الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع وجوب الإيمان بجميع أخبار يوم القيامة الواردة في الكتاب والسنة، ويبين أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة كالمشفاعة العظمى وشفاعته لأهل الجنة ولعمه أبي طالب. كما يثبت أن الجنة والنار مخلوقتان معدتان رداً على المعتزلة والخوارج الذين ينكرون ذلك.
يستعرض المقطع أدلة القرآن والسنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، فقد أعد الله الجنة للمتقين والنار للكافرين ووصف نعيم الجنة وعذاب النار. كما يشير إلى رؤية النبي لهما في المعراج وصلاة الخسوف رداً على من ينكر وجودهما.
يستعرض المقطع أدلة القرآن والسنة على أن الجنة في أعلى عليين والنار في أسفل سافلين وأنهما موجودتان الآن ولا تفنيان أبداً، مستدلاً بآيات الخلود وأحاديث ذبح الموت. ويناقش أقوال من نُسب إليهم القول بفناء النار مبيناً أن التحقيق يدل على عدم ثبوت ذلك صراحة.
يوضح المقطع أن شيخ الإسلام ابن تيمية تراجع عن قول فناء النار، وأن هذا القول منقول عن الجهمية والمعتزلة لا عن أهل السنة. كما بين أن ابن القيم في أواخر أقواله أثبت بقاء الجنة والنار ضمن ثمانية أشياء لا تفنى، ومعتقد أهل السنة أن الجنة والنار لا تفنيان.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أخبار ذلك اليوم وأهواله، أعاننا الله عليها». ذكر رحمه الله تعالى أن كل ما ذكر في كتاب الله جل وعلا أو في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار يوم القيامة، وجب الإيمان بذلك، وعدم رد شيء من ذلك؛ بأن الإيمان بهذه الأخبار الواردة في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بما يحدث ذلك اليوم، هي تبع للإيمان باليوم الآخر. فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بكل ما ذكر في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن رد شيئا بعد بلوغه العلم فهو يكفر برد خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، إلا إذا وجد عنده تأويل يُعذر فيه. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، وهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة». ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع نوعا من أنواع الشفاعة الخاصة التي ثبتت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. قد سبق أن ذكر رحمه الله تعالى النوع الأول من أنواع الشفاعة الخاصة للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي الشفاعة العظمى. فللنبي عليه الصلاة والسلام شفاعة خاصة، منها: الشفاعة العظمى، والثانية: شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، والثالث: شفاعته لعمه أبي طالب. فهذه ثلاث شفاعات، وهي من الشفاعة الخاصة للنبي عليه الصلاة والسلام لا يشاركه فيها أحد. فقد ذكر رحمه الله الشفاعة العظمى، ثم ذكر هنا رحمه الله تعالى أيضا نوعا من أنواع الشفاعة الخاصة، وهي الشفاعة لأهل الجنة بأن يدخلوا الجنة. فأهل الجنة إذا جاءوا إلى الجنة وجدوا باب الجنة مغلقا، بعد مرورهم على الصراط ووقوفهم عند القنطرة التي يُقتص فيها. فبعد المرور على الصراط تكون القنطرة التي يحصل عندها القصاص، فيُقتص للمؤمنين بعضهم لبعض، فيُهذبوا. بعد ذلك يدخلون الجنة. فعند إرادتهم دخول الجنة يجدون باب الجنة مغلقا، فيحتاجون إلى من يشفع لهم في دخول الجنة. فهذه الشفاعة ليست لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد عليه الصلاة والسلام. قد جاء ذكر هذا النوع من الشفاعة الخاصة في القرآن، في قوله جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]. فقوله جل وعلا: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ يدل على حصول شيء قبل فتح أبواب الجنة، هذا الشيء هو الشفاعة، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. تفتح أبواب الجنة بعد حصول هذه الشفاعة، وبعد حدوث هذه الشفاعة التي يشفع فيها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الجنة بأن يدخلوا الجنة. جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «آتي باب الجنة فأستفتح، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد، فيقال: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك». أمرت أن أفتح لك، أمر من رب العالمين جل وعلا أن لا يفتح لأحد قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فيدخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة والأنبياء معه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك. وأول الأمم دخولا الجنة بعد الأنبياء هي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فيشفع النبي عليه الصلاة والسلام للناس في دخول الجنة، وللأمم كلها، بل وللأنبياء، فلا يفتح إلا للنبي عليه الصلاة والسلام أولا قبل أي أحد. نعم، فيدخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة، وبعده الأنبياء، وبعده من الأمم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فذكر رحمه الله تعالى هذا النوع من هذه الشفاعة الخاصة التي للنبي عليه الصلاة والسلام. وهناك الشفاعة أيضا لعمه أبي طالب، لم يذكرها هنا رحمه الله، اكتفى بذكر هذين النوعين من أنواع الشفاعة الخاصة للنبي عليه الصلاة والسلام: الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة. الشفاعة الثالثة هي شفاعته لعمه أبي طالب، كما جاء في الصحيح في حديث العباس بن عبد المطلب وغيره، أن العباس قال: يا رسول الله، إن عمك كان يحوطك، بمعنى ينصرك ويدافع عنك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، شفعت له حتى كان في ضحضاح، أو قال: أخرجته من قعر النار إلى ضحضاحها، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». أخرجه من قعر النار إلى ضحضاحها، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. فهذه الشفاعة لأبي طالب هي شفاعة ناقصة، ليست هي شفاعة في خروجه من النار، وإنما هي شفاعة في تخفيف العذاب، شفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب، لما كان له من نصرة للنبي عليه الصلاة والسلام. وأكرمه الله عز وجل بإكرام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يشفع في عمه بأن يخرج من قعر النار إلى ضحضاحها، وهو أهون أهل النار عذابا، عليه جمرتان على قدميه، جمرتان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابا، لا يرى أحدا أشد منه عذابا. فهذه الشفاعة أيضا خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة لمشرك، لا شفاعة لمشرك من الخروج من النار، وإنما الشفاعة هنا لأبي طالب وهو مشرك، هي ليست شفاعة في خروجه من النار، وإنما في تخفيف العذاب، في تخفيف العذاب. بذلك قال بعض أهل العلم: استثنى هذه الشفاعة من قوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]، أي: لا تنفع أحدا شفاعة أحد من الشافعين. قال بعض أهل العلم، منهم الشيخ العثيمين رحمه الله: لكن هذه الشفاعة لأبي طالب مستثناة، مستثناة؛ فإنه تنفعه، تنفعه شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا النفع ليس نفعا كاملا حيث يخرج من النار، وإنما في تخفيف العذاب، في تخفيف العذاب. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالجنة والنار، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالجنة والنار، وأن الله سبحانه وتعالى أعد الجنة وأعد النار لعباده المتقين المؤمنين. فالجنة قد أعدت، والنار قد أعدت. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة، وهكذا الخوارج الذين لا يقولون بأن الجنة قد أعدت والنار قد أعدت، لمعتقدهم الفاسد، ولتقديم عقولهم على الشرع. فهم يقولون: ما فائدة أن الجنة قد أعدت والنار قد أعدت؟ فالآن الجنة معدة، فذلك من العبث، من العبث؛ لأنها تبقى أوقاتا عديدة معطلة. نعم، يعني لا فائدة من إعدادها لأن الناس سيدخلونها يوم القيامة. فتهيأت الجنة، وإعداد الجنة من العبث المنزه عنه ربنا جل وعلا، هكذا زعموا. لماذا؟ لتقديم عقولهم على شرع رب العالمين جل وعلا. النصوص كثيرة في كتاب الله جل وعلا، في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، في أن الجنة قد أعدت. بل جاءت النصوص في أن الشهداء أو أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. وجاء كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض النصوص أن روح المؤمن ونسمته طير معلق، أو على شجرة معلقة في الجنة. وهكذا نصوص تدل على أن من أرواح المؤمنين من هي تنعم في جنة الله سبحانه وتعالى على شكل طير، أو في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أن الجنة والنار قد أعدهما الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، أعدت للمتقين. وقال جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21]. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]. ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّن غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 45-48]. وآيات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: 17-19]. فهذه النصوص تدل على أن الجنة دار المتقين، وقد أعدها الله سبحانه وتعالى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «إن الله جل وعلا قال: أعددت لعبادي ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب بشر، ولا أذن سمعت». أعد ذلك ربنا عز وجل لعباده المؤمنين المتقين. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح». فالذي يغدو إلى المسجد أو يروح، يذهب ويرجع، فالله جل وعلا يعد له نزلا، وهو ما يهيأ للضيف، كلما غدا أو راح. فهذا يدل على أن الله جل وعلا قد خلق الجنة أو وجدها، وأعد لعباده فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعد لهم النزل في جنته سبحانه وتعالى. وقال جل وعلا في كتابه الكريم أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: 107]، كانت لهم جنات الفردوس نزلا، أي معدة ومهيأة ينزلون فيها، وفيها مما أعده الله جل وعلا من الخير العظيم. وه من الخير العظيم. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخبر في أحاديث كثيرة عن خلق الجنة، وأن الله جل وعلا قد أعدها. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر وغيره: «إذا مات العبد رأى مقعده من الجنة، إن كان من أهل الجنة رأى مقعده في الجنة، وإن كان من أهل النار رأى مقعده في النار». وكذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، الذي رواه بعض أهل السنن، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الميت يفتح له باب إلى الجنة فيرى مقعده في الجنة. وكذلك الكافر، وعياذ بالله، يفتح له باب من النار فيرى مقعده في النار. فهذا يدل على وجود الجنة، وعلى وجود النار، وأن الله جل وعلا قد خلقهما. ولما خلق الله جل وعلا الجنة، كما جاء في الصحيحين أيضا، أمر جبريل عليه السلام أن يذهب وينظر إلى الجنة. فذهب جبريل ورأى الجنة وما فيها، قال: «والله لا يسمع بها أحد إلا دخلها». وخلق الله جل وعلا النار، وقال: «يا جبريل اذهب فانظرها». فذهب جبريل فرأى النار ورأى ما فيها من العذاب، قال: «والله لا يسمع بها أحد إلا هرب منها». ثم جعل الله سبحانه وتعالى الجنة محفوفة بالمكاره، قال: «يا جبريل اذهب انظر إليها». فلما رآها محفوفة بالمكاره قال: «وعزتك وجلالك، لا يسمع بها أحد» - أو قال: «خشيت أن لا يدخلها أحد». بماذا؟ لأنها حفت بالمكاره، يعني بما تكره النفوس من الاستقامة والطاعة والاستمرار عليها والعبادات، هذه أمور تكره النفوس. نعم. وكذلك جعل الله عز وجل النار محفوفة بالشهوات، فقال: «يا جبريل اذهب فانظر إليها». فقال: فرآها جبريل، قال: «خشيت أن... أن يدخلوها»، أو كما قال. وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، الشاهد أن الله جل وعلا قد خلق الجنة، وأن الله جل وعلا قد خلق النار، وقد أعد الله الجنة للمتقين، للمتقين: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وخلق النار وأعدها للكافرين: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. قال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الإنسان: 10]، إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا. فالله جل وعلا أعد النار للكافرين نزلا، وأعد الله جل وعلا الجنة للمؤمنين نزلا. هذه أدلة كثيرة تدل على وجود النار والجنة، خلافا للمعتزلة وللخوارج. والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء أيضا في الصحيح، لما صلى صلاة الخسوف، تقدم عليه الصلاة والسلام ثم تأخر. فلما سئل عن ذلك عليه الصلاة والسلام، أخبر أنه قد رأى الجنة، وأراد أن يأخذ عنقودا منها من عناقيد الجنة، قال: «فأخذته، لو كلتم منه ما بقيت الدنيا». وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه لما تأخر رأى النار وما فيها من العذاب، فتأخر عليه الصلاة والسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «فلم أر في الخير والشر مثل اليوم قط». رأى من الخير العظيم في جنة الله سبحانه وتعالى، ورأى كذلك ما في النار من العذاب والجحيم، ومن الشر العظيم. هذا رآه النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من المعراج به عليه الصلاة والسلام، ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16]. فالنبي عليه الصلاة والسلام وصل إلى موضع سمع فيه صريف الأقلام، ورأى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى. ورأى النبي عليه الصلاة والسلام الجنة، وأخبر بشيء مما فيها، وأنها من حصباء اللؤلؤ، وأخبر أن لبنة من ذهب ولبنة من فضة. وهكذا النصوص كثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام تدل على أن النار قد أوجدها الله، وقد خلقها، وقد أعدها الجنة، وهكذا النار قد خلقها جل وعلا، وقد أعدها. فلذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالجنة والنار». والجنة مكانها في أعلى عليين، والنار مكانها في أسفل سافلين، كما ذكر ذلك السلف الصالح رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. ودليل ذلك ما جاء في كتاب الله جل وعلا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: 18-20]. وجاء في حديث البراء وغيره، أن الله سبحانه وتعالى يقول، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «اكتبوا كتاب عبدي في عليين». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام فيما يروي عن ربه جل وعلا في هذا الحديث: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين، في الأرض السفلين، في الأرض السفلين». فالجنة في أعلى عليين، والنار في أسفل سافلين. هذا ما يتعلق بمكان الجنة ومكان النار. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالجنة والنار، فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. قال: والنار دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، فيها من العذاب والنكال ما لا يخطر على البال، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. قال: وهما موجودتان الآن، ولن تفنيا أبد الآبدين». ذكر أيضا هنا في هذا الموضع فيما يتعلق باعتقاد أهل السنة والجماعة في الجنة والنار، أنهما لا تفنيان. فالجنة لا تفنى، والنار لا تفنى. وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة: أن الجنة لا تفنى، والنار كذلك لا تفنى. وذلك للأدلة الكثيرة في كتاب الله، وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فآيات كثيرة في ذكر خلود أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وهكذا في حق أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. فأهل الجنة خالدون في جنة الله سبحانه وتعالى، وأهل النار الكفار خالدون في نار جهنم، خالدون في نار جهنم. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، خلافا للجهمية القائلين بفناء النار. فالجهمية يقولون بفناء النار، وأن النار تفنى يوم القيامة. نعم، وهذا خلاف كتاب الله، وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة القول بفناء النار. نقل عن عمر، ونقل عن أبي هريرة، ونقل عن أبي سعيد الخدري، ونقل كذلك عن جماعة من التابعين، أو عن بعض التابعين، القول بفناء النار. ونقل كذلك عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، رحمة الله تعالى عليهما. والتحقيق في هذا: أنه لم يثبت عن الصحابة في ذلك شيء صريح. أما عن عمر فهو ضعيف، ضعف في السند. وعن أبي هريرة وأبي سعيد، بعض أهل العلم صحح ذلك عنهما، أي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما. لكن ليس فيه التصريح، ليس فيه التصريح بفناء النار، وإنما الذي نقل أنهما نظرا في قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 106-107]، إلا ما شاء ربك. هنا الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، استثناء في الخلود. فنقل عنهما أنهما يقولان بأن النار تفنى، لأن هذا تعلق بمشية الله جل وعلا، أي إلى أمد، إلى أمد يشاءه الله جل وعلا، ثم بعد ذلك تفنى وتنتهي، أي النار. وهذا لا دليل فيه على فناء النار، لأن المشيئة هنا: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، فهو يتعلق بقبل الدخول، قبل دخول نار جهنم. فهم خالدون في نار جهنم أبدا، ليس بمعنى أنهم خالدون أبدا في كل وقت، لا يستثنى ذلك الوقت الذي لم يدخلوه فيها، قبل دخولهم النار. هذا تفسير، هذا تفسير جمهور المفسرين. ونقل ذلك السعدي رحمه الله، كما في تفسيره. ذكر رحمه الله تعالى، أي عبد الرحمن السعدي رحمة الله تعالى عليه، أن جمهور المفسرين في تفسير هذه الآية، في قوله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، المراد هنا بالمشية: قبل دخولهم، قبل دخولهم النار. وأما بعد دخولهم فإنهم خالدون مخلدون فيها. هذا تفسير جمهور المفسرين، وهذا الذي دلت عليه الأدلة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيما يتعلق بنار جهنم: أن من دخلها من الكافرين فهو خالد مخلد فيها، فلا يخفف عنه العذاب، ولا يقضى عليه، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عليهم من عذابها، فلا تخفيف للعذاب، وكذلك قضى عليهم. ولما قال أهل النار لمالك، كما قال جل وعلا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]، ادعو ربك يخفف عننا يوما من العذاب، قال: ﴿إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾، ماكثون، أي في هذه النار خالدون مخلدون. نعم. وكذلك كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي سعيد في الصحيح، في ذبح الموت بين الجنة والنار. فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يؤتى بالموت على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار. يقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، الموت. ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فينظرون فيه، فيشرئبون، ويقولون: نعم، الموت. فيذبح الموت الذي جئ به على صورة كبش بين الجنة والنار، فينادى: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. إذن أهل الجنة خالدون، وأهل النار كذلك خالدون فيها. فدل هذا على أن النار لا تفنى أبد الآباد، فهي دائمة، وأهل النار فيها على دوام وعلى استمرار وعدم انقطاع، خالدون في هذه النار. إذا مزقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]. العذاب مستمر غير منقطع في نار جهنم، في حق الكافرين. وأهل الجنة ينعمون في جنة الله سبحانه وتعالى. فهذا يدل على أن الجنة والنار لا تفنى. وما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وأنه يقول بفناء النار، فأهل العلم فيما ثبت عن شيخ الإسلام تيمية على أقوال. فمنهم من رد ذلك وقال: لم يقل ذلك شيخ الإسلام. ومنهم من أثبت ذلك لشيخ الإسلام، كالعلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، قال: لعل شيخ الإسلام تيمية رحمه الله قال بفناء النار في بداية طلبه للعلم، في بداية طلبه للعلم، قبل أن يرسخ. قال بذلك لماذا؟ لأنه في الفتاوى، أي الفتاوى، شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى نقل إجماع أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار لا تفنيان، في الفتاوى: إجماع أهل السنة والجماعة، نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيه بيان أن معتقد أهل السنة والجماعة في الجنة والنار أنهما لا تفنيان. وابن القيم رحمه الله تعالى ذكر في الروح، ونقل عن شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى أنه يقول بفناء النار. وسئل الشيخ مقبل رحمة الله تعالى عليه عن قول شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى في القول بفناء النار، قال: تراجع عن ذلك، تراجع عن ذلك. فالشاهد أن منهم من يثبت ذلك في حق شيخ الإسلام تيمية، لكن الناس مع شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى طرفان: طرف غلا في ذم شيخ الإسلام تيمية رحمة الله تعالى عليه، وجعله حامل لواء هذه المسألة، وهي القول بفناء النار، وأنه حامل لواء هذه المسألة، وليس الأمر كذلك. فمن خالف في هذا هم الجهمية، المعتزلة، كما نقل ابن حزم رحمة الله تعالى عليه وغيره. منهم من قال: أجمع أهل السنة والجماعة على هذا، على هذا الاعتقاد، في أن النار والجنة لا تفنيان. حتى نبتت نابتة المعتزلة، حتى نبتت نابتة المعتزلة، هذه النبتة لما نبتت قالت بفناء النار. والشيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى، اعتذر له بأنه أخذ بما جاء من الآثار التي جاءت عن عمر، وجاءت عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد، في القول بفناء النار، استدلالا بالآية السابقة: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾. ولكن كما سمعتم، أن هذه الآثار المنقولة عن الصحابة لا تثبت، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صحيح صح، وبعض أهل العلم قال به، لكنه غير صريح، غير صريح في القول، وبأنهم يقولون إن النار تفنى يوم القيامة. وابن القيم رحمة الله تعالى عليه، كذلك نقل عنه القول بفناء النار. فمنهم من قال: هو لم يقل بفناء النار، وإنما يقصد جزء العصاة، أي نار عصاة الموحدين. فالموحدون الذين لم يغفر الله جل وعلا لهم، يعني ما اقترفوه من الكبائر، ودخلوا النار وعذبوا فيها ما شاء الله جل وعلا أن يعذبوا، ثم يخرجوا، فإنهم إذا خرجوا من النار، هذا الموضع، هذا الموضع في النار الذي خرج منه عصاة الموحدين، يفنى. هذا الموضع الذي خرج منه عصاة الموحدين يفنى. نقل هذا عن ابن القيم. وهذا القول قد قال به بعض أهل العلم. نقل هذا، أو ذكر عن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أنه يقول هذا. وهذا الشيخ الجابري رحمة الله تعالى عليه، وإن كان صحيحا، الله أعلم، أن يقال: الله أعلم، أن يقال: الله أعلم، بعد خروج عصاة الموحدين من النار، ذلك الجزء الذي كانوا فيه يفنى أو لا يفنى، الله أعلم. ما في دليل على أنه يفنى. لكن يعلم بأن هذا القول قد قال به بعض أهل العلم. وهذا الذي نقلوه عن ابن القيم أنه قاله، وليس هو فناء النار بالكلية. وعلى هذا، أو هذا، فإذا قال به شيخ الإسلام، كما سمعتم، فإنه في الفتاوى كلام واضح بين، ينقل إجماع أهل السنة على أن الجنة والنار لا تفنى. وهذا قد نقله ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في مواضع من كتبه، ينقل هذا الإجماع. فيقال: هذا مما زلت به القدم، وتراجع عنه. ولا يسلم أحد من كبوة، كما يقال: لكل جواد كبوة. فمعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار لا تفنيان. هذه من الأمور الثمانية التي لا تفنى. ابن القيم رحمه الله تعالى ما يدل على أنه لا يقول، يعني بفناء الجنة، وأن هذا القول هو آخر أقواله، إذا ثبت عنه القول الأول بفناء النار، أنه يقول في الشافية والكافية: «ثمانية ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلق، والباقون في حيز العدمي، وهي: العرش، والكرسي، ونار، وجنة، وعجب، وأرواح، كذا اللوح، والقلم». فذكر هذه الثمانية الأشياء التي لا تفنى، بل تبقى ولا تفنى، ومنها: ماذا؟ الجنة والنار. وما سمعتم. فهذا يدل على أنه لو قال بذلك، فربما كان في بعض كتبه، على ما جاء من كلام لأهل العلم فيما يتعلق بكتابه الروح، وأن من أهل العلم من شكك في نسبته إليه، إلى آخر ذلك. لكن الواضح البين من كلام هذين الإمامين أنهما لا يقولان بفناء النار، وإنما هو قول الجهمية الذين ضلوا في هذا الباب، وخالفوا معتقد أهل السنة والجماعة. نواصل في درس لاحق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.