الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها
يبدأ الشرح بالحديث الأول في كتاب المؤلف وهو حديث "إنما الأعمال بالنيات". هذا الحديث يعد أول حديث في الكتاب اقتداءً بالإمام البخاري.
الحديث يبين أن الأعمال مدارها على النية، وأن النية الصالحة أساس قبول الأعمال. يعتبر هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام.
النية محلها القلب ولا يجوز التلفظ بها، وهي شرط لصحة الوضوء والغسل عند الجمهور. يكفي وضوء واحد لنية متعددة.
الوضوء لرفع الحدث يكفي للصلاة دون نية الصلاة. الوضوء لأجل رفع الحدث يحقق الغرض المطلوب منه.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، طيب، مرة معنا مقدمة مختصرة للكتاب، وندخل اليوم بإذن الله عز وجل في أول أحاديث الكتاب. بسم الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». هذا الحديث أول حديث افتتح به المؤلف رحمه الله تعالى كتابه، وهو مقتدٍ بذلك بصنيع الإمام الكبير والحافظ الشهير الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فإن الإمام البخاري رحمه الله تعالى افتتح كتابه بهذا الحديث. وقد جاء عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، الإمام الكبير والحافظ الشهير، أنه قال: ينبغي لمن ألف في شيء من أبواب الدين أن يجعل هذا الحديث أول كل باب؛ لما في هذا الحديث من التنبيه على أهمية النية. وهذا الحديث كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى من الأحاديث الغرائب، أي الأحاديث التي جاءت بإسناد واحد فقط. ثم تواتر بعد ذلك، يقال إنه رواه عن إبراهيم عن يحيى الأنصاري نحو مئتي نفس، وقيل سبعمائة نفس، ويقال أكثر من ذلك أو أقل من ذلك. وما ذاك إلا لأهمية هذا الحديث. نص غير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، منهم عبد الرحمن بن مهدي، وكذا الإمام الشافعي، وكذا الإمام أحمد، وابن المديني، وأبو داود، وغيرهم، على أن هذا الحديث، أي حديث الأعمال بالنيات، ثلث الإسلام. ومنهم من نص على أنه ربع الإسلام، أي أن مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث، هذا الحديث واحد منها. قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، كلمة «إنما» تفيد الحصر، فهو هنا قصر موصوف على صفته، وهو إثبات حكم الأعمال بالنيات، فهو في قوة: ما الأعمال إلا بالنيات، وينفي الحكم عما عداه. والعلماء رحمهم الله تعالى أيضًا ذكروا أن الحديث جاء بصيغتين: «إنما الأعمال بالنيات» وجاء في لفظ: «الأعمال بالنية»، وقالوا: كلا اللفظين يفيد الحصر. النية لغة: القصد وعزم القلب، وهي بتجديد الياء. قال الأزهري رحمه الله تعالى: النية عزم القلب على عمل فرض أو غيره. انظر المجموع للنووي، المجلد الثاني، صفحة 319. المعنى الإجمالي للحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الأعمال مدارها على النية، صحة وفسادًا، وقبولًا وردًا، وثوابًا وعقابًا. ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فأجرهم يكون بحسب نيتهم. ومن كان هجرتهم لغير ذلك، سواء كان لأمر مباح أو محرم، فهو على ما هاجر إليه. فمن هاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لأجل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه، لا ثواب له على الله عز وجل. الأعمال بالنيات، كما جاء في هذا الحديث، قاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الإسلام. وهو كما سمعتم في أول درس، كثير من العلماء أطلق عليه أنه ثلث الإسلام. قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وفي رواية: «الأعمال بالنية»، كلاهما يقتضي الحصر على الصحيح. والثاني: أنه مختلف في تقدير قوله: «الأعمال بالنيات»، ما المراد بالأعمال؟ هل خرج على عمومه أم أنه خرج مخرج العام الذي أريد به الخصوص؟ فمن أهل العلم من قال: الأعمال المراد بها ها هنا الأعمال الشرعية المفتقرة إلى نية. النية محلها القلب باتفاق العلماء، فإذا كان محلها القلب، فهل يجوز التلفظ بالنية أم لا؟ الجواب: لا يجوز التلفظ بالنية؛ لكونها محدثة، ولم يعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إنما اختلفوا في التلفظ بها سرًا، هل يجوز أم لا؟ أما الجهر بالنية فهذا لا يجوز باتفاق السلف. مسألة: هل النية شرط في صحة الوضوء والغسل؟ في خلاف، فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن النية شرط، وذهب الطائفة إلى أنه يصح الوضوء والغسل بلا نية. والصحيح القول الأول؛ لحديث الباب: «إنما الأعمال بالنيات». من توضأ ينوي الطهارة من حدث أو طهارة لصلاة فريضة أو نافلة أو قراءة أو صلاة جنازة، فله أن يصلي المكتوبة؛ في قول الشافعي وأبي عبيد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم من أصحابنا. وكذلك نقول، قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى في الأوسط. رجل أحدث، فتوضأ لأجل قراءة القرآن أو صلاة نافلة أو صلاة جنازة، فهل يكفي هذا الوضوء لصلاة الفريضة؟ الجواب: يكفي هذا الوضوء. وواضح هذا الأمر أم لا؟ طيب، من توضأ لأجل رفع حدث دون أن ينوي الصلاة، هل تكفي هذه النية لصلاة الفريضة؟ الجواب: يكفي ذلك الوضوء الأول؛ لأنه توضأ لأجل رفع الحدث، وقد حصل هذا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.