الدرس في تفسير سورة الغاشية من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
سورة الغاشية مكية وآياتها ست وعشرون، واسمها يدل على القيامة أو النار. يبدأ المؤلف بتفسير معنى "هل أتاك حديث الغاشية".
يفسر الآيات القرآنية حول أوصاف يوم القيامة، حيث يشرح معاني "وجوه يومئذ خاشعة" و"عاملة ناصبة".
يصف عذاب أهل النار وطعامهم وشرابهم، ثم ينتقل إلى نعيم أهل الجنة وصفات وجوههم الناعمة يوم القيامة.
أهل الجنة جرد مرد، أي لا شعر في أبدانهم ولا لحى، وجوههم ناعمة، وهذا وصف يدل على فضل عظيم لأهل الجنة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الغاشية، في هذا المقام إخواني في الله سنقرأ ما ذكره صاحب تفسير الجلالين حول ما يتعلق بتفسير هذه السورة العظيمة، وكل سور القرآن عظيم، إلا أن سورة الغاشية جاءت الأدلة والآثار على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بها، كما مضى معنا في سورة الأعلى التي سبقت، فقد كان نبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهذه السورة بسورة الغاشية في المناسبات، فكان يقرأها في الجمع، وكان أيضًا يقرأها في الأعياد، فكونه عليه الصلاة والسلام ينتخب هذه السورة من بين سور القرآن في كثرة التكرار في مثل هذه المناسبات العظام دل على أمر خاص، وهي لعظيم ما اجتمعت واحتوت على الذكرى التي ينبغي أن يتأملها كل مسلم ومسلمة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الغاشية، وسورة الغاشية هذا اسمها في المصاحف وفي كتب التفاسير، وأما في دواوين السنة فإنها تسمى بسورة «هل أتاك حديث الغاشية»، هكذا اسمها «هل أتاك حديث الغاشية»، ولهذا تجد عن الصحابة أنهم إذا وصفوا قراءته عليه الصلاة والسلام قال: «وقرأ هل أتاك حديث الغاشية»، هكذا كانوا يسمونها، لكن كما قلنا في كتب التفاسير كما نرى من المؤلف أنه سماها بسورة الغاشية، وبعض المفسرين كابن عطية سماها بسورة «هل أتاك»، سماها بسورة «هل أتاك». قال رحمه الله تعالى: سورة الغاشية مكية، وهذا بالاتفاق لا خلاف بين أهل العلم أنها نزلت في مكة، وأشرنا دائمًا وتكرارًا على أن السور المكية ضابطها كل ما نزل قبل الهجرة. قال: وآياتها ست وعشرون آية، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، هنا في تفسير المؤلف قال: «هل» أي بمعنى «قد»، «هل أتاك» بمعنى «قد أتاك»، وهذا يسميه العلماء بالاستفهام التقريري، إذ أن الاستفهام له يأتي على عدة محامل، منه استفهام إخباري، استفهام استنكاري، استفهام تقريري، هنا ربنا لا يسأل جل في علاه «هل أتاك» وإنما يقرر نبيه «هل أتاك حديث الغاشية» بمعنى «قد أتاك حديث الغاشية»، هذا الذي أراده المؤلف بقوله «هل» قال «قد أتاك حديث الغاشية». قال: «القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها»، الغاشية اسم من أسماء القيامة، يوم القيامة أسماه الله عز وجل بأسماء عديدة: الصاخة، الطامة، الواقعة، القارعة، ومنه الغاشية، وهذا على قول كثير من أهل العلم كما جاء ذلك عن ابن عباس وعن غيره «هل أتاك حديث الغاشية» أي القيامة، ولماذا سميت القيامة بالغاشية؟ قال المؤلف: «لأنها تغشى الخلائق بأهوالها»، أنها إذا وقعت فهو هناك أحد سيهرب ويفر من أهوالها وشدائدها وكروباتها، فهي التعم جميع الخلائق، فالكل يغشاه من كربها، فسميت بالغاشية، إذن هذا هو الوصف الذي عليه الأكثر. ومن أهل العلم من يرى أن الغاشية هو اسم من أسماء النار «هل أتاك حديث الغاشية» أي «هل أتاك حديث جهنم»، هذا قول، نعم أثير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى يرى أن الغاشية هو اسم من أسماء النار، ومن أهل العلم كالإمام الطبري رحمه الله تعالى رجح هذا وذاك، وأن الكل يطلق عليه الغاشية: القيامة وهكذا جهنم، لكن الأكثر كما أشار المؤلف على أن الغاشية اسم من أسماء القيامة. قال: «وجوه يومئذ»، قال: عبر بها عن الذوات في الموضعين، أي سيأتي معنى الموضع الثاني، أي أن الله عز وجل ما أراد يتحدث عن جزء الوجه بخصوصه، وإنما أراد الله عز وجل أن يتحدث عن الإنسان بشكل عام، فذكر شيء من أجزائه، وهذا ما يقال عنه ذكر الجزء ويراد به الكل، ذكر الجزء ويراد به الكل، كقولك «تحرير رقبة»، هل أنت ستحرر رقبة؟ هنا تقصها؟ لا، ليس المقصود برقبة رقبة، المقصود به عبد كامل، لكن يذكر الجزء ويراد به الكل. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: «وجوه» أي ذوات وأناس، وإنما ذكر الوجه لأنه أعظم ما في الجسد، ذكر الوجه لأنه أعظم ما في الجسد، ومن أهل العلم قال: «وجوه» أي أصحاب وجوه، أصحاب وجوه يومئذ، قال: عبر بها عن الذوات، وفي قول ربنا «وجوه يومئذ» هذا إشارة إلى تصحيح من قال أن الغاشية هي القيامة، لأن الله لأن الله سيتحدث الآن عما سيقع يوم القيامة، فهذا هو الصواب، وهذا من مرجحات من قال أن الغاشية هي القيامة. قال: «وجوه يومئذ خاشعة»، قال: ذليلة، وهذا وصف لأهل الكفر ولأهل الشرك إذا قامت القيامة وعلموا أنه لا مفر من الحساب والعقاب، حينها سيظهر هذا في ملامح وجههم، ما الذي يظهر؟ يظهر الذل والخوف والوجل، لأن الخشوع بمعنى الذل والخضوع، الخشوع بمعنى الذل والخضوع، «وجوه خاشعة»، «وجوه يومئذ خاشعة» أي ذليلة منكسرة حقيرة لعلمها ما سيأتي بعد هذا. قال: «عاملة ناصبة»، ذات نصب وتعب بالسلاسل والأغلال، من وصف أهل الكفر يوم القيامة أن الله عز وجل وصفهم بقوله «عاملة ناصبة» أي هذا سيكون تكون عاملة ناصبة، وهنا اختلف العلماء في هذا الوصف متى سيكون أو متى كان؟ متى كان؟ فأكثر العلماء يرون أن هذا الوصف هو حاصل للكفار يوم القيامة إذا دخلوا النار، فهم في عمل ونصب، يا ترى ما العمل؟ ما العمل الذي سيقوم به الكافر يوم القيامة؟ أعمال عظيمة سيقوم بها الكافر، ما يكون من جر السلاسل والأغلال وما يكون من الجر والسحب على النيران وما يكون من الصعود والنزول في الوديان ومعاركة مع قارب والحيوانات والدخول إلى نار جهنم، عمل لا كلل ولا ملل أبدًا، هذا هو العمل والنصب. قال هنا: قال «ذات نصب وتعب بالسلاسل والأغلال»، نسأل الله السلامة والعافية من أحوال أهل النار، فهذا الذي يذكره الله ربنا عز وجل وصفًا لأهل الكفر وهم في نار جهنم يوم القيامة «عاملة ناصبة» أي هذه الوجوه الكافرة، هذا قول، القول الثاني: من ذهب إلى أن هذا الوصف هو إنما وصف الكافر في الدنيا، وصفه في الدنيا «عاملة ناصبة»، وهو في حق من خرج عن الصراط المستقيم فكان من أهل الأديان المنحرفة يهوديًا أو نصرانيًا، فلا زال يعمل في ماذا؟ في الدنيا يعمل يعمل في طاعة ما يعتقده صوابًا بدينه المحرف، فتجده يتعبد ربه على دينه المبدل المحرف المصحف، فهو يعمل ويعمل ويعمل ويتعب على هذا العمل، ثم يوم القيامة يكدس في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها «عاملة ناصبة تصل نارًا حامية»، وهذا هو الخسران المبين، وهذا هو الخسران المبين. نعم أثير هذا القول عن جماعة، وجاءت قصة يذكرها الكثير عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه مر على صومعة راهب فناداه، ناداه فأطل الراهب برأسه، فكان في سيم وجهه من التعب من التعبد من السجود والبكاء، نعم عندهم عباد عندهم زهاد، عندهم مثل الآن النصارى من تسمعه القسيسين والبابا فلان، هؤلاء أصحاب الفاتيكان، وكل قسيس في الكنائس هذا ما يتزوج إلى الآن ممنوع الزواج عليه، متبتل ما يعرف التلذذ، ما عنده زوجة ولا عنده ولد، قمة قمة في التبتل هذا إلى الآن، وإذا كانت القسيسة امرأة كذلك لا تتزوج، تعيش على هذه الحال إلى أن تموت وهي عزباء عزباء، إذن عندهم تنطع وعندهم تعبد. وهكذا قول اليهود يعملون ويشتغلون، فالشاهد أن عمر رضي الله تعالى نادى على هذا الراهب، فلما أطل برأسه وكانت عليه سيمة التعبد من البكاء والسجود على الجبهة، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه، فقيل: ما يبكيك يا عمر؟ ما يبكيك؟ فقال: تذكرت قول الله «وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية»، هذا الخسران، هذا الخسران، أنه يعمل ويكد على هذا الدين المحرف، ثم يوم القيامة يصلى نارًا حامية. وهذه القصة وإن كان رواها الحاكم في مستدركه إلا أن الذهبي تعقبه بضعفها، وبعضهم يحسنها بشواهدها، الشاهد أن وصف ربنا عز وجل للكفار «عاملة ناصبة» قد تكون في يوم القيامة، وقد تكون في الدنيا، يوم القيامة أي تعمل بالعذاب والنكال والسلاسل وما يكون من عذاب جهنم، أو أنها «عاملة ناصبة» تعمل بدينها المحرف. الإمام السعدي رحمه الله عند هذه الآية أشار إلى هذين القولين، ثم قال عن القول الثاني وهي أنها عاملة في الدنيا تعب في الشريعة المحرفة، قال: وإن كان المعنى صحيحًا، لكن السياق لا يتحمل هذا، فهو رد القول الثاني، ورأى أن المقطوع هو القول الأول أنها «عاملة ناصبة» أي يوم القيامة تعمل ماذا؟ في جهنم والعياذ بالله. قال: «عاملة ناصبة تصل نارًا حامية»، قال: «تصل» بضم التاء وفتحها، أي تصل وتصل، ولهذا عندي في نسختي «تصل نارًا» لأن على قراءة المؤلف على قراءة المؤلف بالضم، وأشار إلى قراءتنا بالفتح، فقال: «تصل» قال بضم التاء وفتحها، أي تقرأها «تصل نارًا» أو «تصل نارًا حامية». قال: «تسقى من عين آنية»، الآنية قال: شديدة الحرارة، أي يسقون من ماء لكن هذا الماء شديد الحرارة، شديدة الحرارة جدًا، فقطع أمعاءهم، إذا شربوا هذا الماء يصل الأمعاء فقطع الأمعاء، نسأل الله سلامه والعافية، شدة في الحرارة هذا من عذاب أهل النار من الكفار. قال: «تسقى» وتسقى دل على أن هناك من يسقيهم، هو قد لا يتجرع لا يتجرع على أن يسقى أو يشرب من هذه الماء الجحيم، لكن سيضطر إلى أن يتجرع لأنه يسقى من قبل غيره، «تسقى من عين آنية» أي شديدة الحرارة. ليس لهم طعام إلا من ضريع، قال: هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه، طعام إلا من ضريع، الضريع هو طعام ذو شوك، وهذا الذي قال عنه القرطبي، وهذا الذي عليه عامة المفسرين، عامة المفسرين على أن الضريع هو نبات ذا شوك، لكن منهم من قال أنه إذا كان أخضرًا فإن الدواب ترعاه، وإذا كان يابسًا فإن الدابة لا تقرب منه ليبوسته، وأيضًا لوجود ما يسمى يكون سامًا، ولهذا الدواب تترفع عن هذا النبات، وله عدة أسماء يسمونه في الجزيرة في الحجاز وغيرها، ومن من كان يسميه بأنه الشبرق، يسمى بالشبرق في بعض النواحي، وهي كما يقول النبات إذا يبس يكون مادة سمية فلا تأكله الدواب، لكن من يأكله أهل النار، هذا النبات يقدم طعام، فهم أهل النار يعيشون حياة الحياة التي حتى يبقون فيها يحتاجون إلى طعام وشراب، فلا ينقطع عنهم الطعام ولا الشرب، لا بل يقدم طعام وشراب، لكن على هذه الصفات، الطعام من هذا الضريع والشراب منه عين آنية، يأكلون ويتفطرون من هذه الأطعم والمشروبات، نسأل الله أن يعافينا وكل مسلم من هذا البلاء. قال: «ليس لهم طعام إلا من ضريع»، هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه، لا يسمن ولا يغني من جوع، وأي سمن وأي جوع سيطرد من خلال هذه الأغذية، وإنما فننا للكافر هذا العذاب لعظيم ما فعل واقترف من تصديه وصده عن دين ربه الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، ثم ها هو الإنسان يتكبر على ربه، ما هكذا يقابل الإحسان، لكن أخرهم ربنا عز وجل إلى هذا اليوم إلى يوم الانتقام، ينتقم الله عز وجل وكل كافر بعمله، كل كافر بعذابه وعقوبته. قال: «وجوه يومئذ ناعمة»، هنا انتقل ربنا عز وجل إلى وجوه أخرى، وعادة القرآن عادة القرآن إذا ذكر شيئًا من صفات أهل النار عرج بعد ذلك إلى صفات أهل الجنة حتى يقارن يقارن القارئ بين الحالتين فيعرف أي الطريق يختار، لما ذكر ربنا عز وجل «وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة» انتقل سبحانه وتعالى إلى وجوه أخرى، قال عنها سبحانه وتعالى «وجوه يومئذ ناعمة»، قال: حسنة، وقال العلماء أن «ناعمة» إما أنها مأخوذة من التنعيم، «ناعمة» بمعنى أنها متنعمة، وكيف لا تنعم هذه الوجوه الطيبة أهل الجنة بإسلامها وأعمالها وهي ترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من الحور والدور والقصور وما لا يخطر على بال أحد من خلق الله، فهي تتنعم، فالوجوه متنعمة، قيل هذا «ناعمة» أي متنعمة. وقيل «ناعمة» من النعومة، وما معنى النعومة هنا؟ أي أنها أبدان لا شعر فيها، لا شعر فيها، فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة جرد مرد، جرد مرد، معنى جرد مرد كحلًا، أي أنهم ما هناك أشعار في أبدانهم ولا في آباطهم ولا في صدورهم ولا هناك لحى ولا شيء، وإنما تبقى وجوه ناعمة من وإلى، وهذا فضل عظيم لأهل الجنة. نقف إلى هذا الحد ونكمل ما بقي في درس غد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.