الدرس في شرح مختصر السيرة 23، الدرس الثالث والعشرون : وفيه : ( بعض ما كان عليه أهل الجاهلية ... كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
أصل عبادة الأصنام يعود إلى تعظيم الصالحين بعد موتهم، وعمرو بن لحي هو أول من غير دين إبراهيم وأدخل عبادة الأصنام إلى العرب. جاء بن لحي بأصنام من جدة إلى تهامة ودعا العرب لعبادتها.
انتشرت عبادة الأصنام بين العرب بعد دعوة عمرو بن لحي لعبادتها، ثم جاء الإسلام وهدم خالد بن الوليد بعض هذه الأصنام. بقيت بعض بقايا دين إبراهيم مثل الحج والعمرة مع تغييرات وتحريفا أدخلها العرب عليها.
نزلت آية ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل في التحذير من الشرك، وتبين الفرق بين من له شركاء متشاكسون ومن هو سلم لرجل واحد. الآية تحذر من الشرك وتوضح معناه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: بعض ما كان عليه أهل الجاهلية. قال: ونذكر قبل ذلك شيئًا من أمور الجاهلية وما كانت عليه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال قتادة: ذكر لنا، وقوله: ذكر لنا، أي: الصحابة، فقتادة رضي الله عنه ممن لقي بعض الصحابة، وكذلك لقي كبار التابعين الذين لقوا الصحابة. قال: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحًا عليه السلام، وكان أول رسول، وكان أول رسول إلى أهل الأرض. وقد جاء معنا هذا عن عبد الله بن عباس، وذكره شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. قال: وقال ابن عباس: بقوله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾، قال: على الإسلام كلهم. وكان أول ما كاد، وكان أول ما كادهم به الشيطان هو تعظيم الصالحين. وذكر الله ذلك في كتابه في قوله: ﴿وقالوا لا تذرُنَّ آلهتكم ولا تذرُنَّ وَدًّا ولا سُواعًا ولا يَغوث ويَعوق ونَسْرًا﴾. قال ابن عباس: كان هؤلاء قومًا صالحين، فلما ماتوا جزن عليهم مقاربهم، فصوروا صورهم، قال: أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة. قال: فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه -يعني من الصالحين- قال: حتى ذهب ذلك القرن، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من الأول، ثم جاء القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولئك هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم. فلما بعث الله إليهم نوحًا، وغرغ من غرق، أهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى خلفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء بقيت على الشق، فسفت الريح عليها التراب حتى وارتها. والله أعلم بصحتها. أما الذي ورد عن عبد الله بن عباس فيما يذكر في تفسير هذه الآية، وذكره الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، هو أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين، فلما ماتوا، قالوا: لو أننا صورنا صورًا حتى يكونوا أشوق لنا إلى العبادة، فلما مر الزمان عبدوهم من دون الله عز وجل. فجمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة الأصنام. فإن الصور كانت سببًا لفتنتهم، سواء كانت الصور المرسومة بالأقلام أو كانت الصور المنحوتة من الحجارة أو من غيرها. وفتنة الأخرى: فتنة القبور، عبدوا تلك القبور من دون الله عز وجل. وفي هذا التحذير من هذين الفتنتين: فتنة التصاوير والتماثيل، وفتنة القبور. فإن منع هذين الفتنتين أو تحريم هذين الشيئين كان سدًا لذريعة الافتتان بفعل المشركين، أي: أن تعظم القبور أو تصور التصاوير وتصنع الأصنام. قال رحمه الله تعالى: عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم. قال: وكان عمرو بن لحي، وسيأتي أن أصله في الحديث في الصحيحين، لكن تفاصيل سيذكرها، إنما ذكرت عن أهل السير والتاريخ، وأكثر ذلك مما ليس له إسناد مستقيم. قال: وكان عمرو بن لحي سيد قريظة، كاهنًا، وله رئي من الجن، فأتاه -يعني له من يأتيه من الجن- وهذا حال الكهنة قديمًا وحديثًا، أنهم يفعلون أشياء فيها شيء من الشرك، فتكون بذلك الجن خدم لهم؛ لأن الجن في الغالب لا يخدمون الإنس إلا بوقوع شيء من الكفر والشرك. قال: فأتاه فقال: عجل السير وضعًا من تهامة بالسعج والسلامة، إيتي جدة تجد أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب -يعني ولا تخاف- وادع العرب إلى عبادتها تجب -يعني تجيبك العرب- وهذا من الأخبار والسير التي لا إسناد لها مستقيم. لكن الذي جاء في الصحيح -كما سيأتي- معناه أنه أتى بها من الشام أثناء تجارته وذهابه وإيابه، فإنه كان يذهب للشام ويرى في الشام عبادة الأصنام، فأتى بها من الشام وأدخلها إلى البيت الحرام. وكانت مكة تعظمها العرب ويأتيها الحجي من كل مكان من بقاع الأرض. فلما رأوا هذه الأصنام افتتنوا بها وظنوا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وعند ذلك اتخذوا منها أشياء ففرقت في بلاد العرب. هذا أشهر ما قيل بانتشار الأصنام بسبب عمرو بن لحي، ولا يعني ذلك أنها لم توجد في العرب؛ لأن الفتنة بالقبور شيء يطمع فيه الشيطان، فهو لا يزال يفتن الناس حتى يوقعهم في ذلك. فالأمر قد يكون قد اجتمع به هذان الأمران: شيء كان عند الناس، وشيء كان بسبب عمرو بن لحي. قال رحمه الله تعالى: قال: وادع العرب لعبادتها تجب -يعني الشيطان يقول لعمرو بن لحي- قال: فأتى جدة فاستثارها -يعني طلب إثارتها بمعنى يبحث عن هذه الأصنام- ثم حملها حتى أوردها تهامة. وتهامة هو كل من خفض من أرض العرب، ونجد هو كل من ارتفع من أرض العرب، والغالب أن نجد يكون على ما فوق المدينة النبوية، فما فوقها يسمى بالجملة نجد، وما دون ذلك يسمى تهامة، ومن تهامة واد الحجاز. قال: فأتى جدة فاستثارها ثم حملها حتى أوردها تهامة، وحضر الحج فدع العرب لعبادتها فأجابه عوف بن عدرة، فدفع إليه ودًا، فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبدهد، فهو أول من سمي به -أي تسمى بالعبودية لغير الله- فدر من أن يقول: عبد الله، قال: عبدهد -يعني عبد لهذا الصنم-. قال: فلم يزل بنوه يزدنونه -يعني يقدمونه ويشركونها على من يأتي لعبادة هذا الصنم- قال: حتى جاء الإسلام، فبعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبينه بنو عدرة وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم، ثم هدمه وجعله جدادًا -والجداد يعني القطع- قطعه واستأصل أصله حتى صار متناثرًا. قال: وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار، وهذه قبائل من قبائل العرب، كل قبيلة تسكن بلدًا، فدفع إلى رجل من هذين سواعًا، فكان بأرض يقال لها وفاق من بطن نخلة، يعبده من يديه من مضر. وفي ذلك قيل -يعني من الشعر- مما يستدل به على أن سواع كانت تعبده مضر، قال: تراهم حول قبلتهم عكوفًا، كما عكفت ذيل على سواع. طيب معنى أنه ذيل، ومن يليه من مضر كانوا يعبدون سواع. قال: وأجابته مذحج، فدفع إلى نعيم بن عمر المراد يغوث، ويغوث أحد هذه الأصنام، سواء أكان هو بعينه أو غيره، لكن المقصود أن هذه القبائل من قبائل العرب عبدت الأصنام بما كان من إتيان عمرو بن لحي بها إلى بلاد العرب. ومراد قبيلة من قبائل العرب المشهورة في جهة مأرب اليوم، قال: وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها، ومذحج من قبائل اليمن وهي قريبا من مراد. قال: وأجابته همدان، فدفع إليهم يعوق، فكان بقرية يقال لها خيوان، وهمدان في شمال اليمن في جهة صعدة وما حولها، قال: قالوا لها خيوان تعبدها همدان ومن والاها من اليمن. وأجابته حمير، فدفع إليهم نسرًا، وحمير كانت في أطراف من بلاد مأرب وصنعاء وما حولها من المواضع في إب ونحوها، قال: بكان بموضع بسبأ تعبده حمير ومن والاها، فلم تدل هذه الأصنام تعبد حتى بعد الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكسرها. قال: وبالصحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت عمرو بن عامر بن لحي يجر أستاه في النار»، فكان أول من سيب السوائب. قال: وفي بعض، وغير دين إبراهيم، وفي بعض عن أبي سفيان: وكان أول من غير دين إبراهيم ونصب الأوثان -يعني أتى الأوثان إلى بلاد العرب-. قال: وكان أهل الجاهلية على ذلك، فيهم بقايا من دين إبراهيم. أهل الجاهلية بقيت فيهم بقايا من دين إبراهيم، ومن ذلك الحج والعمرة وغير ذلك مما سيشير إليه رحمه الله. فهذا لم يعرفوه بالعقل، ولكن بدين شرعه الله وأرسل به بعض أنبياءه ورسله، فعذب من الأنبياء والرسل بعثهم الله بدين إبراهيم من بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يحجون ويعتمرون ويطوفون ويذبحون وينحرون ويعتكفون في البيت الحرام. فبقيت هذه العبادات ومنها التلبية في بعض قبائل العرب على ما كان عليه في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من الأنبياء، ولكن كما تعرفون إذا كان الناس من دون شريعة ولا دين ولا رسول ولا أتباع رسول فإنهم يغيرون ويبدلون ويحدثون في دين الله عز وجل ما يكون سببًا لتضييع الدين الصافي النقي الذي بعث به النبي. وهذا الذي حصل في العرب، فإنهم غيروا وبدلوا من ذلك، غيروا الأشهر الحرم، ومن ذلك أنهم غيروا صفة الحج، فكانوا يحجون على خلاف حج إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الزمان وفي المكان كما مر معنا. فربما جعلوا القروج من الحرم إنما هو لغير أهل الحرم، وأما أهل الحرم فحجهم في حدود الحرم، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وخالفهم ورد الحج على ما كان في عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى في التلبية كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: وكان أهل الجاهلية على ذلك، فيهم بقايا من دين إبراهيم، مثل تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة والوقوف بعرفة ومزدلفة وإماطة الودي. وكانت الزار تقول بإهلالها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. ومر معنا الحديث في صحيح مسلم، فكان هذا من بعض تلبية أهل الجاهلية، وهي تلبية فيها شرك: «إلا شريك هو لك»، الله عز وجل ليس له شريك، لكن هذه من بدع ومحدثات المشركين من أهل الجاهلية. قال: فأنزل الله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، والمعنى أنها ختمت بالتحذير من الشرك. قال: واصنموا مناة، إلى آخر ما هنالك. انتهى الوقت، نكتب بهذا القدر، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.