كتاب النكاح من صحيح البخاري 119

كتاب النكاح من صحيح البخاري 119

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

طريقة قتادة في الحفظ وآداب رفع الصوت عند التلقي

يستعرض المقطع سند حديث أبي موسى الأشعري عن تكاثر النساء وقلة الرجال، مركزاً على راويه قتادة بن دعامة الذي كان يرفع صوته عند الحفظ لتثبيت المعلومة بحواسه. ويبين الحكم الشرعي في رفع الصوت بالقرآن أو الحديث: جائز إذا كان وحده ولا يشوش، ومكروه إذا أزعج من حوله مستدلاً بحديث النهي عن رفع الصوت عند المزاحمة.

حديث أنس في أشراط الساعة: رفع العلم وكثرة الجهل والفتن

يروي أنس بن مالك حديثاً سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم عن علامات الساعة، منها رفع العلم بموت العلماء أو رفعه من القلوب والمصاحف، وكثرة الجهل والزنا وشرب الخمر، وقلة الرجال وكثرة النساء. ويوضح الشارح أن النبي لم يوقت هذه العلامات بزمان محدد، وأن قلة الرجال تدل على اشتداد الفتن وترادف المحن.

تفسير معنى «القيم الواحد» في حديث قلة الرجال وكثرة النساء

يفسر المقطع عبارة «القيم الواحد» بوجهين: الأول أن يكون رجلاً واحداً قائماً بشؤون خمسين امرأة من محارمه أو من يكفلهم، والثاني أن يكون ذلك بسبب انتشار الجهل والفساد فيجتمع الرجل بنساء غير محارمه. ويبين أن لجوء النساء للرجال في الفتنة يكون غالباً للستر والحماية لا للحرام، مستشهداً برواية عن نساء يطلبن من الرجل الصالح أن يؤويهن في زمن الفتنة.

خاتمة باب أحكام المرتد واحتمالاته

يختم الشيخ الباب بالإشارة إلى أن المسائل المذكورة كلها احتمالات واجتهادات في أحكام المرتد، مفوضاً العلم لله تعالى. ويعلن الاكتفاء بما ذُكر في هذا الباب معلناً انتهاء البحث فيه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب يقل الرجال ويكثر النساء». أنا في آخر الزمان. وقال أبو موسى عن النبي عليه الصلاة والسلام: «وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة من قلة الرجال وكثرة النساء». وسيأتي في الحديث أيضًا أنه قال: «حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد». وهنا ذكر حديث أبي موسى، وهو أيضًا في الصحيحين، وفيه هذه العبارة: «معنى ذكر أربعين امرأة». قال: حدثنا حفص بن عمر الحوضي، وهو بصري ثقة، قال: حدثنا هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي. وهشام كان يكتب الحديث ويتقن كتابته، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: «ما رأيت»، أو قال: «ما عندي أحد مثله». كان صاحب كتاب، وهو أوثق الناس في قتادة مع شعبة وسعيد بن أبي عروبة. ومنهم من يزيد أيضًا همام بن يحيى العوذي. قال: عن هشام، عن قتادة، وابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، ولد أكمه، أي: ولد أعمى، لكن الله عز وجل عوضه بالحفظ، فكان إذا سمع شيئًا حفظه، وإن لم يحفظه كان يكرره حتى يأخذه، يعين حتى يرفع صوته بذلك؛ لأنه كما يقول أهل المنطق -أو أهل الطب-: إن الإنسان إذا استخدم حواسه جميعًا كان الذي يتلقاه أثبت له. أنا كلما زادت حاسة زاد هذا التلقي، فالحفظ يكون بالنظر، وكذلك إذا رفع صوته زاد الحفظ. لهذا كان بعض السلف يرفع صوته عند الحفظ، خاصة إذا لم يشوش على أحد. أما إذا كان يشوش على الناس، ولو كان بقرآن، فلا ينبغي. بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الصوت بالقرآن إذا كان يشوش على الآخرين، كما جاء في حديث سعيد عند أحمد وأبي داود: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يرفع أحدكم صوته بالقرآن، فإن كلكم يناجي ربه». وقال في رواية: «لا يرفع بعضكم على بعض بالقرآن، فإن كلكم يناجي ربه». لكن إذا كان وحده فلا بأس. فكان قتادة إذا أراد أن يحفظ الحديث فلم يحفظه، أخذه العوي، أي: يقرأ بصوت مرتفع حتى يحفظ ذلك الحديث. قال: عن أنس رضي الله عنه قال: «لو حدثنكم» -أي: أنس يقول: لو حدثنكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري- هذا لفظ الحديث، لم يسمعه إلا هو، وإلا فما يشبه هذا الحديث كثير. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد». فهذا الحديث ذكره هنا. فقول أنس رضي الله عنه: «لا يحدثكم به أحد غيري»، الظاهر يريد أنه في ذلك الوقت الذي تأخر فيه رضي الله تعالى عنه، يعني: أنه في ذلك الوقت الذي يحدثكم فيه، ما ستجدون أحدًا يحدثكم به؛ لأن أنسًا تأخر، فهو من تأخر في الوفاة. توفي سنة ثلاث أو ثنتين وتسعين، وهو على قول كثير من العلماء آخر من مات بالبصرة من الصحابة. آخر من مات بالبصرة، وقيل: إنه آخر الصحابة موتًا، لكن الصحيح أن الطفيل مات بعده. فلذلك قال: «لا يحدثكم به أحد غيري»، أي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: «إن من أشراط الساعة» -أشراط: أي علامات- فقد جاء «أشراط» أي: علامات. «أن يرفع العلم». رفع العلم: إما المراد به موت العلماء، وهذا الذي جاءت به الأدلة، على أن رفع العلم هو موت العلماء. وقد يراد أيضًا رفع العلم، أي: رفعه من المصاحف ومن القلوب. وهذا قد جاء أيضًا في حديث أبي سعيد: «لا يسري على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى منه آية في الأرض، فلا يبقى منه آية في الأرض»، يعني: يرفع من المصاحف ويرفع من القلوب. وهذا الإخبار أنه يرفع العلم ويضع الجهل، ويكثر الجهل، هذا لم يوقته النبي عليه الصلاة والسلام في أي زمن سيكون. فلذلك جاء عن ابن مسعود أنه قال: «كل حديث بوقتية لا يصح». معنى التوقيت: شيء من هذه الأمور لا يصح، وإنما يكون من أشراط الساعة، أشراط الساعة وعلاماتها. وأيضًا في هذا الحديث: أن قلة الرجال يعتبر اشتداد الفتن وترادف المحن. إنما يقل الرجال في مسائل القتل غالبًا، فلذلك يقل الرجال وتكثر النساء بسبب كثرة الفتن. وهنا قال: وهو وجه الشاهد من هذا الحديث، قوله: «ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد». هنا هذه العبارة: «القيم الواحد»، فسرت بمعنيين: أن يكون قيمًا عليهن وناظرًا لهن وقائمًا بأمورهن. يعني: ليس أن هؤلاء النساء من أهله ولا من محارمه. يعني: قد يكون بعضهن من محارمه، أنا ممكن أن يدخل فيه أزواجه وبناته، وكذلك أخواته، كذلك أيضًا من يقرب له من هؤلاء، أو من يضمه معه ويكون تحت كفالته، تحت نظره، أن هو يقوم بشؤون تلك النساء. ويحتمل -يحتمل أيضًا كما ذكره بعض العلماء- أنه يكون قيمًا عليهن، أي: بسبب جهل الناس وكثرة جهلهم، فالرجل يتزوج أكثر من امرأة، أو أنه تكون له صديقات وصاحبات، أنا يكون له كأنه قائم عليهم، أنا هو الذي ينفق عليهن، وليست بأزواجه، لكن يذهب معهن في الحراب. وهذا يدل على كثرة جهل الناس وفساد المجتمع. إذا رفع العلم وكثر الجهل جاءت هذه الأمور: تكثر الفتن، يكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويكثر الهرج والقتل. فلذلك تريد المرأة أن يكون لها إنسان يقوم بها ويحميها. فقد يحتمل أن المرأة -أن هذه المرأة- تلتجئ إلى رجل، ليس أنها تريد الحرام، وإنما تريد أن يسترها هذا الرجل، ليس معها من أهلها أحد، وإن بقيت وحدها ممكن أنها تذهب إلى الحرام، أو يأتي إليها من يريد الحرام. فلذلك تلجأ إلى بعض الصالحين أو بعض الناس حتى تكون تحت إمرته وتحت قيمته، أن يقوم بشأنها. وقد جاء حديث بهذا المعنى، لكن بعض العلماء يقول: إنه ليس صحيحًا. وقد رواه أبو عمر الداني وغيره، أن فيه: «إذا عمت الفتنة ميز الله أصفياءه وأولياءه، حتى تطهر الأرض من المنافقين والفتانين، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة، هذه تقول: يا عبدالله اشترني، وهذه تقول: يا عبدالله آوني». وهذا محتمل، محتمل أن المرأة تريد الستر لقلة من يقوم بها، فتلتجئ إلى رجل صالح، أن تلتجي إلى رجل صالح، وغالبًا سيكون من أبنائها أو من أهلها، أبناء عمها. فهذا كله احتمالات في هذا الباب، والله أعلم. وإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.