الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع مقدمة الإمام الطبري في رسالة صريح السنة، مبيناً أبرز المسائل الخلافية التي تناولها: أفعال العباد بين القضاء والقدر، حقيقة الإيمان وهل هو قول وعمل أم قول فقط، ومسألة زيادة الإيمان ونقصانه وتجزؤه، ثم مسألة خلق القرآن. ويشير إلى أن الطبري كتب الرسالة رداً على الاتهامات في عقيدته وتبييناً لمعتقده الصحيح.
تعرض الإمام ابن جرير الطبري للظلم والحبس من بعض الحنابلة بتهم باطلة، مع أنه ثبت على عقيدة الإمام أحمد وأهل السنة، وتفسيره من أصح التفاسير الموافقة للكتاب والسنة. ثم ينتقل الحديث إلى نقد الحماقات التي أحدثها أهل الكلام، كمسألة "اسم الشيء أهو هو أم غيره" التي قصدوا بها نفي الأسماء والصفات عن الله بزعم أنها تقتضي التعدد، وهذا جهل بالشرع واللغة والواقع.
يبيّن المقطع أن كثرة الأسماء لا تدل على تعدد المسمى، وأن لله الأسماء الحسنى وصفات العلى، ويرد على من يزعم أن الاسم هو الذات نفسها، مؤكداً مذهب أهل السنة أن الاسم للمسمى، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ﴾، ويشير إلى التزام المؤلف بقول الإمام أحمد والسلف الصالح.
أشار المحاضر إلى انتهاء عرض المسائل في هذا الدرس، على أن تُستكمل في الدرس اللاحق، واختتم بالتأكيد على علم الله تعالى، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكر الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله في رسالة صريح السنة أنه حدثت مسائل واختلف الناس فيها، وذكر من ذلك أعمال العباد طاعتها ومعاصيها، وهل هي بقضاء الله وقدره أم الأمر في ذلك مبهم مفوض؟ وهذه أيضًا سيذكر رحمه الله القول الصواب فيها. وهنا كأنه قدمها كالمقدمة، وسيأتي معنى زيادة في الكلام. قد تكلمنا على مسألة القدر، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضًا أنه سيذكر هذه المسألة. قال: ثم القول في الإيمان، هل هو قول وعمل أم هو قول بغير عمل، وهل يزيد وينقص أم لا زيادة له ولا نقصان؟ أنا مسألتان: أولاً: الإيمان، ما هو الإيمان؟ فقال: قول وعمل أم هو قول بغير عمل؟ مثل قول المرجئة، فإنهم يقولون أن الإيمان قول بغير عمل. وهناك أيضًا من قال أنه قول اللسان فقط، وهم الكرامية. وهناك من غلا في هذا الباب فجعل العمل شرطًا، أو جعل العمل من أخفق فيه في جزء منه ولو أتى بكبيرة فإنه يعتبر إيمانه باطل، فهو من الخوارج المعتزلة. وهؤلاء على باطل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر هذه المسألة. والمسألة الثانية التي اختلف فيها ناس: هل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ ولم يقل أحد بزيادة الإيمان ونقصانه إلا أهل السنة. وكما قلنا قبل أن هذه المسألة متفرعة عن مسألة، وهي: هل الإيمان يتجزأ أو لا يتجزأ؟ هل الإيمان يتجزأ ويتفاضل أم لا يتجزأ ولا يتفاضل؟ فأهل السنة يقولون أن الإيمان يتجزأ ويتفاضل كما جاء في الآيات والأحاديث. وأما أهل البدع برمتهم، أهل البدع برمتهم وكلهم لا يقولون بهذا الباب، لا يقولون أن الإيمان يتفاضل أو أنه يتجزأ، لأنهم لو قالوا هذا لقالوا بقول السنة، بقول أهل السنة. فلذا لم يقل أحد منهم بهذا، لا المرجئة ولا الخوارج والمعتزلة، كلهم أنكروا تجزؤ الإيمان وتفاضله. قال: ثم القول في القرآن، هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ يعني أن هذه المسألة حصلت أيضًا وحدثت في الناس، خاصة بين أهل القبلة. وذكر هنا حتى يذكر الصواب فيها. وكما قلنا كأن الحافظ ابن جرير رحمه الله سئل عن اعتقاده، أو أنه أسيء إليه في اعتقاده، أسيء إليه في اعتقاده، وأيضًا اتهم بأشياء هو بريء منها، فأراد أن يبرئ ساحته وأن يبين اعتقاده. ومعلوم أنه كما ذكرنا حصل بينه وبعض الحنابلة، وهو الإمام أبو بكر بن أبي داود صاحب الحائية، حصل بينه شيء من الخلاف، وقامت الحنابلة مع ابن أبي داود وأنكروا على ابن جرير الطبري حتى حبسوه في بيته. وهذا ليس من العدل، ومحمد بن جرير الطبري إمام من أئمة المسلمين. ثم اتهموه بأشياء ليست فيه، وبأقوال لم يقلها، ولم يثبتوا عليه شيء من ذلك. وذكر هذه الرسالة وأنه على اعتقاد الإمام أحمد ولم يبدل. وذكر أيضًا رحمه الله أنه يعتقد هذه الاعتقادات، وهي اعتقادات أهل السنة، لم يخرج عن اعتقاداتهم رحمه الله. ولهذا تجد تفسيره من أفضل التفاسير، أنه تفسيره مع أنه من أوائل المفسرين أو من أوائل التفسير إلا أنه على السنة. وتجد قل من التفاسير أن يكون على السنة، أكثر التفاسير تجد فيها تأويلات في الأسماء والصفات، وأما تفسير ابن جرير فهو على ما جاء في الكتاب والسنة. قال: ثم رؤية المؤمنين ربهم تعالى يوم القيامة، أيضًا حصل فيها خلاف بين أهل القبلة. ثم القول في ألفاظهم بالقرآن، وهذه تابعة لمسألة القرآن، ولهذا سيذكرها في مسألة القرآن. قال: ثم حدث في دهرنا هذا حماقات، صاد فيها أهل الجهل والغباء. هناك مسائل هي من الحماقات، يفرعها بعض الجهلة فينسبها إلى السنة أو ينسبها إلى الإسلام، والإسلام منها براء. قال: ثم حدث في دهرنا هذا حماقات، وغالب هذه الحماقات جاءت من أهل الكلام، ورد عليهم بعض أهل السنة بالخطأ، وثبت بعض أهل السنة ولم يخوضوا في مثل هذه المسائل. قال: ونوكة الأمة والرعاع، النوكة هي الحمقى، أيضًا أن العنوك هو الأحمق، والأحمق هو الذي لا يتصرف تصرفًا صحيحًا، لا يتصرف تصرفًا صحيحًا. قال: ونوكة الأمة والرعاع يتعب إحصاؤها على هذه المسائل، ويمل تعدادها. فيها القول في اسم الشيء، أهو هو أم هو غيره؟ على من هذه المسائل التي ذكرها أهل الكلام؟ يريدون أن يتفلتوا من إثبات الأسماء والصفات، فقالوا: كيف يكون لله عز وجل أسماء وصفات؟ لأن الاسم هو ذات الشيء، والاسم هو نفس الشيء، هكذا يقولون. فكيف سيكون له أسماء؟ فإذا قلنا أن له أسماء وصفات فمعنى ذلك أننا أثبتنا تعدد الآلهة، معنى آلهة كثير: هذا كريم، هذا العظيم، وهذا كذا... أنا يقولون هكذا. وهذا جهل، أولاً: جهل بالسنة، بالقرآن والسنة، وأيضًا كذلك جهل حتى بالواقع، وبلغة العرب، وبالمشاهد. فهناك ليس من الإنسان بل ليس من الجمادات من قد يكون له أسماء أكثر من اسم، وكذلك أيضًا الناس تجد أيضًا له أكثر من اسم ولقب، وهذا لا يدل على أنه أكثر من واحد. وربنا جل وعلا له المثل الأعلى سبحانه وتعالى، فهو لعظمته اكتسب أسماء عظيمة وكثيرة، أسماءه كلها حسنة، صفاته كلها عليا، جل وعلا. ولهذا فهذه الحجة التي جاءوا بها لأجل أن ينكروا أسماء الله وينكروا صفات الله جل وعلا، الجهمية والمعتزلة، فقالوا: أن اسم الشيء هو نفسه وهو ذاته. لكن أهل السنة يقولون: أن الاسم هو للمسمى، وليس الاسم المسمى إنما هو الاسم للمسمى، للمسمى. فربنا جل وعلا له الأسماء الحسنة، له الأسماء الحسنة: العليم، الخبير، الكريم، العظيم، الجبار، المتكبر، العزيز، وغيرها من أسماء الله جل وعلا. فهذه الأسماء هي لله وليست هي الله، هي لله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: أيما اسم من هذه الأسماء تدعونه فهو اسم الله، فهو اسم الله، وليس الاسم هو الذات نفسها، وإنما الاسم للمسمى. قال: ونحن نبين الصواب لدينا من القول في ذلك إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق. فهذه المقدمة ذكرها في عدة مسائل سيذكرها رحمه الله، ويفصل فيها القول، أنا يذكر الصواب من القول فيها وهو قول أهل السنة. ولم يحد رحمه الله عن قول أهل السنة قدر أنملة، بل هذا هو قول أهل السنة في هذه الاعتقادات، وهو قول الإمام أحمد رحمة الله عليك. ما سيأتي أنه يقول باعتقاد الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وليس معنى أن الإمام أحمد معصوم، ليس أن الإمام أحمد معصوم من الخطأ، لا، وإنما أن الناس أو من جاء من بعده من العلماء أيدوا ما كان عليه، وكان الإمام أحمد متحرّيًا أقوال السلف، لا يقول بقول إلا وقد قال به السلف. وأما المسائل التي حدثت ولم يقولها السلف فلم يكن يتكلم فيها، حتى مسألة اللفظ كان لا يخوض فيها ولا يتكلم، بل كان يقول: من قال أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. من قال غير مخلوق فهو مبتدع، على أن هذه المسألة لم يخض فيها الصحابة ولم يتكلموا فيها. لكن نحن نقول أن القرآن كلام الله حيثما تلي وحيثما كتب، كما سيذكر الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى. ثم ذكر رحمه الله هذه المسائل، وإن شاء الله نكون في الدرس اللاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر