الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 159، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع صفات المنافقين الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، مبيناً أنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويصلون كسالى مراءاة للناس. ويوضح أن الله يجازيهم بخداعهم في الدنيا والآخرة، حيث يُحرمون النور يوم القيامة بعد أن يُطلب منهم الرجوع وراءهم للتماسه فلا يجدون شيئاً.
يوضح المقطع أن التكاسل عن الصلاة وانعدام الرغبة فيها من صفات المنافقين، الذين لا يؤدون العبادة إلا رياءً للناس لا إخلاصاً لله. كما أنهم مذبذبون بين الإيمان والكفر لعطلهم باب الولاء والبراء، فيوالون الكافرين باطناً ويظهرون الإيمان ظاهراً.
يبيّن المقطع أن الولاء والبراء يشملان التبرؤ من أهل المعاصي والبدع داخل الإسلام، مستشهداً بمواقف السلف كالأوزاعي وابن عقيل والدارقطني وأبي ذر الهروي. ويحذر من أن مخالطة أهل البدع تجر إلى الضلال والزيغ حتى على أهل العلم، مؤكداً أن السلامة تكمن في الصدق والإخلاص ظاهراً وباطناً.
يشير المقطع إلى أن المؤمنين يدركون نشاطهم في العبادة والذكر، وأن الله هداهم للصراط المستقيم. ويدعو العاقل إلى عرض نفسه على هذين الطريقين واختيار طريق أهل الإيمان على طريق أهل النفاق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نبدأ في برنامجنا في الدروس، كما هو معلوم: يوم السبت والأحد تفسير، والاثنين والثلاثاء في صحيح المسند، والأربعاء والخميس البخاري. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن المنافقين بما كان عليهم من قبيح الصفات وصنائع السمات، وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي بما أظهروه من الإيمان وأبطنوه من الكفر، على أنهم يظهرون الإيمان لكن يبطنون الكفر، فهم يخادعون الله بهذا، فيصلون مع الناس وقد يصومون، كل ذلك مراءاة يراؤون الناس. ظنوا أنه يروج على الله ولا يعلمه ولا يبديه لعباده، والحال أن الله خادعهم، فمجرد وجود هذه الحال منهم ومشيهم عليها خداع لأنفسهم، فما قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. وأي خداع أعظم ممن يسعى سعياً يعود عليه بالهوان والذل والحرمان، ويدل بمجرده على نقص عقل صاحبه؟ يعني: هو لا شك أنه يعلم أن الله يعلم ما في الصدور، فهو إذن يخدع نفسه لا يخدع الله جل وعلا. قال: حيث جمع بين المعصية ورآها حسنة وظنها من العقل والمكر، فلله ما يصنع الجهل والقلاقل بصاحبه. ومن خداعه لهم يوم القيامة ما ذكره الله في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ إلى آخر الآيات. كما ذكرنا قبل في هذه الآيات عن عبد الله بن مسعود أن الله عز وجل يجعل نوراً قبل الصراط يوزع لمن يمر في الصراط، هذا النور يوزع لمن يمر في الصراط كل بحسب عمله، فيعطى المنافقون أيضاً من هذا النور، فإذا جاءوا إلى وقت دخولهم الجسر ينطفئ عليهم النور، فيمر عليهم أهل الإيمان فيقولون لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، أعطونا من هذا النور الذي معكم، نحن انطفأ علينا نورنا، فيقولون لهم: ارجعوا وراءكم، المكان الذي أخذتم فيه النور والذي يوزع فيه النور، ارجعوا إليه خذوا لكم نوراً منه، فيذهبوا فيرجعون فلا يجدون شيئاً، هذا من خداع الله عز وجل لهم، فيرجعون لا يجدون شيئاً، لا يستطيعون يدخلون الجسر إلا في الظلمة، فلا شك أنهم سيتساقطون في نار جهنم والعياذ بالله. قالوا: من صفاتهم أنهم إذا قاموا إلى الصلاة إن قاموا، والتي هي أكبر الطاعات العملية، لماذا؟ لأنهم ما يعبدون الله عز وجل برغبة ورهبة ومحبة، وإنما فقط كلهم مظاهرة للناس، فلهذا يصابون بالكسل عند إقامة الصلاة، فيأتون الصلاة وهم كسالى. وأيضاً كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء». صلاة الفجر لأنها نهاية النوم أو وقت نومه، لا يريدون أن يقوموا من النوم، والعشاء بداية النوم، أنه كانت العرب غالباً ينامون بعد المغرب، تعشوا قبل المغرب ثم ينامون، فلهذا تثقل عليهم صلاة العشاء، تكون ثقيلة جداً عليهم، فلهذا يتعجلون أن يروا الناس أنهم يحضرون، فيحضرون متثاقلين لها، يودون لو لا يحضرون ولا يصلوا مع الناس. قال: متثاقلين لها، متبرمين من فعلها، والكسل لا يكون إلا من فقد الرغبة من قلوبهم، فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله وإلى ما عنده، عادمة للإيمان، لم يظهروا منهم الكسل. ولهذا تجد أن هذا الكسل موجود في كثير من الناس، صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على رغبة هذا الشخص في ما عند الله أو عدم رغبته، وهو نوع من النفاق أو بداية نفاق. فتجد يتثاقل في الصلاة، ما يريد الصلاة، وبعضهم يتضايق إذا قام من النوم لأجل الصلاة، بعضهم مثلاً يدخل الحمام ولا يخرج لأجل أنه لا يذهب إلى الصلاة حتى تنتهي الصلاة ثم يصلي في البيت، وغير هذا من الأمور التي تدل على التكاسل. وأعظم من ذلك ما يكون في القلب من عدم الرغبة، فهذا صفة من صفات المنافقين أن لا يرغب أصلاً بالصلاة، يقوم بها بالقوة، وأيضاً يأمره والده بالصلاة فلهذا يذهب إلى الصلاة، فهذا شيء من النفاق. فإذا تركها تجد أنه يتركها ولا يصليها، يعني إذا لم يصلي مع الناس خلاص ما يصلي، مثل كثير من الموظفين أو من غيرهم هداهم الله، تجد أنه يوقت الساعة على الدوام ولا يوقتها على الصلاة، فإن قام وصل فبها، وإن لم يقم ترك الصلاة. كثير من هؤلاء تجدهم يصلون على هذا عندما يفيق وينتبه من غفلته فيضيع صلوات كثيرة لا يصليها، وبعضهم يقوم يصلي وهو يعلم أنه يؤقت هذا المنبه على العمل، إلا أنه يخشى أن يتأخر عن العمل، لكن ما يخشى أنه يتأخر عن الصلاة، فهذا يدل على عدم الرغبة في الصلاة، وهو نوع من أنواع أو صفة من صفات المنافقين. قال الله عز وجل: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، أي هذا الذي انطوت عليه سرائرهم وهذا مصدر أعمالهم، مراءاة الناس، يقصدون رؤية الناس وتعظيمهم واحترامهم، ولا يخلصون لله، إلا للإخلاص لله ما فيه الرغبة أصلاً ما فيه، فلهذا لا يذكرون الله إلا قليلاً، لامتلاء قلوبهم من الرياء، فإن ذكر الله تعالى وملازمته لا يكون إلا من مؤمن ممتلئ قلبه بمحبة الله وعظمته، لأن الإنسان لا يكثر من ذكر شيء إلا إذا حبه، فلهذا لما عدمت المحبة من هؤلاء أو أنها ضعيفة جداً صار ذكر الله قليلاً عندهم، لا يذكرون الله إلا قليلاً، ممكن يذكر الله في الصلاة فقط ثم بعد ذلك ينهمك في أمور الدنيا وينشغل. قال: وربنا جل وعلا قد ذكر مراءاتهم في آيات كثيرة في النفاق وفي الصلاة وفي غيره، في النفاق قال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إنما فقط كلهم مراءاة، يظهروا أنفسهم أنهم من أهل الإيمان وأنهم من المسلمين، وسيأتي أن الله عز وجل يذكر من صفاتهم ما هو أعظم من ذلك. قال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾، أي مترددين بين فريق المؤمنين وفريق الكافرين، فلا هم من المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا من الكافرين ظاهراً وباطناً، وهذا لأنهم عطلوا باب الولاء والبراء، بل عكسوا قالب ولائهم للكفار، ويكرهون أهل الإيمان، عندهم كراهة لأهل الإيمان أشد من كراهيتهم للكفر، بل قد لا تجد في قلوبهم كراهة للكفر، فلهذا كما قال المؤلف: أعطوا باطنهم للكافرين وظاهرهم للمؤمنين، فليس عندهم ولاء لأولئك المؤمنين ولا براء من الكافرين. ولهذا هذا الباب مهم جداً، مسألة البراء والولاء مهمة جداً للمسلم، بل من صميم الإيمان، يدل على إيمان العبد أنه يوالي أهل الإيمان بقدر ما فيهم من الإيمان وقدر ما فيهم من اتباع الشريعة، ويتبرأ من أهل الكفر. وكذلك أيضاً يدخل هذا الولاء والبراء في أهل الإسلام أيضاً، فيتبرأ من أهل المعاصي لمعاصيهم، ومن أهل البدع لبدعهم. ولهذا كان السلف يقيسون هذا الباب على باب البدع وأهل البدع، لما قيل للأوزاعي: إن الرجل يتردد على أهل السنة وعلى البدع، فقال: ما هذا إلا من نفاق، ما هذا إلا من نفاق، معناه: أضاع براءته من أهل البدع، لا يتبرأ من أهل البدع بل يأتهم ويأنس بهم ويأتون أهل السنة. ولهذا عامة هؤلاء الذين يترددون على أهل السنة وأهل البدع غالباً يضلون أو يصيبهم شيء من الزيغ، مثل ما حصل للكثير ممن كان عنده علم، فضلاً عن الجاهل، عنده علم عنده وإطلاع، لكنه يتردد إلى أهل البدع ليأخذ العلم من عنده، فأصابه ما أصابه من ذلك، أصابه ما أصابه من ذلك، أي من البدع. ولعل أقرب مثالاً أبو الوفاء بن عقيل، أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة من أهل السنة، لكنه لم يكتفِ بعلوم أهل السنة وذهب إلى المعتزلة والأشاعرة يأخذ منهم، فصار متوسطاً، لا هو على عقيدة السنة ولا هو على عقيدة أهل البدع، فجاء بالتفويض، أخذ بالتفويض وهو مذهب أبي الحسن الفراء وغيرهم، فأخذ بهذا المذهب وظن أنه مذهب السنة. وأيضاً كذلك بعضهم تجد أنه يذهب مع أهل البدع أحياناً، بعض الأشياء تؤثر على الشخص حتى وإن لم تكن مجالس وغيره. هناك موقف حصل بين الإمام الدارقطني كذلك الإمام أبو بكر الباقلاني، إمام متبوع، أحياناً تطلق كلمة إمام ليس إمام سنة، قد يكون إمام في السنة لكنه عنده بدع، فأبو بكر الباقلاني هو واجهة الأشاعرة وواجهة هؤلاء أهل الكلام، لكنه كان يرد كثيراً على المعتزلة، أن كانت المعتزلة في وقته لا يستطيعون أن ترفع رؤوسها، فلهذا لما رآه الدارقطني رحمه الله وهو إمام من أئمة السنة، أجلّه لأجل هذا، لأجل رده على المعتزلة، فلما رآه قبّل بين عينيه احتراماً له وتقديراً له، فرأى ذلك أبو ذر الهروي، أبو ذر الهروي كان مع الدارقطني، فقال له: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين أبو بكر الباقلاني، فأخذ أبو ذر هذا الكلام وذهب يدرس عنده والتشبع بعلم الكلام، وجاء بعلم الكلام إلى المغرب، وأنا كان أهل المغرب ما يعرفون الأشعري ومذهب الأشعري، ما يعرفون إلا السنة، ولهذا أبو ذر الهروي لما قيل له: من أين أخذت مذهب الأشعري وأنت سنة؟ أنت الآن تتلمذ عند الدارقطني والكشميهني والحاكم وغيرهم من هؤلاء، كيف جئت بهذا المذهب، مذهب الأشعري؟ وكذلك أدخل أيضاً مذهب مالك، أبو ذر الهروي أدخل مذهب مالك وهو من مذهب السنة في الفقه، وأدخل في الاعتقاد مذهب الأشعري، وكانت المغرب لا يعرفون مذهب الأشعري، كلهم على السنة، فلهذا قيل له ذلك، فذكر هذا الموقف وأنه أثر فيه هذا الموقف، فأخذ مذهب الأشعري بعد ذلك. طيب، قال: وهذا أعظم ضلال يقدر، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، أي لن تجد طريقاً لهدايته ولا وسيلة لترك غوايته، لأنه انغلق عنه باب الرحمة وصار بدله كل نقمة، فهذه المذمومة تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها من الصدق ظاهراً وباطناً، والإخلاص، أن الإخلاص في العمل والصدق الذي يقود إلى هذا الإخلاص، ولهذا العلماء يجعلون الصدق من أعمال القلوب، والإخلاص من أعمال القلوب والبدن والجوارح، وأيضاً يجعلون قول القلب الصدق وفعله يدخل فيه الإخلاص، معنا فعل القلب يدخل فيه الإخلاص والرضا والمحبة والرهبة والرغبة، والقول قول القلب يدخل فيه الصدق، معنا الصدق من قول القلب. قالوا: وأنهم لا يجهلون ما عندهم من نشاطهم في صلاتهم وعبادتهم وكثرة ذكرهم لله، وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم، فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولاه به، طريق أهل الإيمان أو طريق أهل النفاق، والله المستعان. طيب، إن شاء الله نكتفي في هذا، والله أعلم.