الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 762، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث «الحياء والإيمان قرنا جميعا» من حيث سنده وصحته، مبيناً أن الحياء المقصود هو الحياء الشرعي الممدوح لا الخجل المذموم. ويستدل بأقوال النبي ﷺ والعلماء على أن الحياء كله خير ومانع من المعاصي، وأن استحياء العبد من الله حق الحياء بحفظ الجوارح وذكر الموت.
يؤكد المقطع أن حفظ العين والأذن واللسان والبطن من أكل الحلال من أعظم أسباب حفظ الإيمان، ضارباً مثلاً برجل ارتد بسبب نظرة شهوة. ويستدل بأحاديث نبوية أن من حفظ ما بين لحييه ورجليه ضمنت له الجنة، وأن الورع الحقيقي هو أكل الحلال.
يوضح المقطع أن الحياء والإيمان متلازمان، فمن فقد الحياء فقد الإيمان، والنبي ﷺ كان أشد حياءً من العذرى. ويبين أن أعمال القلب كالحياء والتوكل والصبر والشكر هي أصل الإيمان، وإهمالها قد يذهب الإيمان كله أو معظمه.
يختم المتحدث بأن الإيمان يكمل بزيادة الأعمال الصالحة الشرعية وينقص بنقصانها، مستنداً إلى الحديث المذكور. ويختتم بالشكر للمترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الحاكم رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، وهو من فقهاء نيسابور، وهو من تلاميذ ابن خزيمة، وكان من أكبر تلاميذه. قال: أخبرنا محمد بن غالب، وهو الذي قال له تمتام، وهو حافظ من حفاظ الحديث. قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التفوذكي المنقري البصري. قال: حدثنا جرير بن حازم، وهو أيضا أبو وهب البصري، عن يعلى بن حكيم، ويعلى فقيه من أهل الكوفة. قال: عن سعيد بن جبير، وسعيد إمام من أئمة المسلمين كما قال الإمام أحمد: "من للناس من مثل سعيد". قال: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر». قال: هذا حديث صحيح على شرطهما، فقد احتجا برواته ولم يخرجاه بهذا اللفظ. وهذا كلام الحاكم رحمه الله، وهو من فقهه وأيضا اطلاعه، يقول: إنهم لم يخرجا هذا الحديث بهذا اللفظ، لكن أخرجا بمعنى، أخرجا بمعنى وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان»، وهو في الصحيحين. قال: ومعنى من حديث بهريرة. وقال المناوي في فيض القدير: قال الحافظ العراقي: هذا حديث صحيح وغريب، إلا أنه قد اختلف على جرير بن حازم في رفعه ووقفه، على أنه جاء مرفوعا وموقوفا، اختلفوا فيه على جرير بن حازم، وجرير بن حازم تغير في آخر عمره، فقد يكون أحيانا يرفع الحديث، ومعنى يرفع الموقوف: أي ما كان عن الصحابة يجعله عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كأن شيخنا يصحح هذا الحديث رفعا وموقوفا. فقال في الحديث: «الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر». في هذا الحديث عدة فوائد ومسائل: أولا: أهمية الحياء، وأن الحياء بالنسبة للإيمان عظيم. وهنا الحياء المراد به الحياء الشرعي، الحياء الشرعي الذي ليس هو الخجل، ولا أيضا الوساوس وغيرها، لأن بعض الأشياء يظنها الإنسان حياء وهي ليست حياء، وإنما تكون إما خجلا لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر خجلا، أو وساوس يبتعد من الناس، وأيضا لا يريد أن يكلم أحدا أو لا يكلمه أحد، فغالبا تكون هذه وساوس شيطانية في الإنسان وليست هي من الحياء في شيء. فلذا قال العلماء: إن الحياء الممدوح هو الحياء الشرعي الذي جاء عنه الحديث، في حديث عمران مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء كله خير، الحياء كله خير». وأيضا ما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يعيظ أخاه في الحياء، فقال: «لا تعيظه، فإن الحياء كله خير». وجاء بلفظ: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وأيضا الحياء إذا لم يستحي العبد فإنه يتقحم المعاصي ولا يبالي، ولهذا جاء في الحديث، حديث شداد بن أوس: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، إذا لم تستح فاصنع ما شئت». فأي الحياء يمنع العبد من الوقوع في المعاصي؟ فيستحي من الله ويستحي من العباد. وأما من لا يستحي من الله ويستحي من العباد، فهذا قدّم الله عز وجل: ﴿يَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. هذا الذي يظهر نفسه يستحي أن يفعل شيئا عند الناس، لكن في الخلوات يفعل ذلك، فهذا لم يستحي من الله. وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند أهل السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استحيوا من الله حق الحياء، استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا لنستحي، الحمد لله، إنا لنستحي من الله. فقال: «ليس ذلك، ولكن استحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما وعى، وأن تذكر الموت والبلاء». فيدل على أن الحياء هو الدين. فقال: «أن تحفظ الرأس وما وعى». الرأس وما وعى: العينان، الأذنان، اللسان، هذه الأشياء، إن حفظها حفظ دينه وحفظ إيمانه، وإن أطلق هذه الأشياء فإنه يدخل في إيمانه ويخدش إيمانه، وقد يذهب إيمانه كذلك بسبب هذه الأشياء. كما يقال: «كم نظرة فتكت في قلب صاحبها، فتكت سهامي بلا قوس ولا وتر». أنا قد يكون نظرة تخرج العبد من دين الله، نظرة شهوة تخرج العبد من دين الله، كما ذكر العلماء في قصة رجل ذكرها عبيد بن عبد الرحيم رحمه الله، وحصل خطأ في تاريخ ابن كثير البداية والنهاية، فجعل الرجل هو عبيد بن عبد الرحيم، وليس هو عبيد بن عبد الرحيم، إنما هو ناقل القصة، هو عبيد بن عبد الرحيم، وليس هو الرجل. فعبيد بن عبد الرحيم ذكر أن رجلا كان معهم في غزوة من الغزوات، من عندما كانوا يغزون الروم، وكان يؤذن للناس، فلما كانوا في بعض المناطق التي دخلوها واستولوا عليها، صعد هذا الرجل في بيت لأجل أن يؤذن، فرأى امرأة نصرانية أعجبته جدا، فلم يملك نفسه حتى جاء إلى ذلك البيت وضرب عليهم الباب، وقال لها: قد رأيت كيف أعجبتني، فهل، هل أتزوجك؟ قالت: أنا امرأة نصرانية وأنت مسلم، وأبي لا يرضى بك، فإن أردتني فتنصر. فتنصر المخذول بسبب شهوة، أردته إلى الارتداد عن دين الله جل وعلا. ولهذا أيضا ذكر رحمه الله أنه كان يرى بعض المسلمين، فقالوا: يا خلان، ما فعل قرآنك؟ كان حافظا للقرآن. فقال: والله لم أحفظ منه شيئا، ولم يكن شيئا في قلبي إلا قوله جل وعلا: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وصعد على شرف بيت فسقط فمات. أنا ما تهنّى بهذه التي نظر إليها. فانظر إلى أن هذا الرجل ذهب إيمانه بسبب هذا النظر، ولم يستحي من الله عز وجل ولا من خلقه، فذهب إلى هذه المرأة وهي نصرانية، وهذا مصداق لهذا الحديث. وأيضا الحديث الذي ذكرناه: «أن تحفظ الرأس وما وعى». وحديث مسعود حديث حسن، جاء من طريقين، إحداهما فيها انقطاع، والأخرى فيها ضعف، لكنها صحيحة، وقد ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة. فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تحفظ الرأس وما وعى». أن إذا حفظ الإنسان الرأس وما وعى حفظ إيمانه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة، ضمنت له الجنة». ما بين لحييه: أي لسانه. كلمة يقولها الإنسان تهوي به في النار سبعين خريفا، وكذلك العكس ترفعه الدرجات، كلمة ترفعه الدرجات. فلذا فحفظ هذه الأشياء عظيم: حفظ العين والسمع، أو النظر والسمع، وكذلك اللسان، وهي مداخل القلب كما ذكر الإمام ابن القيم، هذه من أشد مداخل القلب، تدخل بسرعة إلى القلب، وأعظمها النظر، فهي سهم من سهام إبليس، يدخل إبليس من ناحية النظر، أو من ناحية السمع، أو من ناحية الكلام، فكل ذلك من دواخل القلب، عن الأسهم التي تأتي في القلب من هذا. وإن كانت أسهم خيرة وعظيمة فهي تنمو الإيمان في قلب العبد. فلذا قال: «الرأس وما وعى، والبطن وما وعى». والبطن وما وعى: أن المراد به أكل الحلال الذي أحله الله له، وهذا أيضا من أعظم الأشياء التي يحافظ بها العبد على إيمانه، فيصان الإيمان بالأكل الحلال. حتى لما قيل للإمام أحمد: ما هو الورع؟ قال: أكل الحلال. أكل الحلال هو الورع، والورع من صيانة الإيمان، ما يحفظ به العبد إيمانه ودينه، فيتورع في الأشياء. فقال الإمام أحمد: أكل الحلال. وهذه كلمة عظيمة، لأن الإنسان قد يتورع في أشياء كثيرة، لكن لا يتورع في أكل الحلال، أنا يخلط أحيانا أشياء ليست حلال له فيأكلها، أو يأخذ مال غيره، أو مال لا يحل له، خاصة في الأموال العامة وغير ذلك، فلذا يحتاج إلى أن يحفظ بطنه من هذه الأمور. وقيل أيضا: إن قوله «وما وعى» أيضا القلب، فالقلب يعتبر في الجوف وداخل في محوى البطن. قال أيضا: ثم قال: «ويذكر الموت والبلاء». يذكر الموت والبلاء، البلاء والقبر، يذكر أنه سيموت وأنه سيوضع في قبره، حتى يكون قلبه حيا. فهذه الأشياء هي منابع الإيمان في العبد، فمن حفظها فقد حفظ إيمانه، ومن ضيعها فقد ضيع إيمانه. فلذا فالحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. أنه إذا عدم الحياء، والحياء هنا ليس من الناس فقط، بل كما قلنا الحياء من الله وهو أعظم، والحياء من الله هو الذي أيضا يكون فيه أو يقع في العبد الحياء من الناس معنا. إذا استحى من الله فإنه سيستحي من الناس معنا، أن الله عز وجل يلقي في قلب هذا الحياء. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد: «أشد حياء من العذرى في خدرها». ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل الناس بما يكرهون عليه الصلاة والسلام، فكان من خلقه الحياء، إلا في دين الله عز وجل فإنه لا يحابي أحدا. وأما من ناحية معاملات الناس فكان يستحي، حتى إذا سئل، في ذاك الرجل الذي قال: لما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم عباءة قد عجبته فخرج فيها، فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله، هذه العباءة جميلة، أو الحلة، فأعطنيها. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وأخرجها، ثم خرج وأعطاه إياه. فأنبه الصحابة، قالوا له: لماذا تفعل هذا وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد طالبا؟ فقال: إنما أردت أن تكون معي في قبري، بعد أن لبسها النبي عليه الصلاة والسلام، معنا تبركا، فكانت في قبره رضي الله عنه، أي أدخلت معه في قبره، إما أن تكون كفنا له، أو أنها ثوبا زائدا. فلذا فالحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. إذا رفع الإنسان منه الحياء، فإن الإيمان يرفع، إما كله وإما أكثره. يعني إذا انعدم الحياء من الإنسان، غالبا أن الإيمان أيضا ينعدم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». فعنى أن الإنسان قد يقع في الكفر والعياذ بالله، قد يقع في الكبائر، لأنه لم يستحي من الله ولم يستحي من خلقه، فلذا وقع في هذا. الحياء الذي يمنع العبد من المعاصي هو الحياء الشرعي، هو الحياء الشرعي، فلا يستطيع الإنسان أن يعصي الله لأنه يستحي من الله أولا ويستحي من خلقه. فلذا فهذا الحديث فيه فضيلة الحياء، وأيضا فيه أن الإيمان قد يقرن ببعض العبادات، وعندما يقرن ببعض العبادات ليس معنى ذلك أن الإيمان هذه الخصلة فقط، ولا يفهم ذلك، لكن قد تكون هذه الخصلة بذهابها يذهب الإيمان، مثل ما كان السلف يقولون: التوكل هو الإيمان كله، وقالوا أيضا عن كثير من السلف: الإيمان نصفين، نصف صبر ونصف شكر. معنى: إذا ضيع الصبر والشكر ضيع الإيمان وذهب الإيمان. هذا كله يدل على أن المراد أن هناك من الأعمال ومن العبادات ما إذا تركت ترك الإيمان، معنى: إذا ضيعت ضاع إيمان العبد، إما أكثره، وإما قد يكون حتى كله. فإذا ذهب الحياء، ذهب التوكل، ذهب الصبر والشكر، وغيرها من هذه الأمور، قد يذهب الإيمان، لأن الإيمان هو معنى كما ذكر العلماء: هو مكون من أعمال القلب واللسان والجوارح، هو أعمال من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح. فبعض هذه الأعمال إن تركت ذهب الإيمان، وخاصة أعمال القلب، وهذا الحياء من أعمال القلب، والتوكل من أعمال القلب، والصبر كذلك، وكذلك أيضا الشكر له متعلق بالقلب. فلذا كما قال شيخ الإسلام: كأن أعمال القلب أصل الإيمان، وفروعه أعمال الجوارح. وهذا معنى الذي يقصده شيخ الإسلام رحمه الله: أن أعمال الإيمان أصل لأنها قد يذهب الإيمان بذهاب بعضها، وأما أعمال الجوارح فهي فرع من ذلك الأصل. فقد أيضا من أعمال الجوارح ما يذهب الإيمان بسبب تركه، كالصلاة مثلا. فلذا فهي، فالإيمان مكون من هذه الأشياء، فلا يصلح إيمان إلا بهذه الأشياء الثلاثة. وبعد ذلك هذه الأشياء إن زادت وجاءت بالوجه الشرعي زاد إيمانه وصار إيمانه كاملا، وإن نقص إيمانه بحسب نقص هذه الأشياء منه. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكرا.