تفسير آيات الصيام 1

تفسير آيات الصيام 1

الدرس في تفسير آيات الصيام 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آيات الصيام: النداء والتعريف والتشبيه بالأمم السابقة

يستهل الدرس بشرح قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ مبيناً فضل النداء بصفة الإيمان ومعنى الفرض في كلمة كتب. كما يوضح الفرق بين الصيام لغةً وشرعاً وأوجه التشبيه بصيام الأمم السابقة كحافز للمسارعة في الخيرات.

حكمة مشروعية الصيام وعلاقته بتحقيق التقوى

يوضح المقطع أن الصيام شُرع لتحقيق التقوى المتمثلة في فعل المأمور وترك المحظور، فيدرب الصائم على امتثال أوامر الله بترك المباحات. كما يربي الصيام مراقبة الله سراً وجهراً ويضيق مجاري الشيطان فيقل نفوذه وتقل المعاصي.

أوجه عظمة الصيام في تحقيق تقوى الله

يستعرض المقطع عدة أوجه تجعل الصيام سبباً عظيماً للتقوى منها إضعاف الشيطان وكبح الشهوات وتربية الإخلاص لله. ويضيف زيادة الطاعات في رمضان وتذوق الجوع مواساة للفقير وتدريب النفس على مكارم الأخلاق مؤيداً بالآية والأحاديث النبوية.

خاتمة الدرس ودعاء الختام

يختتم المتحدث المجلس طالباً من الله أن يعلمه تأويل القرآن ويفقهه في الدين، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه. ثم يحمد الله شكراً على ما تيسر من العلم والبيان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، كما أعلن عن درسي العصر في يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس سيكون في شرحي وتفسيري آيات الصيام بمناسبة هذا الشهر المبارك، فمن المناسب أن نعرف وأن نقف كذلك مع تلك الآيات التي ذكرها ربنا عز وجل في سورة البقرة في ذكر أحكام وآداب الصيام. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فبدأ ربنا عز وجل هذه الآيات بهذا النداء المحبب إلى المؤمن، إذ ناداه بصفة الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال له: أعهد إلي، أعهد إلي، يعني أوصني. فقال له: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، راعها سمعك، يعني افتح لها سمعك واسمعها بأذنك ووعها بقلبك، راعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. ثم قال ربنا عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، "كتب" بمعنى فرض، فرض عليكم الصيام. والصيام لغة هو الإمساك، فالصيام في اللغة أوسع من الصيام في الشرع، فأي إمساك في اللغة يسمى صوماً. ولذلك قالت مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾، يعني أمسكت عن الكلام، أمسكت عن الكلام. ويقال: خيل صيام وخيل غير صائمة، هذا في اللغة. وأما في الشرع فهو الإمساك عن المفطرات من أكل أو شرب أو جماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ابتغاء مرضات الله عز وجل، فهذا هو الصيام في الشرع. وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ما هو وجه التشبيه بين صيامنا وصيام من قبلنا؟ هنا "كما" تفيد التشبيه، قيل: جاء في ذلك أقوال عدة. فقيل: في قدر الصوم، يعني القدر الذي شرع لكم شرع على من قبلكم. وقيل: في الوقت، يعني نفس الوقت الذي أمرتم بالإمساك فيه أمر من كان قبلكم. وقيل: في الوجوب، كما أنه وجب عليكم وجب على من قبلكم. وقيل: في الصفة، أي من ترك الأكل والشرب، وكل ذلك محتمل، كل ذلك محتمل. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، هذا فيه تنشيط لهذه الأمة بأنه ينبغي لكم يا أمة محمد أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال والمسارعة والمسابقة إلى صالح الفضائل. ولذلك فإن الله عز وجل لما ذكر نسك جميع الأمم قال في آخرها: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، ومنهاجاً أي كل الأمم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فالمؤمن لما يرى أن الأمم السابقة قد شرع لها الصيام أو شرع عليها الصيام أو شرع عليها غير الصيام، فهذا يكون كالتنشيط والتحفيز لهذا المؤمن في التنافس والمسابقة والمسارعة في فعل هذه الأوامر وهذه العبادات، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، هذا الصيام ليس من الأمور الثقيلة لأنه قد شرع على من كان قبلنا، وهذه العبادة لم نختص بها، لم نختص بها، فدل ذلك على سهولتها وعلى يسرها. ثم ذكر ربنا سبحانه وتعالى الحكمة من مشروعية الصيام فقال في ختام هذه الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وذلك لأن الصيام من أكبر أسباب التقوى. لماذا؟ لو رجعت إلى معنى التقوى، منهم من قال: التقوى هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، كما جاء عن طلق بن حبيب، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. فإذن التقوى هي فعل المأمور وترك المحظور، امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فالصيام قد اجتمل على كثير من هذه الأوامر التي أمر بها المسلم، وعلى كثير من النواهي التي أمر باجتنابها المسلم. فمثلا الصائم يمتثل أمر الله فيترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، وهذا من تقوى الله. فهذا الترك في أمر كان له مباحاً، الأكل والشرب والجماع قبل الصيام كان مباحاً، فلما حرم على المسلم بعد عقده نية الصيام الأكل والشرب والجماع فامتثل، فهذا يدرب المؤمن على امتثال أمر الله في تلك الأوامر التي أمر بها على كل حال وفي كل الأوقات. فالمؤمن مثلا فالصيام يعلمه كيف يمتثل أمر الله فيحافظ على الصلاة، لأنه هنا امتثل أمر الله فحافظ على ترك المفطرات من الأكل والشرب والجماع، فلا شك أن هذا من تقوى الله عز وجل، من تقوى الله سبحانه وتعالى. وأيضاً فيه كذلك امتثال أمر الله بترك الشهوات التي تميل إليها النفوس، فلا شك أن الأكل والشرب والجماع مما تميل إليه النفوس وترغبه النفوس، فلما يؤمر الصائم بتركها حال صيامه فيتركها، فكذلك ما حرم على المسلم على كل حال وفي كل وقت وآن من باب أولى أنه يتركه، كالزنا أو النظر إلى الحرام أو أكل المال الحرام أو نحو ذلك. فالصيام يدربه على فعل المأمور وكذلك على ترك المحظور، وهذه هي تقوى الله عز وجل. كذلك وجه آخر في أن الصيام من أعظم أسباب تقوى الله، أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه. فأنت، وأنت صائم، تستطيع أن تغلق على بيتك أو على غرفتك وتأكل وتشرب وتخرج ولا يعلم بك أحد. فالصيام عبادة سرية بين العبد وربه، لو لم يراقب الله عز وجل لأكل وشرب وخرج ولم يعلم به أحد من الخلق. فالصيام يدربك على مراقبة الله عز وجل، فهذه المراقبة تستصحب الصائم في حياته كلها، في حياته كلها، فيكون مراقبا لله عز وجل إذا خلا بمحارم الله عز وجل، كما أنه حال صيامه إذا أراد أن يأكل أو يشرب يقول: الله يراني ويعلم أنني آكل وأنني أشرب، كذلك إذا خلا بمحارم الله فأراد أن ينظر إلى محرم أو أن يأكل محرماً أو أن يأخذ مالاً حراماً ولم يطلع عليه أحد إلا الله، قال: الله عز وجل يراني ويراقبني. فالصيام يدرب الصائم على مراقبة الله سبحانه وتعالى، وهذا وجه أيضا من أوجه أن الصيام من أعظم أسباب تقوى الله عز وجل. ووجه آخر، ووجه آخر أيضا أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذ الشيطان وتقل منه المعاصي، المعاصي. ولذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، لماذا؟ قال: «فإنه غض للبصر وأحصن للفرج». يضعف الشيطان فتضعف شهوة الصائم فلا يندفع إلى المعاصي من النظر المحرم أو من كذلك الفعل المحرم. فإذن هذا لشك أنه من تقوى الله عز وجل. فلذلك تجد الصائم يبتعد عن المحرمات، لماذا؟ لأن الشيطان قد ضعف، ولأن الشياطين قد أو مرضت، الشياطين قد غللت وكذلك سلسلت، فيكثر الخير في رمضان ويقل الشر لضعف الشيطان، وهذا لشك أنه من تقوى الله سبحانه وتعالى. كذلك وجه آخر أن الصيام يدرب العبد على الإخلاص، فالصائم لا ينظر إلى الناس، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً»، إيماناً واحتساباً، احتساباً يعني يصوم ابتغاء ما عند الله، ابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى، فيخلص في صيامه، فيستصحب هذا الإخلاص على مدى حياته، كما أنه يخلص في الصيام يخلص في الصلاة يخلص في الصدقة يخلص في قراءة القرآن وهكذا، وهذا لشك أنه من أعظم أسباب تقوى الله عز وجل. كذلك وجه آخر من أن الصيام من أعظم أسباب تقوى الله عز وجل، أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، ولا شك أن الطاعات من خصال التقوى والإيمان، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهكذا تقوى الله تزيد بالطاعات وتنقص بالمعاصي. فتجد في رمضان يقبل الصائم على المحافظة على الصلاة، على الإكثار من قراءة القرآن، على صلاة التراويح، على الصيام، على الصدقة، كل هذه أعمال صالحة، فلا شك أن هذه الأعمال الصالحة تزيد من تقوى الإنسان. فهذا أيضا وجه آخر من أوجه أن الصيام من أعظم أسباب التقوى. وجه آخر أيضا أن الصيام به يذوق الإنسان مرارة الجوع والعطش، فهذا يجعل الصائم يواسي الفقراء المعدومين، لأنه يعلم أنه سيشعر بهذا الجوع ساعات ثم يفطر ويأكل ما لذ وطاب من المأكولات، لكن هناك من الفقراء من سيأتي وقت الإفطار وما يجد ما يأكل، فيستمر به هذا الجوع وهذا الألم، وأنت تجد ما تسد به جوعك، فلا شك أن هذا يلين القلوب ويواسي به الغني الفقير، ولشك أن هذا من خصال الإيمان ومما تزيد بها تقوى العبد، سبحان تقوى العبد. فهذا أيضا وجه آخر من أوجه أن الصيام من أعظم أسباب تقوى الله. كذلك وجه آخر أن الصيام يدرب على جميل الأخلاق وعلى كريم الآداء، فالصائم تجده بعيدا عن السب والشتم خشية أن يخدش صومه، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، فليقل: إني صائم». ما يرد السيئة بسيئة، يدرب نفسه على هذه الأخلاق من الحلم ومن الصبر ومن التحمل ومن كذلك البعد عن الفحش وعن أكل الحرام وعن كذلك الغيبة والنميمة. لذلك جاء في البخاري حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». لو وقفنا عند هذه الآية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لطال بنا المقام، ولكن هذه بعض الأوجه التي بها نعلم كيف أن الصيام من أعظم أسباب تقوى الله سبحانه وتعالى. فنكتفي اليوم بهذا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا تأويل كتابه وأن يفقهنا في دينه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله يا ربي شكراً.