الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 735، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يحذر فيه النبي ﷺ من أسلم بلسانه دون أن يدخل الإيمان قلبه، وينهاهم عن إيذاء المسلمين وتتبع عوراتهم، مبينًا أن هذه الصفات من علامات النفاق، وأن المسلم الحق هو من سلم المسلمون من لسانه ويده.
يؤكد المقطع أن أذية المسلمين باللسان أو الفعل محرمة، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث عن امرأة تؤذي جيرانها، ويبين أن سوء الظن يؤدي إلى التجسس والغيبة، محذراً من أن الله يفضح من يتتبع عورات الناس حتى في بيوتهم.
يشرح المقطع كيف يؤدي سوء الظن إلى التجسس وتتبع العورات، ثم إلى الغيبة والنميمة والبهتان، مستشهداً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تحذر من الغضب والنميمة، وتؤكد أن السيئة تجر سيئة أخرى، وأن المسلم يجب أن يكون طيب النفس بعيداً عن الحقد والانتقام.
يسأل الصحابي النبي ﷺ عن حال ذكر عيوب أخيه إن كانت فيه، فيجيب ﷺ بأن ذكر العيب الحقيقي يعد غيبة، حتى لو كان موجوداً في الشخص.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن أكثم، وهو يحيى بن أكثم المشهور، صاحب الدولة العباسية، أو وزير من وزراء الدولة العباسية، وفي حفظه شيء. قال: والجارود بن معاذ. قال: أخبرنا الفضل بن موسى، وهو السيناني، وهو ابن عمار الأوزاعي. قال: أخبرنا الحسين بن واقد، وهو المروزي، عن أوفى بن دلهم، عن نافع بن عمر. قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوت رفيع، قال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله». قال: ونظر ابن عمر يومًا إلى البيت، أو إلى الكعبة، فقال: «ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك». قال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد، وقد روى إسحاق بن إبراهيم عن حسين بن واقد نحوه، وأنا متابع لهؤلاء، متابع للفضل بن موسى. فهذا الحديث فيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من الغيبة، ومن التعيير، وهو السب، أن التعيير بالنقص: «هؤلاء فيهم كذا، هؤلاء فيهم كذا»، وتتبع العورات، وهو التجسس أو التحسس، يدخل فيه التجسس وكذلك التحسس. التجسس بسماع الصوت، والتحسس بتحسس أخبارهم وما يفعلون وما يقولون، ويسأل الأطفال والأولاد عما يفعلون، وماذا يقولون، وأين ذهبوا، غير أن تتبع العورات أو يتتبع الأخبار لأجل العورات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تؤذوا المسلمين، يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه». وهذا شيء خطير، أن هذا النفاق: أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، جاء بالإسلام ولم يدخل الإيمان قلبه، أن هذه من علامات المنافق، وهذا وصف النفاق: أنه يسلم بلسانه ولا يسلم بقلبه. فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النداء؛ لأن هذه الأعمال لا يفعلها المسلم. المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، هذا المسلم الحق الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده. أما الذي لا يسلم الناس لا من لسانه ولا من يده، فهذا وإن سمي مسلمًا، لكنه لم يعرف الإسلام الصحيح، ولم يدخل الإيمان قلبه؛ لأنه لا يعامل الناس معاملة المسلم. فلهذا فأذية المسلمين، سواء كانت بأقوالهم أو بالأفعال، من الأشياء المحرمة. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فأولئك الذين يؤذون أهل الإيمان. وأعظم أن يؤذي هذا الرجل جاره المسلم، أو يؤذي إخوانه الذين في بيته، أو أخواته الذين في بيته، وغير ذلك. كلما كان أقرب، كلما كان الإثم أعظم. ولهذا، النبي عليه الصلاة والسلام، لما ذكروا له تلك المرأة التي تقوم الليل وتصوم النهار، لكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: «لا خير فيها، هي في النار، تؤذي جيرانها بلسانها». فالأذية أمرها عظيم: أن يؤذي الإنسان جاره، يؤذي إخوانه، يؤذي أخواته، يؤذي كذلك من غيره من المسلمين، من إخوانه من المسلمين، يؤذيهم إما بأقواله أو بأفعاله. فبأقواله معناه أنه يتقول عليهم، يغتابهم، ينم بينهم، يتتبع عوراتهم، وغير ذلك. يذهب يتتبع خلالهم: أين يذهب، وأين يرقب، وأين يعمل، فيشغل نفسه بمثل هذه الأمور حتى ينظر إلى عوراتهم ثم يعيبهم. ولهذا، الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. هذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل هي متتابعة: فإن الذي يظن السوء في أهل الإسلام وفي المسلمين، يحمله ذلك أولًا على سوء الظن به، ويحمله ذلك أيضًا بعده على التجسس؛ فإنه يريد أن يثبت كلامه، ويريد أن يثبت اعتقاده أن هذا يفعل كذا، فهذا عنده أخطاء، عنده كذا، عنده أشياء يخفيها على الناس. حتى لو كان هذا صحيحًا، ما دخلك أنت أنك تتبعه؟ لماذا تريد أن تعيبه؟ شيء ظهر لك ظاهر، فلا بأس أن تنصح. تنصح، فالنصيحة هي الدين وهي القوام. وأما التتبع وغيرها، فهذه فضيحة تفضح صاحبها. لهذا، النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الله عز وجل يتتبع عورة هذا الشخص حتى يفضحه، وهو في بيته، ليس فقط يفضحه عند الناس أو في الشارع، بل يفضحه في بيته. وهذه أعظم: أن يفضح الإنسان في بيته. فهذا أمر خطير: أن الإنسان أولًا يسوء الظن بأخيه، أن هذا الذي يوقع الناس في هذا هو سوء الظن. يسوء الظن في أخيه أنه يفعل أشياء، أو أنه كذا، ثم يريد أن يثبت هذا، فيقوم يتجسس، يستمع إلى كلامه، يستمع إلى كلامه في بيته، هكذا يتتبع أخباره: أشياء يفعل، أشياء يقول، لأجل أن يأخذ منه شيء من العيوب والنقص، حتى يثبت سوء ظنه، حتى يثبت لنفسه أن ظنه صحيح. وهذا خطأ يقع فيه كثير من الناس، قد يكون بحسن نية، معناه يقول: «أنا أريد أن أثبت للناس أن هذا شرير، وأن هذا كذا». معناه: أحيانًا بعض الناس يتحامل، ويكون في قلبه حق، مثلًا تحصل بينه خصومة مع أخيه، أنا تحصل خصومة مع أخي، فيريد أن ينتقم من أخي، فيفعل مثل هذه الأشياء: أولًا يسيء الظن فيه، ثم يتتبع عوراته، يتجسس عليه، ويتحسس الأخبار عنه، كل ذلك لأجل أن يكتشف عورة، يكتشف عيبًا، حتى ينشره عليه. وهذا لا يجوز، وليست من أخلاق أهل الإسلام، هذه أخلاق الكفار، أخلاق أهل الحقد. والدفاع: المسلم يكون طيب النفس، أيضًا لا يحقد، لا يحقد على أخيه. الآن تجد أن في هذا العصر انتشر الحقد: إنسان حصلت بينه وبين أخيه، أو بين جاره خصومة، يريد أن ينتقم، ولابد أن ينتقم. وهذا الانتقام يحمله بعد ذلك إلى أمور أخرى. وهذا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل: «لا تغضب». فقال: أوصني. قال: «لا تغضب». فردد مرارًا، قال: «لا تغضب». فهذا الغضب يحمله على الانتقام، فيريد أن ينتقم من هذا الشخص الذي تخاصم معه، وخاصة إذا كان أخذ حقه أو عابه في شيء، فتجد أنه يريد أن ينتقم منه، وهذا الانتقام يحمله بعد ذلك إلى الحرام: فيتجسس، ويتتبع عورة أخيه، وغير ذلك من الأمور، ويغتابه بعد ذلك عند الناس. على الغالب: إذا ساء ظنه ثم تجسس، فبعد التجسس وتتبع العورات تكون الغيبة، وتكون النميمة. يأخذ قوله ويذهب إلى فلان: «فلان قال فيك كذا وكذا». الآن فعل غيبة ونميمة. والنميمة لا شك أنها تفرق بين الأحبة، وهي القالة بين الناس. «تدرون ما الغيبة؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «القالة بين الناس». يقول: قال فلان عليك كذا، وفلان قال عليك كذا. فالنميمة خطيرة جدًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام». لا يدخل الجنة نمام، ينم بين الناس وينشر الشر، وينقل كلام هذا إلى هذا. فهذا كله كما قلنا ذكره الله عز وجل، وكل شر يتبع بعده شر شر منه. وكما يقول العلماء: أن السيئة تورث السيئة بعدها، والحسنة تورث الحسنة بعدها. فالأقوال السيئة وسوء الظن وتتبع العورات يأتي بالشر، يأتي بالشر بينه وبين أخيه، فتأتي الغيبة، وتأتي النميمة، ويأتي البهتان. أنا إذا لم يجد شيء يصف به صاحبه أو هذا خصمه، بعد ذلك يفتري عليه، يفتري عليه وهو البهتان. لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما الغيبة؟» قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قال: «أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟» قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته،