الدرس في الخوارج النشأة والفكرة 2، البدع والأهواء في زمن الصحابة والخلفاء . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان الصحابة على فهم عظيم للغة ومعاني القرآن والسنة، واستجابتهم لأمر الله ورسوله كانت قوية. عوامل الهداية كانت متوفرة لديهم مثل القرآن ووجود الرسول.
يتناول الرد على شبهة وجود بدع حسنة في عهد الصحابة، ويبين أن أفعالهم استندت إلى أدلة شرعية. كما يرد على من يحتج بنماذج سلفية لفعل أشياء لم ترد في الشرع.
يتحدث عن براءة الصحابة من الانخراط في الفرق الضالة، ويُنكر على من يلمزهم بالإرجاء. يُشير إلى أن الصحابة كانوا على خير في فترات خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. بالأمس كنا في الدرس الأول حول ما يتعلق بأهمية هذا المبحث، ألا وهو الفرق الضالة أو الفرق الإسلامية من حيث النشأة والفكرة، وأشرنا إلى عشرة مسائل منها. ومن خلالها نعرف ما يستفاد من هذه السلسلة العلمية. وننتقل في هذا اليوم إلى الدرس الثاني، وهو في الحقيقة سنتحدث عن حال الناس في زمنه عليه الصلاة والسلام وما بعده، لأن هناك مسائل ينبغي أن نعرج عليها. فأقول حفظكم الله، أن الناس وأعني بهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم في الزمن الأول، كيف كانوا؟ أولًا كان القرآن يتنزل بالوحي المنزل على حسب الوقائع، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يألو جهدًا في تبليغ كل ما أنزله الله إليه. وأيضًا كان الناس في تلك الحقبة الزمنية كانوا على فهم عظيم باللغة وبمعاني القرآن والسنة، على فهم عظيم، بل كانوا في غاية من الاستجابة لأمر الله ورسوله، حتى كان يضرب بهم المثل، سواء كانت الاستجابة في تصديق الخبر أو كانت الاستجابة في تطبيق الأمر، هذا وذاك قمة في الاستجابة، رضي الله تعالى عنهم. هكذا كان الناس في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانوا أيضًا في هذه الحقبة الزمنية كانت عوامل الهداية متوفرة لديهم، القرآن من أعظم أسباب الهداية، ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى﴾. وهكذا وجود الرسول عليه الصلاة والسلام عامل من عوامل الهداية، ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾، فكانت وفرت هذه الطرق والسبل بين يدي الصحابة جعلتهم على الجادة. أضف إلى ذلك ما كان في هذه المرحلة المكية، وهي بداية دعوة عليه الصلاة والسلام، أنه ما كان هناك نفاق أصلا، لأن الداخل إلى الدين إنما يدخل رغبة، رغبة يعرف الذي يدخل في دين الإسلام ما سيجد إلا الإيلام، هذا إن سلم من القتل. فكانت بداية الدعوة وهذه من حكمة الله أن جعلت على الاستضعاف حتى لا يدخل عليها داخل ولا طامع، إنما يأتيها من هو راغب لله ولرسوله وللدار الآخرة. فإذن هذا كذلك عامل من عوامل الهداية، تداعي هذه العوامل تلو العوامل على زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جعلهم على الجادة. وكذلك من أمرهم ومن أدبهم أنهم ما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يشكل عليهم فقط، أمر مشكل، أمر جلل، حينها اضطروا سألوا نبينا عليه الصلاة والسلام. حتى قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن. ما سألوه حتى قبض عليه الصلاة والسلام وتوفاه ربنا عز وجل إلا عن هذه المسائل القلال، ثلاث عشرة مسألة، قال ابن عباس: وكلهن في القرآن. ثم ذكر رضي الله تعالى عنه قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾، ﴿يسألونك عن المحيض﴾، ﴿يسألونك عن اليتامى﴾، ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾. يسألونك، لعظيم أسئلتهم جعلها ربنا في كتابه، ها نحن نقرأ أسئلة الصحابة لنبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿يسألونك يسألونك﴾، لعظيم فقههم. ولمن هنا قال ابن عباس بعدما ذكر هذا الأثر: ما كانوا يسألونه إلا عما ينفعهم فقط، هذا الذي كانوا يسألونه في هذه الفترة الزمنية، في فترة الصحابة مع نبينا عليه الصلاة والسلام. هناك إشكالات، إن كان من شيء فهي أمور بدهية تطرأ أحيانًا، بعض الإشكالات عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لربما بعضها يكون بسبب وسوسة الشيطان. فالشيطان يجري منا مجرى ابن آدم، ولا أحد يستطيع يتفلت من وساوسه حتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما قال القائل: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما لو أن نخر من السماء إلى الأرض أحب إلينا من أن نتكلم به. ما نستطيع أن نتكلم، يتكلمون عن ماذا؟ عن شيء في نفوسهم، شيء يجدونه في نفوسهم: ﴿إننا لنجد في أنفسنا ما لو نخر من السماء إلى الأرض أحب إلينا من أن نتكلم به﴾. فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلك صريح الإيمان»، وفي لفظه قال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»، الحمد لله الذي رد كيد من الشيطان أن جعل نصيبه منكم وسوسة عادلة سبيل، ولا تبالون بها. ما أثرت في اعتقادكم، ما أثرت في أعمالكم، ما أثرت في تصوراتكم، لا، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة. مثال ذلك أن يأتي الشيطان إلى أحدنا وقد جاء إليهم: من خلق الأرض؟ من خلق السماوات؟ من خلق الله؟ هذه من أسئلة الشيطان الخبيث. فتأتي، لكن تزول، وسوس عابرة. وكذلك مما قد يقع أو من الإشكالات التي تقع عند بعض الصحابة ما يكون من جراء التفكير البشري، أحيانًا تأتي مسائل مشكلة، يكون الواحد يتساءل: كيف ولماذا؟ وقد يقع، لكن في حالات نادرة، كالسؤال والحديث حول مسائل القضاء والقدر، قد حصلت مثل هذه الإشكالات. وجاء في الحديث الصحيح والذي جاء في مسند الإمام أحمد وعند غيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يومًا، فإذا بهم يتنازعون في القدر، يتنازعون في القدر، ومسائل القدر كثيرة. فوجدهم يتنازعون في هذا الباب، قال الراوي وهو أبو هريرة: فغضب رسول الله حتى حمر وجهه غضب، حتى حمر وجهه، فقال: «أبهذا أرسلت إليكم؟ أبهذا أمرتم؟». قال: «فإنما أهلك من كان قبلكم أن تنازعوا في هذا الأمر»، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه. فبينما نبينا صلى الله عليه وسلم غضب، وأيضًا أنكر عليهم: «أبهذا أمرتم؟ أبهذا أرسلت إليكم؟»، ثم استحلفهم أن لا يعودوا مرة ثانية أو مرة أخرى، إذ أن ذلك سبب للهلاك. إنما كان أهلك من كان قبلكم أن تنازعوا في هذا الأمر، هذا الحديث نعم فيه كلام، ففيه صالح المري وهو له مناكير، وقد تفرد. إلا أن العلامة الألباني رحمه الله تعالى وجد له شواهد من حديث عبد الله بن عمر بن العاص. فالشاهد أن هذا قد يطرأ وقد يقع، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل من أنه شد النكير عليهم، ولهذا مصلحة، مصلحة في بيان أنهم لن يشغلون بمثل هذه المسائل الذي ما كلفوا بها. وهذه التربية منه عليه الصلاة والسلام ما الذي ولدت؟ ولدت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فيما بعد يضربون بيد من حديد لمن أراد أن يتلاعب بالدين. ومن هنا لما ظهرت فيما بعد القدرية، وقف الصحابة ضدها صفًا واحدًا، من تربيته عليه الصلاة والسلام. هذا ما أذكره باختصار حول هذا الجيل، وهو جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكيف كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام. إذن في هذه المرحلة، في زمن الصحابة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، لم تظهر فرق ضالة، لم توجد جماعات منحرفة، ما توجد أهواء. مع أن النبي قد أخبر بظهورها وعن نشأتها، لكن ما ظهرت في زمنه عليه الصلاة والسلام، تبقى مسألة لم تقع، فرق ضالة، ولم تنشأ جماعات. لكن هل حصل شيء من البدع؟ إن صحت أن تسمى بدعًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟ أو بتعبير آخر: هل الصحابة ابتدعوا بدعة حسنة؟ هذه مسألة أحب أن أقف عليها لحظة، نتناقش فيها. لأننا نجد من أهل البدع والأهواء، من المتصوفة، من يدندن على هذه المسألة في الآونة الأخيرة، وأخذ يشيع على أن مفهوم البدعة عندكم يا وهابية ويا أهل السنة: أنه ما يجوز إحداث أي شيء، أي شيء ما عليه رسول الله. من قال بهذا؟ من قال بهذا؟ الصحابة هنا الشبهة، الصحابة هم بأنفسهم أنشأوا عبادات، أنشأوا أعمالًا، أنشأوا طاعات من غير الرجوع إلى رسول الله، من غير الرجوع إلى وهم وجود عندهم ما رجعوا إليه، وإنما فعلوها وأجروا عليها. مثال، قال: من هذه الأمثلة، مثلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، فلما رفع من ركوعه، سمع رجلًا يقول لما قال نبي: «سمع الله لمن حمد»، قال: «ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، هذا من رجل أتى به من غير الرجوع إلى رسول الله. فلما فرغ النبي من صلاته، قال: «من قال ما قال آنفًا؟ من قال الرجل؟» قال الصحابي: أنا يا رسول الله، قال: «قد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرون على كتابتها». قال: انظر لهذا الرجل، ليست هذه بدعة حسنة، فعلوها ما رجع إلى رسول الله، وأجر عليها. وآخر رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأيته، قضية رجل قصته يصلي بأصحابه، فما كان من أمره أنه يختم كل ركعة يقرأ فيها بقول: «هو الله أحد»، حتى أننا نستغرب من متى بهذا؟ دعي واستجاب نبينا، قال: «لما تفعل هذا؟ لما تفعل هذا؟» قال: يا رسول الله، فيها صفة الرحمن، وإني أحبها، فقال عليه الصلاة والسلام: «حبك إياها أدخلك الجنة». قال: انظروا، هذا فعل شيء من نفسه، ومع ذلك أجر عليه. ومثال آخر: بلال رضي الله تعالى عنه أصبح يومًا، فأخبره نبينا صلى الله عليه وسلم قائلًا: «يا بلال، ما أرجع عمل عملته في هذه الدنيا في الإسلام؟ ما الذي تعمل؟ لقد سمعت دفة عليك في الجنة؟». فقال: يا رسول الله، إني لا أتطهر ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بهذا الطهور ما كتب لي، قال: انظر لي بلال، فعل فعلًا، ومع هذا الفعل الذي هو الذي فعله: أنه يصلي بكل طهارة في ليل أو نهار. أخبره نبيه بأنه أجر، سمعت دفة عليك في الجنة. ومثال آخر: خبيب الذي قبض عليه الكفار، فأرادوا أن يقتلوه، حينها استأذنهم أن يصلي ركعتين، فصلاهما، ثم أعدم من قبل الكفار، أصبح فعله سنة، ولزال الناس عند ساحة الإعدام يقوم الذي حكم عليه بالإعدام يصلي ركعتين. من أين جاءت هذه؟ من خبيب، لم تأت من رسول الله، وأصبحت من الأمور المستحبة. صح الآن، هذه المسائل، وأنا أعتذر عن ذكرها وعن سردها، لكن لا بد من البيان، لأن هذه بعضكم قد سمع بها، وبعضكم لربما أول مرة يسمع بهذا الاستدلال. لأن هذا وجد الآن في الكتب، وجد في الإعلام، في الإذاعة، في النت، عبر التواصل، لازال القوم أشاعوا مسألة أن هناك شيء اسمه بدع حسنة، بمعنى أنه يمكنك أن تفعل شيء دون العروج والذهاب والتقييد بالسنة، لا شيء. طيب افعل وتأجر، دليله في بلال أجر، دليله خبيب يؤجر، دليله: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا» أجر، دليله: «قل هو الله أحد» في كل ركعة أجر. قالوا: هكذا نحن نؤجر، ما لكم يا وهابية؟ ما لكم؟ نحن نؤجر، لا تضحكون علينا، لا تمنعون، لا تضحكون على الناس بدعًا، بدعًا، لا تفعلون شيئًا. واضح الشبهة الآن، أنا هذا الذي أحب أن أصل إليه، شبهة موجودة، مدروسة، مبسوطة. الرد عليهم من عدة أوجه، الرد الأول: ينبغي أن نعلم إخواني في الله، عند هؤلاء الصحابة الذي نقلنا عنهم ما فعلوا من أقوال وأعمال: أنهم ما أرادوا الإحداث، ما أرادوا الابتداء، أو ما أرادوا الذي يسميه هؤلاء ببدعة حسنة. لا والله، ما دار في خلدهم، ولا في قلوبهم أنهم أرادوا شيء من الابتداء في الدين، وما أرادوا مزاحمة السنة أبدًا، كحال البدعة الحسنة تقوم البدع على إذهاب السنن. فما هم فهم؟ ما صرحوا أن هديهم أكمل أو مثل هدي نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا هي عبارة عن نماذج محدودة معدودة، ليست بظاهرة جماعية ظهرت في عهد صحابتهم بالمئات، بل بالألوف، ما ظهر هذا منهم. إنما ظهرت من قبل أناس لها ملابسات معينة، فهي حوادث أعيان، لا تعمم. حتى نأتي بهذه القاعدة التي تردها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، هذا الرد الأول. الرد الثاني: أن هؤلاء لو تلاحظ في أعمالهم وأفعالهم: أنهم في الحقيقة استدلوا بأدلة شرعية، استدلوا بعموم الآيات الدالة على فعلهم، فرأوها أنها تسعفهم. مثاله ما مضى في ذلك الرجل الذي قال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، من أين جاء اجتهاده؟ حينما سمع نبينا يقول: «سمع الله لمن حمد»، سمع هنا بمعنى استجاب، استجاب الله لمن حمد. فرأى هذا الصحابي أن هنا موطن حمد لله، فأتى بهذا الحمد الذي ألهمه الله، فأتى به، فهو استدل بعموم الأدلة على جواز الحمد. الثاني الذي كان يقرأ بقول: «هو الله أحد» في كل ركعة، ولا يخفى ما يتعلق بعظيم فضل سورة الإخلاص، وأن: «قل هو الله أحد» تعدل ثلث القرآن. فأراد أن يؤجر بهذا الأجر العظيم في صلاته، ففعل هذا الذي فعل، هذا الأمر الثاني. أو في النموذج الثاني، النموذج الثالث، وهو في قصة خبيب رضي الله تعالى عنه، الذي صلى ركعتين، هو صلى ركعتين ما أراد أن يجعل السنة لغيره، هو أراد لنفسه. لماذا فعل هذا؟ فعل هذا تحت القاعدة العظيمة: أن الأعمال بالخواتيم، والأدلة الكثيرة دلت على أن من مات على عمل صالح، فهذا دليل على خيريته. قال عليه الصلاة والسلام: من هذه الأدلة: «من قال لا إله إلا الله ختم له به أدخله الله الجنة، ومن صام يومًا ختم له به أدخله الله الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له به أدخله الله الجنة». هذه قاعدة عظيمة على أن من مات على عمل صالح، فهذه بشرى له، فخبيب سيموت الآن، أراد أن ينقضي عمره بعمل صالح، فما وجد مثل الصلاة، فصلاها. إذن هذا من عمومات الأدلة كذلك، بلال وهو النموذج الرابع، الذي كان كما قال نبينا: أني ما أتطهر في ساعة من ليل ولا نهار إلا تطهرت ثم صليت. هذا ليس من اجتهاده الشخصي، بل قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوء هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه»، أليس هذا من تعلم ديننا؟ الجواب: بلى. إذن تلاحظ أن هذه النماذج المذكورة وهي الأربع: أنهم ابتكروا أشياء من ذات أنفسهم، ما جاءوا بأذكار ولا بأوراد ولا بتخصيصات، وإنما هو فهم لعموم الأدلة، هذا الرد الثاني. الرد الثالث: وهو أن هذه النماذج الأربع يا عبد الله، لو تمعنت فيها، ستعلم أنها تدخل في السنة، تدخل في السنة. كيف هذا؟ السنة عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنة قولية، وهو كل ما يقوله عليه الصلاة والسلام، والثاني: السنة الفعلية، وهو كل ما فعله عليه الصلاة والسلام، الثالث: السنة التقريرية، وهو كل فعل يفعل في زمنه ويقره عليه الصلاة والسلام، ما حكمه؟ سنة. سنة، إذن نرجع الآن إلى النماذج الأربع، بلال فعل أمرًا، فالنبي أقره، إذن سنة تقريرية. ومن قرأ: «قل هو الله أحد» فعل فعلًا في زمنه، نبي أقره، فهو سنة تقريرية. ومن قال: «ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا» هذه سنة تقريرية. وهكذا من صلى ركعة وهو خبيب، هذه سنة تقريرية. حتى أن سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى سئل عن هاتين الركعتين قبل الإعدام، قال: هي من المستحبة، لأن خبيب فعلها، وبلغت نبينا، فلم ينكرها. إذا نفهم، وهذه هنا مربط الفرس، أن هذه الأفعال إنما جعلت من المشروع، ومن الجائز، لا لمجرد فعل القوم، لا، وإنما وجدت لما وجدت تقرير من رسول الله، أصبحت لها صبغة شرعية. انتبه لهذا، ليس مجرد الفعل من هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أعطى صبغة شرعية لهذه المسائل، وإنما بتقريره. ولهذا نقول: هذا من السنة التقريرية منه عليه الصلاة والسلام، بدليل بدليل أن هؤلاء لما فعلوا هذه الأفعال، هل كانوا يعلمون بالفضائل؟ هل كان يعلم أن بعمله ستسمع له دفة في الجنة؟ الجواب: لا. ما الذي أخبره؟ نبينا أخبره، هذا الذي يقرأ: «قل هو الله أحد» في كل ركعة، هل يعلم بأنه سيدخل الجنة بهذا السبب؟ الجواب: لا. من الذي أخبره؟ نبينا أخبره بهذا عليه الصلاة والسلام. فتجد، وهذا كذلك الرجل الذي قال: «ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا»، في الحديث من الذي أخبره؟ هل يعلم بأن هناك جماعة من الملائكة ابتدرت بأخذ هذا الدعاء؟ من؟ هل يعلم؟ الجواب: ما يعلم. من الذي أعلمه؟ نبينا عليه الصلاة والسلام، إذن نعلم أن هذه الأعمال إنما هي في الحقيقة تدخل داخل التشريع، تحت ما يسمى بالسنة التقريرية. الرد الرابع على هؤلاء: نقول: لماذا ذهبتم؟ لماذا جنحتم إلى هذه النماذج؟ تعالوا معي قليلًا ونذهب معكم إلى نماذج أخرى هي على هذا المنوال. من جماعة من أصحاب رسول الله، أعمل أعمالًا، لكن ننظر كيف تعامل معه نبينا عليه الصلاة والسلام. جاء في الصحيحين: أن نفرًا من الناس قال أحدهم: أما أنا أصوم ولا أفطر، والثاني: أقوم ولا أرقد، والثالث: ولا أتزوج النساء، جد واجتهاد في العبادة. ماذا قال نبينا؟ «من رغب عن سنتي فليس مني»، رفض، رفض عليه الصلاة والسلام هذا العمل. ومثال آخر: دخل نبينا صلى الله عليه وسلم المسجد، فوجد حبلًا ممدودًا، قال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: يا رسول الله، إنه حبل زينب، تصلي الليل، فإذا فترت تعلقت به. قال عليه الصلاة والسلام: «حلوه، حلوه»، أي: فكوه، «وليصلي أحدكم نشاطه»، رفض عليه الصلاة والسلام هذا الفعل. ومثال ثالث: وجد نبينا صلى الله عليه وسلم رجلًا يمشي وقد أنهكه التعب، قال: «ما باله؟» قالوا: يا رسول الله، إنه نذر أن يحج ماشيًا. قال عليه الصلاة والسلام: «مروه ليركب، إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني». ومثال رابع: حديث ابن عباس في البخاري: خرج نبينا من المسجد، فإذا برجل واقف في الشمس، قال: «من هذا؟ وما باله؟» قالوا: يا رسول الله، إنه أبو إسرائيل، وإنه نذر أن لا يستظل ولا يجلس ولا يتكلم، وأن يصوم. عبادة، عبادة، عبادة، عبادة، أراد التعبد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفض، قال: «مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه». هذه النماذج الأربع نجعلها إزاء هذه النماذج الأربع، يا قوم، لماذا اتكأتم على النماذج الأول في أنه يجوز الزيادة، وعلى أن الإنسان إذا استحسن شيئًا فعله ويؤجر عليه؟ طيب، هذه النماذج أليست هي نفس الشيء؟ أناس أرادوا أن يتعبدوا الله بعبادات، لكنها ما شرعت، إذن كيف نعرف؟ وكيف نفهم؟ الجواب: الشرع، الشرع هو الذي يصوب هذا، وهو الذي يخطئ هذا الأمر. لا ترجع إلى مجرد الأفعال، وإنما ترجع إلى معاملة الشرع، وهنا تأتي المسألة الخامسة والأخيرة، وهو الواقع. دعونا يا قوم مما تدندنون به، ما المراد من أقوالكم؟ ماذا تريدون؟ تريدون بدعة حسنة؟ أذكار؟ أوراد؟ تخصيصات؟ ما عندي إشكال، ما عندي أي إشكال. افعلوها، افعلوها، تأسيا بالنماذج الأربع، لكن بشرط، ما هو شرط؟ اعرضوها على السنة، فإن أقرها الشرع اعملها، كما في النموذج ألف. وإن رفضها الشرع ترفض، كالنموذج باء، وهذا هو الذي خلاصة الأدلة. عندي مجموعة ألف: أعمال فعلت من قبل أصحابها، ارتضاها الشرع، فقبلناها. وعندي أعمال بالمثل عملها الصحابة، إلا أن الشرع رفضها، فرددناها. إذن أعمالكم بالمثل، هل هي مقبولة؟ الله أعلم، هل هي مرفوضة؟ الله أعلم. ضع صح أو غلط في الاختبار، طيب، ما الحل؟ الحل: اجعلها تحت ميزان الشرع. وما الجواب؟ الجواب: أن قد أغلق الخطاب، وانقطع الوحي، وكل بدعة ضلالة. وما كان في هذه النماذج المذكورة إنما فعلت في زمن الوحي، وإن الوحي الآن قد انقطع. ولهذا هي لن تعدو على أن تكون مسألة علمية لا عملية، واضح إخواني في الله. هذا مما أحب أن أشير عليه، وإن أخذ مني وقتًا، لكن أرى أن هذا المقام مقام لأن القوم يدندنون على أن البدعة الحسنة هي موجودة في عهد الصحابة، بل في زمنه عليه الصلاة والسلام. ومن خلال هذه الردود التي سمعتموها، تعلم أنهم ما عندهم شيء مما يسمى بالبدعة الحسنة لهذه المسائل. أنتقل الآن بعد حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى حال الناس في فترة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. في فترة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان الناس على خير حال، لم تكن أيضًا هناك بدع ظاهرة، وما هناك فرق، وما هناك آراء، وما هناك جماعات. وخلافته من السنة الحادية عشر للهجرة إلى السنة الثالثة عشر للهجرة، في هذه الحقبة الزمنية ما عندي شيء من المحدثات، ولا من الضلالات. إنما هناك خلافات حصلت في مسائل عملية، وقد استتب الأمر، كالخلاف على الخلافة، وانتهى الأمر مباشرة في سقيفة بن ساعدة. وأما حروب الردة في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لا تعلق لها بالبدعة، لأن حروب الردة حكم أصحابها على أنفسهم بأنهم خرجوا عن الدين وخرجوا عن الملة، حينما خالفوا أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. هذا خلاصة ما أذكره عن خلافة أبي بكر، أنتقل الآن إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. خلافة عمر رضي الله تعالى عنه استمرت عشر سنوات بعد خلافة الصديق، أي من عام ثلاثة عشر إلى السنة الثالثة والعشرين من الهجرة. في هذه الفترة كذلكم كانت خالية، ما عندي فرق ضالة، ما عندي جماعات ظهرت، ظهرت أشياء فردية فردية وشخصية، لكن مع من؟ مع عمر رضي الله تعالى عنه. من ذلكم ما ذكره العلماء عن أمر صبيق، رجل ظهر وأخذ يسأل عن متشابه القرآن، يسأل عن متشابه القرآن، حتى وصل إلى المدينة وأخذ يسأل. علم عمر بأمر صبيق، فاستدعى، وقبل أن يستدعيه أعد له عراجين النخل، وهو العذق إذا يبس، أعدها وجعلها مطروحة عنده. فلما دخل صبيق على عمر وسلم عليه، قاله عمر: من أنت؟ من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيق، فأخذ عمر هذه العراجين وأخذ يضرب على رأسه. قال: وأنا عبد الله عمر، فأخذ يضرب ويضرب ويضرب حتى شج رأسه، وأصبح الدم يسيل من على وجهه، ويقول: حسبك، حسبك يا أمير المؤمنين. فوالله قد أذهب الله ما برأسي، خلاص يكفي، ما كان في رأسي من مسائل المشكل والمتشابه وتتبع لمثل هذه المسائل أذهبها الله. وما اكتفى عمر، لا، أمر بنفيه إلى بلاد البصرة، والتي فيها أبو موسى الأشعري، وكتب لأبي موسى أن لا يجالسه أحد، هجر. وهذا فيه كما قلنا في مسائل أمس: أن مما يستفاد أن نستبصر في تعامل السلف مع هذه الآراء، ومع هذه الأفكار. كيف نتعامل معه؟ فانظروا يا عباد الله إلى تعامل عمر مع هذه الحادثة، أب الله عليكم، هل ستظهر فرقة؟ أن تظهر فرقة إذا هذا الرجل تاب، تاب من أول ضربة. قال: الله، لقد أذهب الله ما برأسي، وما اكتفى به، نفى، أمر بنفيه إلى بلاد البصرة، وأن لا يجالس أحد. الحاصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه الأمور على أحسن حال، ننتقل إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه. خلافة عثمان والتي امتدت طبعًا بعد خلافة عمر من السنة الثالثة والعشرين إلى خمسة وثلاثين من الهجرة. هذه الفترة الزمنية كذلكم كسابقاتها خالية من الفرق الضالة، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال ولم يحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة»، ما هناك بدعة، فرقة، جماعة، ما ظهرت. لكن في أواخر حياته عليه رضي الله تعالى عنه بدأت، بدأت الفتنة، الثورات على عثمان رضي الله تعالى عنه من قبل عبد الله بن سبأ ومن جرى مجراهم. حتى انتهت بمقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وبعدها جاءت الفتن، معركة الجمل، معركة الصفين، إلى غيرها من المعارك. هنا إخواني في الله أقف وقفة، لأن بعد هذا الدرس سأنتقل بعد ذلك إلى الحقبة الثالثة، وهي بعد مقتل عثمان، وفي خلافة علي. هنا لكم بدأت تظهر الفرق والجماعات الإسلامية، قبل أن أنتقل إلى هذه الحقبة أقف هنا وأختم هذا المجلس بمسألة مهمة. انتهينا من الحقبة الأولى، أو في فترة الصحابة، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي، أن الصحابة، لم تحصل منهم بدعة، ولم تحصل منهم شيء على خلاف من يرى أنها بدعة حسنة. ما ظهر منهم شيء، إنما كان اتباعًا، وإنما كانت هي أعمال أقرها نبينا صلى الله عليه وسلم، فدخلت إلى حيز السنة. تأتي الآن مسألة: هل وقع أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من هذه الفرق الإسلامية؟ هل وقع أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنه في شيء من هذه الفرق والأهواء والجماعات؟ لأن كما قلنا: هذه مقدمة لما سيأتي من بعد مقتل عثمان، وفي بداية الفتنة، ستأتي ما يتعلق بوجود الفرق الإسلامية الضالة كمقدمة. هل أحد من أصحاب رسول الله من الصحابة بشكل عام تورط، أبتلي بهذا؟ الجواب: لا، ما هناك أحد أبدًا، تلطخ لا بقوله، فضلا عن اعتقاده بشيء من هذه الضلالات، وهذه الأفكار والأهواء. يقول علامة بن القيم رحمه الله تعالى: «قال ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات»، «قال ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال»، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة. «كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم»، انتهى كلامه، وهذا ذكره في إعلام الموقعين. «قال ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال»، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، «كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم». براءة، براءة كذلكم هذا الكلام من القيم، ومن غيره من أئمة السنة، إنما قائم على استقراء وواقع، دلت على أن الصحابة ما تلطخ بشيء من هذه الأهواء. انظر لهذا المثال الذي أذكره في هذا المقام، وهو ما ذكره عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، حين أن ظهر أصحاب الحلق في الكوفة، متعبدة مبتدعة. ظهرت على أنهم مبتدع، عندهم حلقات في المسجد يذكرون الله بطريقة اخترعوها واخترعوها، يسبحون الله بالحصى، وقائل يقول: سبحوا مئة، كبروا مئة، هللوا مئة. الشاهد: فرقة ظهرت في بلاد الكوفة، في بلاد الكوفة، فوقف ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم عليه على هذه الحلقة، ثم أخذ يخاطبهم قائلًا مبينًا. قال: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم»، هؤلاء هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، بمعنى: إيش؟ معكم هؤلاء الصحابة، بمعنى: الصحابة ليس فيكم، ما هناك أحد تلطخ في هذه الحلق مع كثرتها. قال: «هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر»، الحديث. الشاهد: أن النبي مسعود أخبر عنهم مع وجود هذه الضلالة التي ظهرت في بلاد الكوفة، إلا أن الصحابة كانوا في معزل عنها. ومثال آخر: ما جاء في مناقشة علي بن عباس رضي الله عنه للخوارج، وكانوا ستة آلاف خارجي، ستة آلاف خارجي، ذهب إليهم ابن عباس مناقشًا، مناظرًا، مفحمًا إياهم. فكان من كلامه، وهذا الذي يهمني في هذا المقام: كان من كلامه أن قال لهم بعدما سألوه: قال: «يا ابن عباس، ماذا جاء بك؟» قال لهم: «أتيتكم من عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، وهم أعلم بالوحي منكم، وليس فيكم منهم أحد، ولا واحد». تخيل ستة آلاف، أعداد مهولة، ومع ذلك ما ظفر بصحابي واحد، لماذا؟ عصمهم الله. الله عصم الصحابة من الدخول في الفرق والضلالات، مع هذا كله، لكن نجد من بعض الناس للأسف أنه أخذ يلمز الصحابة بشيء من هذه البدع. مثاله مما أذكر في هذا المقام: من لمز الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأن فيهم ظاهرة الإرجاء، هذه كلمة خبيثة، كلمة خبيثة. هذا الذي يقول بهذا، إما أنه لا يعرف من المرجئ، وإما أنه ما يقدر ويعرف مقدار الصحابة، حتى يشير إلى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عندهم لوثة في اعتقادهم. وأن عندهم شيء من الإرجاء، وهذه نعم، هذه العبارات ذكرها أناس، مثلا ممن ذكرها بعض من كبار الحزبيين في هذه البلاد. له عب