باب الصبر من رياض الصالحين 27

باب الصبر من رياض الصالحين 27

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 27، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير حديث «من يرد الله به خيرا يصب منه» وبيان قراءتيه

يشرح الشيخ حديث «من يرد الله به خيرا يصب منه» مبيناً الفرق بين قراءتي «يَصب» مبنياً للمجهول و«يُصب» مبنياً للمعلوم، وموضحاً أن الابتلاء عام سواء من الله أو من خلقه، وأن الخيرية مشروطة بالصبر والاحتساب لا بمجرد وقوع المصيبة.

فضل الصبر على البلاء وتكفير السيئات بحديث الأعرابي

يؤكد المقطع أن الصبر والاحتساب عند المصيبة شرط للأجر، مستدلاً بحديث الأعرابي الذي لم يصب بالحمى ولا الصداع، ومبيناً أن السلامة من البلاء ليست دليل خير، بل قد يكون المبتلى الصابر أفضل حالاً بتكفير سيئاته ورفع درجاته.

حكمة الابتلاء بالمرض وثمرات الصبر ونصيحة للمصاب

يوضح أن الابتلاء بالأمراض من علامات الإيمان وسبيل لتكفير الذنوب ورفع الدرجات، مستشهداً بحديث الأعرابي مجدداً، وينصح المصاب بالصبر والاحتساب وترك التسخط ليخرج من الدنيا بلا خطيئة جامعاً بين الأجر وتطهير الذنوب.

النهي عن تعمد البلاء وختام الدرس

يبيّن المتحدث أن المسلم لا ينبغي له أن يتعمد البلاء أو يتعرض له عمداً، مشيراً إلى أن تفصيل هذه المسألة سيكون في الحديث القادم، ويختتم بذلك درس اليوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصبر، الحديث الخامس عشر: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من يرد الله به خيرا يصب منه». وضبطوا "يصب" بفتح الصاد وكسرها، يعني: يُصب ويَصب، وكل لفظة تدل على معنى. فقوله: "يَصب" بفتح الصاد، أي: يُصب منه، فهذا أعم؛ فيُصاب يصاب من الله ومن غيره، يصاب ببلاء من الله أو من غيره سبحانه وتعالى، كأن يبتلى بظالم أو بعدو أو نحو ذلك، فيُصب. هذا يسمى فعلًا مبنيًا للمجهول، فيكون الفاعل هنا -أو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله- غير معلوم، فيعم؛ فيكون الابتلاء من الله، وكذلك يبتلي الله عز وجل عبده بأحد الظلمة أو المعتدين. هذه لفظة "يَصب". وأما لفظة "يُصب" بالضم -أي بفتح الياء وضم الصاد- فالمراد الله سبحانه وتعالى؛ أن الله يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها: أيصبر أم يضجر؟ فإذا هناك فرق بين المعنيين: "يُصب" أي: ما يقدره الله عز وجل عليه من المصائب والمحن، وأما "يَصب" فهو أعم؛ أي يصاب من الله ومن غيره سبحانه وتعالى. والحديث فيه فضل الصبر، إذ أن هذا الحديث مقيد الخيرية؛ هذه مقيدة بمن صبر واحتسب، ليس كل من يصاب بمصيبة فمعنى ذلك أن الله يريد به خيرا، لا، وإنما المراد من يصبر ويحتسب، من يصبر ويحتسب عند الابتلاء وعند المصيبة. لماذا؟ لأن الكفار والمنافقين يصابون بمصائب كثيرة، ومع هذا يبقون على كفرهم حتى يموتوا عليه، فهل هؤلاء يريد الله بهم خيرا؟ لا، لأنهم ماتوا على الكفر، وإن كانوا في بلاء وماتوا على بلاء ومصيبة. فإذن يقيد هذا الحديث بالصبر، حال أو بالخيرية عند المصيبة: متى ما صبر المصاب واحتسب. وفيه فضل الصبر، وفي هذا الحديث أيضًا أن المصائب من مرض أو غيره قد يكون خيرا للعبد وهو لا يشعر؛ ففي المرض أو المصائب تكفير للسيئات ورفع للدرجات، كما مر معنا، كما مر معنا. فلا تظن أن من لم يصب بالمصائب والابتلاءات أنه في خير، بل ربما من يصاب بالمصائب والأمراض يكون أحسن وأفضل من ذاك الذي لم يصب، والأمراض مكفرات للذنوب، كما مر معنا، وتكون سببًا لدخول الجنة. جاء حديث رواه ابن حبان والحاكم، وحسنه الشيخ الألباني، وكذلك ذكره شيخنا الوادعي في "صحيح المسند"، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل أخذتك أم ملدم؟» فقال هذا الأعرابي: «وما أم ملدم؟ ما أعرفها، إيش هذه أم ملدم؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حر بين الجلد واللحم». قال: لا. يعني: حمى. أم ملدم اسم من أسماء الحمى، فهي حرارة تكون بين الجلد واللحم، لذلك إذا مسست جلد المحموم تجد أثر هذه الحرارة في جسده. ثم سأله النبي صلى الله عليه وسلم سؤالًا آخر، فقال له: «فهل صدعت؟» قال: «وما الصدع؟» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ريح تعترض في الرأس تضرب العروق». صدع معروف، ألم يأتي في الرأس، قد يكون في جميع الرأس، قد يكون في النصف -ما يسمونه بالصدع النصفي- أو في أعلاه أو نحو ذلك. فقال هذا الأعرابي: «وما الصدع؟» ما يعرف الصدع، وما مرض بمثل هذين المرضين. فلما قام هذا الأعرابي وولّى، قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا». وليس معنى هذا الحديث قطعًا أن من لا يصاب بالحمى والصدع فهو من أهل النار، لا، ليس هذا المراد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مما يوحى إليه، فأطلعه الله عز وجل على حال هذا الرجل لأعمال أخرى، ولكن لما حرم مثل هذه الابتلاءات والصبر والاحتساب عليها، فإنه بقي على ذنوبه وآثامه، فاستحق عذاب الله عز وجل. فالمقصود أن من علامات أهل الإيمان كثرت ابتلاءهم في أجسادهم، فيصبرون ويحتسبون، سيكون هذا الابتلاء سببًا لتطهيرهم ولرفع درجاتهم، وأن الكفار والمنافقين بخلاف ذلك. فيا من ابتلاك الله عز وجل بشيء من هذه الأمراض: لا تتضجر، لا تتضجر، ولا تشكو حالك لغير الله، واصبر واحتسب. قد تصاب بمرض السكر فتُحرم من بعض المأكلات والمشروبات، لا تتضجر، قل: الحمد لله. قد تصاب بمرض الضغط، قد تصاب بمرض كذلك الحمى أو الصداع، أو الأمراض العضوية من تكسرات أو في الدم أو نحو ذلك من هذه الأمراض التي كثرت وظهرت في هذه الأزمان، فينبغي على المصاب أن يصبر حتى يجمع الله عز وجل له بين الأجر ورفع الدرجات وتطهير هذا المصاب من السيئات. فبالصبر ينال المصاب هذه الثمار، ثمار الصبر على البلاء. فالحديث فيه بيان للخيرية: لماذا هذه الخيرية؟ «من يرد الله به خيرا يصب منه»؛ لماذا هذه الخيرية؟ لأن هذا العبد يخرج من هذه الدنيا وليس عليه خطيئة، ليس عليه خطيئة بسبب صبره واحتسابه، وكذلك عدم تسخطه، فإن الله عز وجل يرفع من درجاته، فلا شك أن هذا الأمر خير لهذا المصاب. وليس معنى هذا أن يتعمد المسلم البلاء وأن يتعرض للبلاء، وسيأتي معنا في الحديث الذي بعد هذا بيان لهذه المسألة وزيادة إيضاح لها، فنكتفي اليوم بهذا. وإلى هنا والله تعالى أعلم.