أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 172

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 172

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 172، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الجمع بين نفي الشر عن الله وإثبات خلقه لكل شيء

يشرح المقطع معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخير كله في يديك، والشر ليس إليك» مع إثبات أن الله خالق كل شيء، مبيناً أن أفعال الله كلها خير محض، بينما الشر ينسب إلى المخلوقات لا إلى الخلق الإلهي، وأن الشر في المخلوقات ليس محضاً بل نسبياً كما في القصاص الذي فيه شر على القاتل وخير للمجتمع.

نفي الشر عن أفعال الله وحكمة الشر الجزئي في المخلوقات

يوضح المقطع أن الشر لا يُنسب إلى الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، بل هي خير محض، وأن ما يبدو شراً في المخلوقات كالقصاص والعذاب الأدنى هو شر جزئي يتضمن خيراً عظيماً كتكفير السيئات، وزجر الناس عن الظلم، ودعوة العاصين للتوبة والرجوع إلى الله.

نسبة الشر إلى المخلوقات واستدلال بالآيات القرآنية

يؤكد المقطع أن أفعال الله تعالى كلها حكمة وعدل لا شر فيها، وأن الشر إنما يوجد في المخلوقات بسبب معاصيها وكسب أيديها، مستدلاً بآيات قرآنية تبين أن المصائب بذنوب العباد وأن الله لا يظلم أحداً.

الخلاصة: نسبة الشر إلى المفعولات لا إلى الخالق

يخلص المتحدث إلى أن الله خالق كل شيء ولا يُنسب إليه الشر في أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو خلقه، بل يُنسب الشر إلى المخلوقات والمفعولات، وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: السؤال الثاني والخمسون بعد المئة: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟ الحديث: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ووجه الإشكال في هذا كما بيّن المؤلف: فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث نفى نسبة الشر إلى الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم معنا أن الله خالق كل شيء الخير والشر، فكيف الجمع بين الحديث وبين ما مر معنا من أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء؟ قال: الجواب: معنى ذلك أن أفعال الله عز وجل كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه. وصدوره عنه: يجب أن نفهم في هذه المسألة أمرين اثنين قرره أهل السنة. الأمر الأول: أن الشر ليس في أفعال الله عز وجل وإنما في مفعولاته، وبعبارة أخرى: أن الشر لا ينسب إلى خلق الله عز وجل وإنما إلى مخلوقاته. ما معنى هذا الكلام؟ أسهل لك وأبسط لك هذا الأمر: طيب، إنسان يعمل حداداً في الواقع، فأراد أن يصنع سكيناً، ففعل صناعة السكين: أن يأتي بالحديد ويصهره ويضربه ويشكله، كل هذا يسمى ماذا؟ صناعة، ويسمى فعلاً، فعل الحداد لهذه السكين. فإذا انتهى منها ووجدت السكين، فهذه السكين هي من مفعول هذا الحداد أو من صناعة هذا الحداد. فإذا عرفنا الآن الفرق بين الفعل والمفعول، وبين الخلق والمخلوق، فخلق الله عز وجل وفعله لا ينسب إليه الشر ولا يضاف إليه الشر بأي وجه من الوجوه، وأما المفعولات التي هي بمعنى المخلوقات فنعم ينسب إليها الشر. ومع هذا، وهذه المسألة الثانية: أن هذه المفعولات أو هذه المخلوقات كذلك لا يوجد فيها شر محض بالنسبة للمخلوق، فقد يكون فيها شر عليه في جزء لا في كل، ما يكون في هذا الشر الذي ظاهره شر. مثال ذلك، مثال ذلك: قتل القاتل، قتل القاتل إنساناً عمداً، فلا شك أن في حكم الشريعة - إن لم يعفو أهل المقتول - أن حده القتل. طيب، قتل هذا القاتل فيه شر من وجه على هذا القاتل، وهو إزهاق نفسه، صح؟ لكن فيه خير للقاتل نفسه الذي قتل الآن قصاصاً، ولي غيره فيه خير. أما بالنسبة للقاتل فالخير أن هذا القصاص سبب لتكفير سيئاته وتطهيره، فيه تطهير له، فهذا خير أو ليس بخير؟ هذا خير، صح، هذا خير للقاتل. وأما لغيره، فقما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾، بمعنى أن المسلمين يعتبرون بقتل هذا القاتل فيكفون عن إزهاق الأنفس بغير حق. إذن انظروا الآن: هذا المفعول، هذا المخلوق في فعلنا هذا وهو القصاص، شر من وجه، لكن فيه خير من أوجه أخرى، فيه خير من أوجه أخرى. فإذن هاتان مسألتان لا بد أولاً أن نحققها أو أن نفهمها في هذا الباب: أن المراد «والشر ليس إليك» أي أن الشر لا ينسب ولا يضاف إلى الله عز وجل لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى. ولذلك قال هنا المؤلف: «من حيث اتصافه بها وصدورها عنه». اتصافه بها يعني في أسمائه وصفاته، لأن الله عز وجل كامل في أسمائه وصفاته، فلا هناك نقص في حق ربنا سبحانه وتعالى لا في أسمائه ولا في صفاته، وهذا معنى «سبحان الله» أي أنزه الله. وهكذا في صدورها عنه أي في أفعاله، وكلها خير محض. هذا أمر. الأمر الثاني: كما تقرر أن الشر الذي في المخلوق ليس هو كذلك شر محض، ليس هو شر محض، بل هو شر جزئي وليس شراً كلياً. وهذا له أدلة كثيرة: قول الله عز وجل: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. إذاقت هؤلاء العذاب فيه شر عليهم، صح؟ وهذا الشر جزئي، لأن كذلك هذا العذاب الأدنى فيه خير لهم، ما هو هذا الخير؟ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، فرجوعهم هذا خير أو شر؟ خير. رجوعهم هذا إلى الله وتوبتهم خير. ولذلك الإنسان أحياناً مثلاً يكون عاصياً، يكون متمرداً على أمر الله، فيصاب بحادث أو بمصيبة، فتكون هذه المصيبة سبباً، تكون هذه المصيبة سبباً لهدايته واستقامته. إذن الآن هذا الحادث هو خير له وشر له، في الحقيقة هو خير له، هو خير له لأن هذا الأمر، وهي هذه المصيبة، كانت سبباً في هدايته واستقامته ورجوعه إلى الله. فإذن لا بد أولاً أن نفهم هاتين المسألتين، فإذا فهمنا هاتين المسألتين فهمنا معنى قول المؤلف: «معنى ذلك أن أفعال الله عز وجل كلها خير محض». هذا أول قاعدة: أفعال الله، أسماء الله، صفات الله كلها خير محض، ما فيها شيء، ولا يجوز أن ينسب إليها شيء من الشر. ولذلك قال: «من حيث اتصافه بها وصدورها عنه»، أي لا في أسماء وصفاته ولا في أفعاله. ثم قال: «ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى» يعني هذا فعل الله، هذا خلق الله، ليس فيه شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل، وقد مر معنا أن جميع أفعال الله عز وجل مقرونة بالحكمة، مقرونة بالحكمة. فهنا قال: «ليس فيها شر بوجه، فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعاله حكمة» كما تقدم معنا، وجميع أفعاله حكمة. وهذا ما عبرنا عنه بأفعاله أو بخلقه وعدل: «يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها»، لأن الحكمة والعدل هو وضع الشيء في موضعه، هو وضع الشيء في موضعه، ولهذا قال هنا: «يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها» كما هي معلومة عنده سبحانه وتعالى. قال: «وما كان في نفس المقدور من شر» هذا الذي عبرنا عنه بالمفعولات أو بيئة المخلوقات، بيئة المخلوقات، فيكون فيها الشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وقد أضيف الشر إلى المخلوقات، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا». إذن نفسك هذا فيها شر. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾، من شر ما خلق. إذن هناك من المخلوقات ما فيها شر. فهنا قال: «وما كان في نفس المقدور من شر، فمن جهة إضافته إلى العبد يعني إلى المخلوق لا إلى الخالق، إلى المخلوق لا إلى الخالق، لما يلحقه من المهالك يعني من الشرور، وذلك بما كسبت يداه جزاء وفاق». يعني أن الشر إنما يلحق العبد بسبب معاصي وبسبب مخالفته لأمر ربه. واستدل على ذلك بهذه الآيات الثلاث: كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾، أي بسبب تمردكم، بسبب مخالفاتكم، بسبب معاصيكم. ومع هذا سبحانه وتعالى يعفو عن كثير، لأنه لو آخذ الناس بكل ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾، فالله عز وجل حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرماً، فمن ظلم فإنما يظلم نفسه، وإنما يوقع الشر على نفسه، يوقع الشر على نفسه. ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. فهذه هي الخلاصة في هذه المسألة، والجمع بين الحديث وبين أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء: فالله سبحانه وتعالى لا يضاف إليه ولا ينسب إليه الشر لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في خلقه، وإنما ينسب الشر - الذي أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء - في المخلوقات أو في المفعولات. وبهذا التفصيل يزال الإشكال في مثل هذه المسألة، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله يا رب. ترجمة نانسي قنقر