كما قال عليه السلام. وهكذا إحدى البنتين لصاحب مدين، ماذا قالت لأبيها في حق موسى؟ ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. القوي: أي القوة في القيام بهذا العمل. قالوا: لأنها رأته يحمل حجرة لا يستطيع حملها إلا العشرة، فرأت قوته. وقيل أيضًا أنها حكمت عليه بالأمانة، أنها لما جاءت ودعته إلى أن يأتي إلى أبيها، تقدمت عليه، فقال لها: «كوني خلفي»، يعني حتى لا يرى منها شيئًا، فإذا أخطأت الطريق أرمي بحجر. هكذا ورد في التفسير. وقال: هذا من أمانته، فما كان ينظر إليها في شيء، ولا حتى في مشيتها. فقالت لأبيها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وهكذا ماذا قال الذي أراد أن يأتي بعرش ملكة سبأ؟ قال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]. القوة والأمانة واضحان، لأن أصحاب الأعمال لا يعني يوظفون عندهم إلا من اتصف بهذين الوصفين: القوة والأمانة. فلذلك هنا يكون فرض كفاية على الأكفاء من أهل العلم وأهل الأمانة، لا بد من اجتماع هاتين الصفتين، ما تكفي إحداهما عن الأخرى. فلو إنسان عنده أمانة لكن ما عنده علم بالقضاء، كيف يحكم بين الناس؟ ها ما يستطيع. ولو كان عنده علم بالقضاء، فاهم يعني الأحكام والحدود والشرع، لكن ما عنده أمانة، يرتشي ويظلم في حكمه وكذا، فإيش الفائدة؟ لا ينفع هذا. صح؟ إذن هذا معنى قوله: «والقضاء لا بد للناس منه، فهو فرض كفاية». لماذا فرض كفاية؟ لأن أمر الناس كما تقدم لا يستقيم بدونه، لا يمكن أن تستقيم أحوال الناس بدون القضاء. تصور أن بلدًا ما فيها قضاء، فلان قتل فلان، ما هناك من يحكم عليه، ولا يسجن الظالم، فلان أخذ مال فلان، ما يستطيع المظلوم أن يرد ماله، سيكون فوضى في البلاد. فإذن لا بد للناس من القضاء، فلذلك صار القضاء فرض كفاية. قال: «يجب على الإمام نصب من يحصل فيه الكفاية، ممن له معرفة بالقضاء، بمعرفة الأحكام الشرعية، تطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس». وهذا فيه أن المراد بالإمام هنا الإمام العام، لأن الإمام العام مع توسع البلاد ما يستطيع، كزمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء، أن يحكم بين الناس في هذه القضايا. كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم هو الذي يقضي بين الناس، وهو الذي يصلي بالناس، وهو الذي يخطب الناس، لأن البلاد كانت صغيرة. فلما توسعت البلاد وفتحت بعض البلاد، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم نوابه، فأرسل إلى اليمن عليًّا ومعاذًا، وأرسل إلى المدينة مصعب بن عمير قبل أن يهاجر يعلم، ونحو ذلك. فهذا من هذا الباب، فينصب الإمام من يراه أهلًا للقضاء. والآن في الدول يوجد يعني إدارة خاصة، وهي إدارة القضاء والمحاكم، هذه لها دراسات، ولها أناس يختصون بالدراسة، هذه العلوم التي تتعلق بالأحكام الشرعية والقضاء. فهذا هو بمعنى تنصيب الإمام لمن ينوبه، وتقوم به الكفاية في هذا الباب. يقول: «وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس»، أي أن الحكم الشرعي لا يكفي وحده، لكن لا بد أن كذلك يقوم بتطبيق هذه الأحكام على الواقع. مثلًا، مثلًا لو قتل إنسان آخر، فحكم القاضي بالقتل، فهو الذي يقوم بالإشراف على ذلك. هذا من مهام القاضي. كيف يقوم بالإشراف؟ يعني يطبق هذا الأمر على الواقع. مثلًا يخرج إلى ساحة، ويأتي بطبيب، ويأتي بمن يعني يقتل هذا الجاني، ويقرأ مثلًا الحكم أمام الناس، وكذلك يستدعي أولياء الدم لعلهم يعفون. هذا كله من مهام من؟ من مهام القاضي. يطبق هذا الحكم على الواقع. كذلك الحدود الأخرى كالسرقة، أو شرب الخمر، أو نحو ذلك. قد تقدم معنا أن الأحكام الشرعية لا بد من شهود الحاكم أو من ينوبه، والقاضي في قيام هذا الحكم. فهذا معنى: «وتطبيقها على الوقائع الجارية بين الناس». هذه الأحكام تكون أحكامًا عملية، بخلاف المفتي. المفتي ليس له علاقة بتطبيق هذه الأحكام كما تقدم، وإنما يفتي فقط: عليك أن تفعل كذا، وعليك أن تفعل كذا. أما التطبيق فهذا ليس عليه. أما القاضي فعليه تطبيق هذه الأحكام الشرعية الجارية بين الناس. قال: «وعليه أن يولي الأمثل فالأمثل في الصفات المعتبرة في القاضي». إذن نستفيد من هذا أن القاضي له شروط، القاضي له شروط لا بد من توفرها حتى يولى في هذا المقام، حتى يولى في هذا المقام. فمن شروط القاضي: أولًا: أن يكون مسلمًا. أن يكون القاضي مسلمًا، فلا يولى الكافر، بقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا. فالكافر ليس له طريق وسبيل على المؤمن، ولا شك أن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقضاء يجب... أو القاضي يجب احترامه، وبينهما منافاة. فلو جعل الكافر قاضيًا لاحترم بين الناس وارتفع قدره، صح؟ وهو لا يستحق هذه المنزلة لأنه كافر، والكافر ذليل. فلذلك لا يجوز تولية الكافر في القضاء. هذا الكلام على الدولة الإسلامية. أما أهل الكفر فلا شك أنهم يولون من شاء. كيف عندكم في إندونيسيا؟ هل النصراني يولونه القضاء؟ يولونه القضاء، قد يكون نصرانيًا ويقضي بين المسلمين، لأن الدولة ما هي مسلمة. إذا دولة إندونيسيا مسلمة... لا، الإعلان العام، هل يعتبرونها دولة إسلامية؟ دولة إسلامية إندونيسيا، لكن حكومة... بين إسلام، لكن حكومة ليست إسلامية. لكن الرئيس والجمهور لا بد من رجل مسلم. أيوة، تمام، هذا الرئيس، لكن الرئيس ينوب قضاء... القضاء هذه لا بد يكونوا مسلمين. هذا بإجماع العلماء. لكن هي الدولة أصلًا ما تراعي أحكام الإسلام. نحن عندنا مثلًا السعودية، اليمن، مصر، هذه دول إسلامية واضحة، فلا تجد في مصر... هل يوجد نصراني يعني قاضي؟ يمكن طبيب نعم، لكن قاضي ما أظن. اليمن هذا أكيد لا يمكن أن يكون إنسان كافر يعني قاضيًا نصرانيًا أو يهوديًا. نعم، لأن هذا بإجماع الفقهاء أن الكافر لا يكون قاضيًا، لا يكون قاضيًا، لأن الإسلام شرط في الشهادة. يعني الآن لو أنت في أرض مسلمة، قلت: عندي شهود اثنان من النصارى، هذا ما يقبلونهم في الشهادة، ما يقبلونهم في الشهادة. طيب، إذا كان الإسلام شرطًا في الشهادة، فلا شك أنه في القضاء من باب أولى، لأن القضاء أرفع وأعظم من الشهادة، أرفع وأعظم من الشهادة. فكما أن الكافر لا يشهد، فكذلك لا يقضي بين المسلمين، لا يشهد للمسلم، ولا يقضي على المسلم. هذا يعني بإجماع أهل العلم. هذا الشرط الأول. الشرط الثاني من شروط القاضي: أن يكون بالغًا عاقلًا. لأن الصبي أو السفيه... يعني يفوت بعدم اتصافه باثنتين... الصفتين، أحد ركني الكفاءة. فمن ركني الكفاءة: القوة، صح؟ القوة والعلم. والمجنون أو الصبي لا يمكن أن يتصف بهذا الوصف، وصف القوة في الحكم. هذا الشرط الثالث... الثاني. الشرط الثالث في القاضي: أن يكون ذكرًا، فلا يجوز أن يكون القاضي امرأة، لحديث أبي بكرة في صحيح البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». الصحيح أن الولايات، سواء كان في القضاء أو في الرئاسة أو الوزارة، لا تصلح فيها المرأة. فالمرأة ناقصة عقل ودين، وقليلة الرأي، وليست أهلًا لحضور المحافل الرجال، ورؤية الخصوم، ونحو ذلك، وهي فتنة في أصلها، فكيف تحكم بين الرجال؟ كيف تحكم بين الرجال؟ أما الرجل إذا حكم بين النساء، فيشترط وجود محارمها، وجود محارم هذه المرأة. أما القاضية، كيف ستأتي في كل حكم بمحرم لها؟ شغل واحد من محارمها، هذا لا يصلح. فأيضًا لا تكون المرأة قاضية. ومن عجيب استدلال بعض المغفلين أنه قال: لماذا أنتم تقولون لا تكون المرأة قاضية؟ والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ﴾ [مريم: ٢٣]. ها، أيش معنى «يا ليتاها»؟ يعني يتمنى أن يموت... القاضية يعني الموت، ليس معنى القاضية يعني تكون امرأة قاضية على الناس. تمام، فهذا استدلال يعني سخيف، استدلال بعيد جدًا، فليس هو في هذا الموضع. نعم. وهل في إندونيسيا تقضي المرأة أيضًا عندكم؟ هذا بل تكون وزيرة، صح؟ ديمقراطية عندهم، تكون رئاسات، جمهورية. يمكن عجيب، وهل تطورت البلاد في وقتها؟ ارجع لأنها ناقصة... حق الوكيل... لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. طبعًا هذا حديث أبي بكرة فيه قصة، وهو أنه في معركة الجمل، وكانت عائشة رضي الله عنها هي القائدة للناس في هذه المعركة، فدعي أبو بكرة إلى صف عائشة، لماذا ما تخرج مع أم المؤمنين؟ فقال: لقد نفعني الله عز وجل بحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وهي عائشة أم المؤمنين، ومع هذا لم يخرج معها، لأنه علم أنها يعني لا تفلح في هذا الأمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». ورابعًا: من شروط القاضي أن يكون حرًا، وهذا مذهب جمهور العلماء، ليخرجوا بذلك العبد. لأن القضاء قالوا: منصب شريف، فلا يجوز أن يتبوأه عبد، وأن يتولاه عبد. ولأن العبد مشغول بخدمة سيده، كيف يكون قاضيًا وهو تحت أمر سيده؟ فلذلك... فلذلك جمهور أهل العلم ذهبوا إلى عدم جواز ذلك. وبعض أهل العلم كابن حزم وابن عثيمين يرون الجواز لعموم الأدلة، لكن قول الجمهور والله أعلم هو الأقرب. وكذلك من شروط القاضي: أن يكون عدلًا، فلا يجوز تولية فاسق، بقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. والقاضي يجيب... قول، يجيب قول حكم، فلا يجوز قبوله مع فسقه، لأن الله عز وجل أمرنا إذا جاء أي فاسق بنبأ نتبين. وهذا القاضي إذا جاء... نتبين من... من هو قاضي قد قضى. طيب، فلو كان قضاءه جورًا، ما نستطيع أن نرده. فالفاسق لا يجوز أن يكون قاضيًا، ولا يجوز أن يكون شاهدًا، فكذلك لا يجوز أن يكون قاضيًا بطريق الأولى، كما مر معنا في الكافر. نعم. وكذلك الفاسق لا يؤمن أن يظلم في حكمه لفسقه، ربما يرضى بالرشوة، ربما يرضى بأمرأة أن يفعل بها مقابل أن يحكم لها، أو نحو ذلك، لأنه فاسق، لأنه فاسق. ولذلك هذا هو القول الصحيح: أن الفاسق لا يولى القضاء. والمراد بالعدل هنا: من كان قائمًا بالواجبات، مبتعدًا عن المحرمات، وكذلك بعيدًا عن الريبة، ما عنده شيء يعني يُراب منه، وأيضًا يكون ظاهره الأمانة، وأن يكون مأمونًا... مأمونًا، وغير ذلك من صفات العدالة، من صفات العدالة. وذكروا أيضًا، وهي مسائل مختلف فيها، ذكروا من شروط القاضي: أن يكون بصيرًا، يعني يرى بعينيه. ما يكون أعمى؟ لماذا قالوا: حتى يعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه، وحتى يقرأ بنفسه البينات، لأنه لو يقرأ عليه لربما دلس عليه، يعني قرأ عليه بدل النفي الإثبات، أو بدل الإثبات النفي. فهو أعمى لا يرى، فالله أعلم، الأعمى لا يصلح أن يكون قاضيًا. كذلك، وهذه مسألة مختلف فيها، لكنه قول الكثير من أهل العلم. ومن المسائل التي اختلف فيها في شروط القاضي: أن يكون متكلمًا، فأخرجوا بذلك الأخرس الذي لا ينطق. لماذا قالوا: لأنه لا يمكن أن ينطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، يعني لا يفهم الناس بإشارته. كيف سينطق بالحكم؟ كيف سيوصل الحكم إلى المتخاصمين؟ فالله أعلم، كذلك الأخرس هذا لا يصلح لأن يكون قاضيًا. وهذه مسألة مختلف فيها، تفاصيل، لكن هذا خلاصة ما يذكر. وبقيت أشياء في باب القضاء، نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. انتهى الوقت، إلى هنا، والله تعالى أعلم.