الدرس في رمضان والعناية بالجنان 2، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المحور أهمية تطهير القلوب والاقتداء بالنبي ﷺ في العفو والصفح وحسن الخلق، مستشهداً بآيات شرح الصدر ومواقف من سنته كتحمل أذى الأعرابي وإعطائه، وصفحه عمن أخذ سيفه، دلالة على حلمه ورحمته طمعاً في هدايتهم.
يسرد المحور مواقف عفو النبي ﷺ عند قدرته على الأخذ، كعفوه عن رجل جاء لقتله فانقلب داعياً، وصبره ثلاثة عشر عاماً على أذى قريش، وصولاً لفتح مكة وقوله «لا تثريب عليكم اليوم» اقتداءً بيوسف عليه السلام، محولاً العداوة إلى محبة.
يستعرض المحور مواقف العفو عند يوسف عليه السلام والنبي ﷺ في فتح مكة ويوم الطائف، مبيناً أن سعة الصدر والتجاوز عن الإساءة من سمات الأنبياء، داعياً المسلم لمجاهدة نفسه للتخلق بهذه الأخلاق وتطهير القلب من الحقد والحسد والكبر.
يشرح المحور مصطلح العالمين بأنه يشمل جميع المخلوقات من جن وإنس وملائكة وغير ذلك، مشيراً إلى دلالة الجمع على التنوع والاتساع في خلق الله، وسياقه في الحمد لله رب العالمين لإثبات شمول ربوبيته ورعايته لكل الأكوان.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وسيد الخلق أجمعين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ما زلنا في درسنا الذي هو إدراك الجنان بتطهير الجنان وذكرنا عناية القرآن وكذلك السنة بالقلوب القلوب التي هي الجنان ودرسنا اليوم فيه إن شاء الله سيرة عطرة من سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لكي نتخذها نبراسا لنا في حياتنا الدنيا ونطهر قلوبنا ونجعلها سليمة حتى نلقى الله عز وجل بتلك القلوب السليمة الصافية النقية وسيرته عليه الصلاة والسلام ملآة ملآة ملآة بالعفو والصفح والتجاوز عن الناس ومعاملة الناس بخلق الرحمة والإحسان إليهم طمعا في هدايتهم وهذا من انشراح الصدر الذي ذكره الله عز وجل في بيان منه وكرمه على رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله ألم نشرح لك صدرك فكان عليه الصلاة والسلام من شريح الصدر واسع الصدر يتحمل الأذى من الناس مهما عظم هذا الأذى وقال الله عز وجل في كتابه الكريمة فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين النبي عليه الصلاة والسلام شرح الله صدره فهو على نور من ربه فهو يعامل الخلق يعامل مؤمنهم وكافرهم بما بعثه الله عز وجل بأن كان بشيرا ونذيرا وكان رحمة للعالمين كما قال الله عز وجل وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين والسنة المطهرة مليئة بالمواقف العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم مع الناس فمن ذلك ما رواه البخاري رحمه الله من حديث أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فجاء أعرابي من خلفه من خلفه فجبذه جبذة شديدة قال فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فرأينا حاشية البرد قد أثرت في عنق النبي عليه الصلاة والسلام من شدتها فقال الأعراب يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ليس مالك ولا مال أبيك حتى التلطف في العبارة غير موجود عند هذا الأعراب فخاطب النبي عليه الصلاة والسلام لم يخاطبه بالرسالة ولم يخاطبه بالنبوة وأغلظ في القول والفعل مع النبي صلى الله عليه وسلم قال أنس وهو يشهد ذلك المشهد العظيم منه عليه الصلاة والسلام فقال فالتفت إليه رسول الله وسلم متبسما بعد هذا كله يتبسم النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه ثم أمر له بعطاء تحقيقا لرغبته أمر له بعطاء هذا موقف عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام يدل على حلمه ويدل على سلامة قلبه وصدره ومعاملته مع الناس بحسن الخلق والرحمة فلم يعنف هذا الرجل ولم يغلظ له القول ولم يمنعه شيئا معه من المال بل أمر له بعطاء وهذه المعاملة لا شك أنها تثمر وتأتي أكلها تأتي أكلها ولو بعد حين ربما لا يكون في العاجل قد يكون في الآجل أنت لما تحسن إلى الناس قد ما يكون في العاجل أي رد ذلك الإحسان وتلك المقابلة الطيبة قد يكون في الآجل وفي كل خير أنت تعامل بمقتضاء الإحسان ومقتضاء الرحمة الخلق بما أعطاك الله عز وجل من سلامة القلب واجشراح الصدر وهكذا أيضا جاء في مسلم من حديث جابر رضي الله عنهما لما خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام واستلقى النبي عليه الصلاة والسلام تحت شجرة وعلق سيفا فجاء رجل وأخذ السيف واخترطه وقال من يمنعك مني يعني عرف أنه النبي عليه الصلاة والسلام وقد كان له أعداء من القبائل فجاء هذا الرجل المشرك وقال من يمنعك مني فقال النبي عليه الصلاة والسلام الله فوقع السيف من يده من الخوف وقع السيف من يده فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وقال له من يمنعك مني ممكن في هذه الأثناء أن النبي عليه الصلاة والسلام يقتله لأن هذا رجل جاء لقتل النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يلعب ولا كان يمزح اخترط السيف وقال من يمنعك مني والنبي عليه الصلاة والسلام لما قال له من يمنعك مني من سيمنعه هو ليس بمؤمن حتى يقول الله لا أحد فما كان من الرجل إلا أن قال كن خير آخذ يعني طالب العفو وطالب الصفح وطالب التجاوز عنه فهذه فرصة عظيمة الآن للدعوة إلى الله عز وجل فالنبي عليه الصلاة والسلام عفعا فذهب الرجل إلى قومه وقال جئتكم من عندي خير الناس انقلب الأمر من عداوة إلى محبة قد قد كان عدوا مشرك ثم بهذا الخلق وهذا الصفح والتجاوز عنه رجع إلى قومه وجعل يصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه خير الناس وأحسن الناس وأفضل الناس فأثمرت هذه المعاملة معه بحسن خلقه صلى الله عليه وسلم وسعة صدره وتحمله يقول ابن مسعود رضي الله عنه كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي نبيا من الأنبياء قد أذاه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وهو عليه الصلاة والسلام كما حك عن نفسه أنه أشد الناس ابتلاء وأذى فالأنبياء ابتلوا وأوذوا من أقوامه وهو عليه الصلاة والسلام أشد الناس أذى من قومه وهذا في السيرة النبوية كثير في حديث خباب وغيره عندما كانوا يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهم يؤذون في بداية الدعوة في مكة وعما ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يصفر وكان يصبر قومه عشر سنين أو ثلاثة عشر عاما في مكة وهو يدعي إلى الله وهو يؤذى يؤذى في بدنه ويطرح سل الجذور على ظهره وهو يصلي ويؤذى في أهله ويؤذى في عشيرته وقرابته ويجعل خارج مكة في شعب أبي طالب سنتين وهم يقاسون الجوع ومع ذلك لما حانت اللحظة للانتقام منتقم لما دخل عليه الصلاة والسلام مكة وصلى ركعتين في البيت خرج إليهم وقبل ذلك وهو قادم إليهم كان يقول من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن أمنهم قبل أن يدخل إليه عليه الصلاة والسلام فلما دخل مكة وتمكن وكان قادرا على أن يعاملهم بما عاملوه ويجزي تلك الإساءة القديمة بما هي أشد خرج عليه الصلاة والسلام وقال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم طلبوا منه أن يعفو عنهم أخ كريم وابن أخ كريم قال أقول لكم لا تثريب عليكم اليوم كما قال يوسف عليه السلام لا تثريب عليكم اليوم والتثريب والتثريب عدم المؤاخذة والمعاتبة بما حصل من الظلم وما حصل من العنف وما حصل من غيره سوء المعاملة كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته حينما ألقوه في غيابة الجب وظلموه وبعد ذلك حصل ما حصل من امرأة العزيز والسجن ولكن الله غالب على أمره فرفع الله عز وجل يوسف عليه الصلاة والسلام نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم فلما جاءوا إليه وعرفوه وكان عزيز مصر قالت الله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين لم يقل لهم أنتم إخوتي الذين ينبغي أن تكون سندي وعضدي أنتم ألقيتموني في الحفرة في البئر وأردتم قتلي بل قال لا تثريب عدت الماضي ما ذكره هم اعترفوا بالخطأ فلم يذكر الماضي قال لا تثريب عليكم اليوم انتهى الأمر ثم لما جاء أبويه إليه قال قد أحسن الله بي إذا خرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي حتى عند أبيه وأمه يلتمس لإخوته العذر من السبب السبب السبب إبليس هو الذي نزغ بيني ما قال نزغهم قال نزغ بيني وبين إخوتي كأن الأمر مشترك مع أنهم هم الذين فعلوا ما فعلوا به لكن قال نزغ الشيطان لكن قال نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء هكذا أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام فالنبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ما عمل قومه إلا بحسن الخلق والرحمة وانشراح الصدر اذهبوا فأنتم الطلقاء يقول لهم عليه الصلاة والسلام وكان أشد أيضا ما لقي يوم العقبة كما تقول عائسة في البخاري الحديث في البخاري أشد ما لقي يوم العقبة حينما ذهب إلى الطائف إلى ابن عبد ياليل ابن عبد كلال زعماء الطائف وعرض عليهم دعوته يدعوهم إلى الله عز وجل حتى أنهم ردوه ورموه بالحجارة عليه الصلاة والسلام فرجع مهموما فما استفاق إلا في قرن الثعال موضع فيه جبال قرب مكة فجاء جبريل عليه السلام وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا محمد هذا ملك الجبال فمره بما شئت فسلم ملك الجبال على النبي عليه الصلاة والسلام وقال مرني بما شئت ولو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت ومع ذلك عليه الصلاة والسلام لم ينتقم في تلكم اللحظة وقال أطبق مدام أنهم قوم كفار وآذوني ورموني بالحجارة أطبق سيأتي الله بقوم آخرين قال لا صلى الله عليه وسلم قال إني لأرجو أن يخلق الله من أصلابهم حتى لو لم يكونوا هم الجيل الذي سيأتي بعد هؤلاء إني لأرجو أن يخلق الله من أصلابهم من يعبد الله من يوحد الله سعة صدر عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم وانشراح صدره بالهدى والنور وهكذا المسلم ينبغي أن يكون منشرح الصدر واسع الصدر يتحمل تحمل الأذى فإذا كان هذا أقرب الناس إليه وهم أهله وقرابته وعشيرته وقومه فعلوا به ما فعلوا ومع ذلك يقابلهم عليه الصلاة والسلام في سعة الصدر وانشراح وعفو وصفح وتجاوز هكذا أيضا المسلم الذي يمشي على نهج النبوة علي أن يكون متجاوزا عن عباد الله يعفو ويصفح ويعامل بالإحسان لكي يأتي ربنا سبحانه وتعالى بقلب سليم الخالي من الحقد والغل والبغضاء والحسد والكبر أمراض في القلب والعياذ بالله بعضهم تتمكن منه وتبلغ مبلغها والمعافى من عافاه الله عز وجل جاهد نفسك أخي المسلم جاهد نفسك جاهد هذه النفس الأمارة بالسوء ستكون على أحسن حال عندما تتخلق بهذه الأخلاق العظيمة أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنسأل الله سبحانه وتعالى يمنى وكرم يحسنه أن يهدينا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا هو إنه وليه ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين