الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 120، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأحاديث النبوية الواردة في تحريم خلوة الرجل بالمرأة غير المحرم، وقوله صلى الله عليه وسلم "ثالثهما الشيطان". كما ينقل النهي الصريح عن دخول الرجال على النساء بغير إذن أزواجهن.
يخصص المقطع التحذير الشديد من "الحمو" وهم أقارب الزوج بقول النبي صلى الله عليه وسلم "الحمو الموت". يعلل العلماء ذلك بقربهم من المرأة وسهولة الخلوة بهم في المنزل، مما يستدعي الحذر البالغ لحفظ العرض والمروءة.
يذكر المقطع حديث أسماء بنت عميس في منع الدخول على المرأة المغيبة إلا مع محرم أو اثنين، وينقل عن عمر بن الخطاب النهي عن ذلك. يحذر من خطوات الشيطان في تزيين الحديث والمراسلة تدريجياً حتى يجمع بين الرجل والمرأة على الحرام.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، والدخول على المغيبة». قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل أبو رجاء الثقفي البغلاني، قال: أصله خراساني. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي إمام أهل مصر. قال: عن يزيد بن أبي حبيب، وهو النوبي المصري. عن أبي الخير، وهو مرثد بن عبد الله اليزني. عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إياكم والدخول على النساء». فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت». فهذا الحديث أخرجه أيضا كذلك مسلم وغيره، وفيه فوائد، منها وهي أساس البيت أو أساس الباب: النهي عن دخول الرجل على المرأة الأجنبية والخلوة بها. وأدخل الإمام البخاري في الباب المرأة المغيبة، والمرأة المغيبة أي التي غاب عنها زوجها. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، وكانت تحته، أسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر ثم تزوجها بعده أبو بكر، فدخلوا عليها وأبو بكر غير موجود، ثم جاء أبو بكر وهي تحته فرآهم فكره ذلك رضي الله عنه، فذكره لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر: «لا يدخلن رجل بعد يوم هذا على المغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان». يعني إذا كانت له حاجة في بيت هذه المرأة فلا يدخل وحده، وإنما إن شاء دخل ومعه، إذا احتاج إلى دخوله لا يدخل وينفرد مع المرأة. وأما يحمل هذا على أنه كان قبل نزول الحجاب، أن هذا قبل نزول الحجاب، لأن لما نزل الحجاب نسخ مثل أو دخول الرجال على النساء، أو أن المراد هنا دخول لحاجة ليس لأجل المرأة وإنما يريدون الرجل، مثل ما حصل هنا يريدون أبا بكر لكنه لم يكن موجودا، أو غير ذلك من هذه الأمور. وقد جاء عند أحمد وغيره من حديث عمرو بن العاص، وكذلك جاء نحوه من حديث عمر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان». ثالثهما الشيطان. وجاء عن عمرو بن العاص أنه قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن». نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخل على النساء بغير إذن أزواجهن. وجاء في رواية عند ابن جرير وهي رواية حسنة قال: «نهينا أن نكلمهن إلا عند أزواجهن». إلا عند أزواجهم. وجاء في حديث عامر بن ربيعة: «لا يخلون أحدكم بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا مع ذي محرم، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد». فخلوة الرجل بالمرأة لا تجوز. ثم قال هنا: يا رسول الله، قال رجل الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ فقال: «الحمو الموت، الحمو الموت». والمراد بالحمو: قريب الزوج، أخاه أو ابن أخيه أو غير ذلك. والمراد بالحمو والموت: أي احذروه كما يحذر الموت. معنى كانت العرب كما قال أبو عبيد: كانت العرب إذا أرادت تكره الشيء إلى الموصوف، معنى أن تكره الشيء إلى الموصوف تقول: ما هو إلا الموت، ما هو إلا الموت. كما قال الفرزدق لجرير: «فإني أنا الموت الذي هو واقع بنفسك، فانظر كيف أنت مزاولة». فالحمو أو الحمو هو من قبل الزوج، فعنى هذا الحمو الذي يدخل، وغالبا يكون في البيت، غالبا يكون في البيت، فلهذا الخطر يكون أعظم، فلهذا ولو كان هذا من الأصهار فإنه لا يجوز أن يخلو بالمرأة، لا يجوز له أن يخلو بالمرأة. فلهذا فمعنى الحديث كما قال الخطابي: احذروا الحمو كما تحذرون الموت، احذروا الحمو كما تحذرون الموت، لأنه غالبا لا يعاب به، ولا أيضا ويطمأن له لأنه في البيت غالبا، فلهذا فخلوته بهذه المرأة تكون أسهل، تكون أسهل له، فلهذا ينتبه لهذا الأمر حتى لا يذهب عار الشخص، وأيضا تنتقص مروءته من أقرب الناس إليه، فلهذا الخوف من الحمو أكثر من غيره. وليس معنى ذلك أن الإنسان يشك في إخوانه، يشك في أبناء أخيه، وكذلك، لكن يحذر، يحذر أن تساهل في هذا الأمر، فيحاول أن يحجب امرأته، يحجب امرأته، وأيضا يفعلون بعض الأشياء التي لا تجعل الرجل يخلو بالمرأة أو يراها، مثلا يكون مجلسهم غير مجلس النساء، وأكلهم غير أكل النساء، وهكذا، حتى يحذر من هذا الأمر، حتى لا يقع كما يقولون: حتى لا يقع الفأس بالرأس. ومعنى هذا الحديث: أن الخلوة بالأحماء مؤدٍ إلى الفتنة والهلاف في الدين، حتى جعله كهلاك الموت. وأما في هذا الحديث: النهي عن الدخول على المغيبة، ولو كان من أقرباء الزوج، ولو كان من أقرباء الزوج لا يدخل على زوجة أخيه أو على امرأة أخيه، لا يدخل عليها وليس عندها أحد، وليس عندها أحد. وأما إذا كان محرما فيجوز له أن يخلو بهذه المرأة، ولو كان هذا المحرم من الرضاعة. فلهذا فلا يجوز الدخول على النساء والخلوة بهن، وكذلك بلا خص المغيبات، المغيبات التي أزواجهن في غيبة، إما في سفر، إما في غزو، إما في شيء من هذا. ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «إياكم والدخول على المغيبات، ألا فوالله إن الرجل ليدخل على المرأة، ولأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يزن، وكذلك هي لأن تخر من السماء إلى الأرض أحب إليها من أن تزن، لكن الشيطان بعد ذلك يزين». كما قال عمر: «فما يزال الشيطان يخطب أحدهما إلى الآخر حتى يجمع بينهما». أنا فقد يكون أحيانا مثل ما يحصل الآن في المراسلات بين الرجال والنساء، فلو قيل للمرأة في بداية الأمر أنها تفعل الفاحشة لكانت أبعد ما يكون، كذلك الرجل لو حتى التفكير أنه سيفعل الفاحشة بهذه المرأة أحيانا لا يفكر بهذا أبدا، لكن يحل له أنه يتكلم مع هذه المرأة وتغره نفسه وتزين له هذا الكلام، ثم بعد ذلك تنشأ علاقة بينهما، ثم بعد ذلك ينشأ التساهل، ثم ينشأ بعد ذلك اللقاء بينهما، وهكذا حتى يقعان في الفاحشة والعياذ بالله. والشيطان كما قال عمر رضي الله عنه: «الشيطان يخطب أحدهما إلى الآخر حتى يجمع بينهما»، أي على الحرام. فلهذا كان عمر ينهى عن الدخول على المغيبات. فهذا شيء ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.