الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 183، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح كيف يزيل الكفر الاعتقادي الإيمان بالكلية عند انتفاء أركانه الأربعة: قول القلب، قول اللسان، عمل القلب، وعمل الجوارح. ويبين أن زوال هذه الأركان مجتمعة يعد أشد أنواع الكفر مع استعراض خلاف العلماء في تقسيم الأقوال والأعمال.
يؤكد أن تصديق القلب وحده لا يكفي دون عمل القلب من محبة وخوف ورجاء وانقياد. ويستدل بإجماع أهل السنة على زوال الإيمان بزوال عمل القلب، مستشهداً بالمنافقين وإبليس وفرعون.
يبين أن الإيمان الصحيح يشترط اجتماع الأربعة: قول القلب، عمل القلب، قول اللسان، وعمل الجوارح. ومن امتنع عن النطق بالشهادتين أو أداء الواجبات مع القدرة فهو كافر بإجماع أهل السنة.
يقرر أن ما سبق هو عقيدة أهل السنة والجماعة المخالفة للمرجئة والمعتزلة والفرق الضالة. ويختتم الجلسة بالاكتفاء بما ذكر والدعاء بالختم الحسن.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": السؤال الثاني والستون بعد المئة: بين لي كيفية بنافات الكفر الاعتقادي للإيمان بالكلية، وفصل لي ما أجملته في إزالته إياه. وقد تقدم معنا أن المؤلف قال: "فالكفر أصله الجحود والعناد المستلزم للاستكبار والعصيان"، ثم ذكر في سياق كلامه أن الكفر كفران، وهو الكفر الاعتقادي. فهنا يريد أن يبين ما معنى الكفر الاعتقادي، وكيف يتصور هذا الكفر الاعتقادي. وتقدم معنا أن الكفر الاعتقادي إنما هو أحد أنواع الكفر، وإلا قد يكون الكفر بالقول كسب الدين أو للرب، أو كالمستهزئ بشيء من أمور الدين، وقد يكون بالفعل أيضاً ك السجود لغير الله، وكذلك ترك الصلاة على قول جماعة من أهل العلم ونحو ذلك. ولكن أراد المؤلف هنا أن يبين هذا النوع من أنواع الكفر وهو الكفر الاعتقادي. الجواب: قال: "قد قدمنا لك أن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح". كثير من أهل العلم يجعلون القسمة رباعية فيقولون: الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فلا يدرجون عمل اللسان في هذه القسمة. ومن أدرجها أراد بعمل اللسان الأعمال الصالحة غير الشهادتين التي تكون باللسان كقراءة القرآن، فيجعلوه من عمل اللسان، وكالأذان يجعلونه من عمل اللسان، ويجعلون قول اللسان خاصاً بالشهادتين. والأمر في ذلك واسع، فإذا رأيت القسمة رباعية: عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فالمراد بقول اللسان كل عمل يكون باللسان. وإذا قالوا: عمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وعمل الجوارح، يريدون بقول اللسان الشهادتين، وعمل اللسان غيرها من العبادات التي تكون باللسان. فهذا قد تقدم معنا، وذكرنا أمثلة على ذلك: فقول اللسان مثلاً: قول "لا إله إلا الله"، وقول القلب هو التصديق، وقول القلب هو التصديق والإيقان، وعمل القلب هو الأعمال الصالحة التي تكون بالقلب ك الإخلاص والنية والخوف والرجاء ونحو ذلك، وعمل الجوارح: أي ما يكون بالجوارح من الأعمال الصالحة كالصلاة والجهاد ونحو ذلك. قال: "فقول القلب هو التصديق" كما مر معنا، "وقول اللسان هو التكلم بكلمة الإسلام". هذا على من فرق بين قول اللسان وعمل اللسان، فيخص قول اللسان بالتكلم بكلمة الإسلام: "لا إله إلا الله"، وعمل اللسان غيرها من الأعمال التي تكون بالقلب. ولذلك قال: "وعمل القلب هو النية والإخلاص"، النية والإخلاص هذا عمل القلب، يعني الأعمال التي تكون بالقلب. "وعمل الجوارح هو الانقياد بجميع الطاعات التي تكون بالجوارح". قال: "فإذا زالت جميع هذه الأربعة: قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، زال الإيمان بالكلية". فهذا أشد أنواع الكفر: ما اعتقد بقلبه فصدق، ولا عمل بقلبه، ولسانه فنطق، وعمل أعمال القلب، أعمال اللسان، ولا عمل بالجوارح، فهذا زال الإيمان عنه بالكلية. طيب، قال: "وإذا زال تصديق القلب لم تنفع البقية، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة". إنسان لربما يقول "لا إله إلا الله" لكن لا يصدق بها كحال المنافقين، المنافقون يقولون "لا إله إلا الله" لكنهم كفار، لماذا؟ لأن زال تصديق القلب عنهم، فقلوبهم مليئة بالكفر والكراهية للإسلام والمسلمين، فزال تصديقهم بقلوبهم فلم تنفعهم الأعمال، لا نطق ولا عمل. كانوا ربما يصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام، وربما بعضهم خرج في الجهاد مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هل نفعهم ذلك؟ ما نفعهم ذلك لأن تصديق القلب قد زال عنهم، تصديق القلب قد زال عنهم. قال: "وذلك كمن كذب بأسماء الله وصفاته، أو بأي شيء مما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه". فإذا كذب بأسماء الله، ومن أسماء الله الإله بمعنى المعبود، ومن أسماء الله الرحمن الرحيم ونحو ذلك، فإذا كذب بأي اسم من أسماء الله، واعتقد في الله عز وجل اعتقاداً فاسداً، فهذا لا شك أنه يكون كافراً، ومهما عمل من أعمال الجوارح أو القلب أو اللسان. قال: "وإن زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان كله بزواله، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده". إنسان قال: "أنا مصدق، عندي تصديق بكل ما أخبر الله عز وجل به"، لكن ما عنده عمل بقلبه، ما عنده إخلاص، ما عنده خوف، ما عنده رجاء، ما عنده خشية، انتفى عمل القلب من قلبه وهو يعتقد بكل ما أخبر به الله في كتابه ونبيه عليه الصلاة والسلام في سنته. فهذا هو قول المرجئة، هذا هو قول المرجئة: أن من اعتقد بقلبه ولم يعمل بقلبه ولم يعمل بجوارحه فهو مؤمن، فهو مؤمن عندهم. فأراد المؤلف هنا أن يرد على المرجئة، فالمرجئة عندهم يكفي التصديق، عند المرجئة يكفي التصديق ولا يلزم بعد ذلك أن يحب الله ورسوله أو يخاف الله أو يرجوه أو يلتزم طاعة الرسول أو ينقاد لسنته وشرعه، ما يلزم عندهم ذلك. أهم شيء عندهم تصديق القلب، أهم شيء عند المرجئة تصديق القلب، وأما عمل القلب أو عمل الجوارح فكثير منهم لا يعدها من الإيمان. وهذا لا شك أنه خلاف منهج أهل السنة والجماعة. فكما ذكر المؤلف أن أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان كله بزواله، أي بزوال عمل القلب، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، لا ينفع التصديق وحده. نعم، ثم ذكر أمثلة على ذلك، قال: "كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول". فإبليس كان يقر بربوبية الله، قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، ومع هذا التصديق منه لم ينفعه، لماذا؟ لأنه لم ينقد لأمر الله عز وجل، لم يخف من الله ولم يخشَ الله، فعصى ربه حين أمره بالسجود لأبينا آدم. وهكذا غيره من الكفار الذين ربما يكون عندهم شيء من الاعتقاد الصحيح في قلوبهم. فاليهود كانوا يعرفون صدق الرسول، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. نعم، وهكذا المشركين، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وغير ذلك من الآيات. وربما اعتقدوا صدق ما جاء به الرسول في بعض الآيات، ولكن العناد والجحود هو الذي صدهم عن الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يعتقدوا أو فلم يعملوا بما اعتقدوا، فصاروا كافرين، صاروا كافرين. قال: "الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به". والمؤلف هنا ذكر من هذه الأمور الأربعة من تركها كلها، ومن عمل بواحد وترك عمل القلب. بقي أمران لم يذكرهما المؤلف رحمه الله تعالى، وهما: إذا اعتقد العبد بقلبه، صدق بقلبه، لكنه ما عمل أو ما قال بلسانه كلمة التوحيد، ما أراد أن يقول "لا إله إلا الله"، أبى أن يقول "لا إله إلا الله" بلسانه لغير عذر، يستطيع أن يقول ذلك، ما عنده بكم، لا يستطيع أو مرض لا يستطيع، يستطيع أن يقول "لا إله إلا الله" لكنه أبى. فقلنا له: قل "لا إله إلا الله"، قال: "أنا يكفيني أنني أصدق بقلبي، ما أقول هذه الكلمة". فهذا بإجماع أهل السنة أنه كافر. من أتى بقول القلب وبكذلك عمل القلب، لكنه لم يأت بقول اللسان بالنطق بالشهادتين، فهذا بإجماع أهل العلم أنه كافر. هذه المسألة الأولى التي لم يذكرها المؤلف. المسألة الثانية التي لم يذكرها المؤلف: من ترك عمل الجوارح، ترك عمل الجوارح بمعنى أنه مصدق، وأنه قال "لا إله إلا الله" بلسانه، وأيضاً عنده عمل القلب من الإخلاص ونحو ذلك، لكن ما أراد أن يعمل بجوارحه، ما أراد أن يعمل بجوارحه. فهذا أيضاً عند أهل السنة يكون كافراً، لأن من أعمال الجوارح ما هو تركه كفر كالصلاة مثلا ونحوها مما جاءت النصوص بوجوب العمل بها. ثم إنه لم ينقد لما وقر في قلبه، فإن من الإيمان بالقلب العمل بالجوارح. ولذلك ذكر شيخ الإسلام قاعدة في كتابه "كتاب الإيمان" وهي من القواعد الأصيلة عند أهل السنة: أن الإيمان لا بد له من قدر من الإسلام يصححه، والإسلام لا بد له من قدر من الإيمان يصححه. فلا يكفي أن يقول الإنسان: "أنا مؤمن بقلبي وأنا أقول لا إله إلا الله" ثم لا يعمل بجوارحه، لا يصلي ولا كذلك أي عمل صالح بجوارحه. فهذا أيضاً عند أهل السنة يعد كافراً، يعد كافراً. أما إذا عمل بالأعمال الجوارح التي لا بد منها ثم ترك بعض الأعمال التي لا تصل إلى حد الكفر فهذه مسألة أخرى. لكن هذه المسألة إذا ترك العمل الصالح بالكلية بجوارحه، ما أراد أن يعمل أي عمل صالح، فهذا أيضاً يكفر عند أهل السنة والجماعة. إذن لا بد من اجتماع هذه الأربع، لا بد من اجتماع هذه الأربع: قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الأركان أي الجوارح. لا بد في الإيمان من اجتماع هذه الأربع، لا بد من اجتماع هذه الأربع. وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة، خلافاً للمرجئة وخلافاً كذلك للمعتزلة ومن نحا نحوهم من هذه الفرق الضالة. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى.