شرح مختصر السيرة 39

شرح مختصر السيرة 39

الدرس في شرح مختصر السيرة 39، الدرس التاسع والثلاثون : وفيه : ( سؤالهم الآيات:والله سبحانه قد يظهر الآيات ... أن يصيبكم الله بعذاب من عنده الآية ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

طلب الكافرين الآيات والمعجزات

يتناول طلب الكافرين الآيات والمعجزات من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إيمانهم بها، واستحقاقهم العذاب بسبب تكذيبهم. يستشهد بآيات من القرآن وتفسيرات العلماء.

تعنت المشركين وأهل الكتاب في طلب المعجزات

المشركون وأهل الكتاب طلبوا معجزات تعنتًا، ولو نزلت آية لكذبوا بها، وبين الله أن إتيانهم بالآيات إقامة للحجة. يبرز تكذيبهم رغم الآيات.

حكمة الله في العذاب وعدم إهلاك الأمم

يشرح حكمة الله في عدم إهلاك الأمم بعذاب الاستئصال بعد التوراة، ويبين عاقبة بعض بني إسرائيل واستمرار هذا النهج حتى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

هداية الله تعالى والإيمان برسالته

يهدي الله بعض الناس فيؤمنون، ورجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتم التأكيد على أهمية الإيمان في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "مقتصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم: سؤالهم الآيات، والله سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبع على قلب الكافر كفرعون، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾. فإن من سنة الكافرين المعلومة أنهم يجحدون بالآيات، يطالبون بالآيات أولًا ثم يجحدون بها ويكفرون ولا يستجيبون، فيكون لهم عاقبة السوء في الدنيا وفي الآخرة. قال رحمه الله تعالى: بيّن سبحانه وتعالى أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب بها الأولون، فإذا كذب هؤلاء كذلك استحقوا عذاب الاستئصال. وعذاب الاستئصال يعني الإزالة بالمرة، مثل قوم ثمود وقوم عاد، كذلك وهكذا قوم فرعون. قال: ورووا أهل التفسير وأهل الحديث عن ابن عباس قال: سأله أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا، فقيل له: إن شئت نستأني بهم وإن شئت نؤتهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما هلك من قبلهم، فقال: "بل أستأني بهم". فأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ الآية. وهذا المعنى قد صح عن عبد الله بن عباس، ومر معنا قريبًا في درس التفسير هذا الصباح، وأنه روي من طريقي، من طريق... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ومر معنا أن ابن منده يقول: "جعفر ليس بالقوي في سعيد بن جبير"، ولكن له شواهد كما سمعنا. وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في "الصحيح المسند من أسباب النزول" من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، فالحاصل أنه حسن إن شاء الله. قال: وروى ابن أبي حاتم عن الحسن، ومعنى الآية واضح: أنهم طلبوا آية أن يحول الصفا إلى ذهب، فسأل الله عز وجل، أي نبينا عليه الصلاة والسلام، فأخبر أنه إذا أجيب ولم يستجب الناس وكفروا استأصل هؤلاء وعذبوا، فرجى أن يستأنبهم لعل الله أن يهديهم أو يخرج من أصلابهم من يعرف الهداية. قال: وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: "رحمة لكم أيها الأمة، إنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم". وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية فلا يؤمنون بها، قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ الآية. قال: وأخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم فيعرضون عنها، وأنهم سيرون صدق ما جاءت به الرسل كما أهلك الله من كان قبلهم بالذنوب التي يتكذيب الرسل، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً﴾. والمعنى أن هذه سنة الله جل وعلا: من كذب عذب. قالوا: أخبر بشدة كفرهم بأنهم لو أنزل عليهم كتابًا في إرطاس فلمسوه بأيديهم لكذبوا به -يعني من السماء- وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكًا لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، وحينئذ يقع اللبس عليهم لظنهم الرسول بشرًا لا ملكًا. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، كذلك قالوا: هذه الآيات لو أجيبوا إليها ثم لم يؤمنوا لأتاهم عذاب الاستئصال، وهي لا توجب الإيمان، بل إقامة للحجة، والحجة قائمة بغيرها. يعني حجة الرسل قد قامت بغير هذه الآيات، فما من نبي -كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام- إلا بعث وأرسل ما على مثله يؤمن البشر، من يريد الصدق والإنصاف: ما من نبي بعث إلا وأرسل وبعث بما مثله يؤمن البشر. قال رحمه الله: فإن قولهم «حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا» أي يقتضي تفجيرها بمكة فيصير واديًا زراعيًا. والله سبحانه وتعالى قضى بسابق حكمته أن جعل بيته بواد غير ذي زرع؛ لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا، فيكون حجهم للدنيا. نعم، من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل البيت في موضع غير ذي زرع، يعني ليس فيه سبب من أسباب الدنيا؛ لأجل الذي يأتي إلى مكة ما يأتيها لأجل الدنيا، تكون نيته خالصة لله سبحانه وتعالى، وهذا أحد الأسباب والحكم. قال: وإذا كان له جنة من نخيل وعنب كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته، وكذلك إذا كان له قصر من زخرف -وهو الذهب- إما إسقاط السماء كسفًا، فهذا لا يكون إلا يوم القيامة. قال: وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلًا، فهذا لما سأل قوم موسى، وأخذتهم الصاعقة. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات، بين سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء، وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك، وأنهم إنما سألوه تعنتًا، لم يسألوا طلبًا للحق وإذعانًا وخضوعًا له. قال: فقال عن المشركين: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، هذا حقيقة قولهم. قال: وقال عن أهل الكتاب: فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، إذا قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾، يعني فقالوا: "أرنا الله جهرة" إلى آخر الآيات. قال: فهم مع هذا نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين، فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة -يعني التي يقترحها الكفار- لم يكن في مجيئها من فعلهم، بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا، يعني إذا لم يكن منهم استجابة بعد هذه الآيات، فإن الله يعاقبهم باستئصالهم. قال: إذا لم يؤمنوا وتغليظ الأمر عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية، يعني حرمنا عليهم طيبات وحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا. قال: فكان في إنزال مذر هذه أعظم رحمة وحكمة. ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابًا لم يعذب الله به أحدًا من العالمين. وكان قبل نزول التوراة يهلك المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلًا، ويظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى؛ ليبقى ذكرها في الأرض، إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾. بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب الله بعضهم ويبقي بعضهم، إذ كانوا لا يتفقون على الكفر، ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ الآيتين. قال: وكان من حكمة الله تعالى ورحمته لما أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال، بل عذب بعضًا بأنواع العذاب، كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّكَ فِي شَكٍّ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآيات، والذين دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه كلبًا من كلابه فافترسه الأسد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ الآية. الشاهد أنه أراد رحمه الله تعالى أن يبين أن المشركين قد طلبوا آيات كثيرة، وقد أرسل الله عز وجل مع نبيه عليه الصلاة والسلام بعض الآيات التي يؤمن بمثلها البشر وتقوم به عليهم الحجة، وأن ما لم يستجب وما لم تأت من الآيات ليس لأن ذلك ليس في مقدور نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن الله يعجزه أن يؤيده بها، ولكن رحمة من الله وشفقة من نبينا عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة أن يهلكوا بسبب عدم استجابتهم إذا نزلت الآيات ولم يؤمنوا، فرجى أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن أو أن يهدي بعضهم فيؤمن. فكان كما رجى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نكتب بهذا الانتهاء الوقت، نكمل بدرس لاحق، والله أعلم.